أخبار

أتلانتك": كيف خسر نتنياهو أمريكا.. وتصدع "التحالف التاريخي"

بعد حرب غزة..

أتلانتك": كيف خسر نتنياهو أمريكا.. وتصدع "التحالف التاريخي"

واشنطن: يتناول الكاتب الأمريكي فرانكلين فوا في هذا المقال التحولات التي شهدتها علاقة إسرائيل بالولايات المتحدة خلال سنوات حكم بنيامين نتنياهو، ويرى أن سياسات رئيس الوزراء الإسرائيلي أسهمت في تراجع الدعم التقليدي لإسرائيل داخل قطاعات من المشهد السياسي الأمريكي، ولا سيما في أوساط الحزب الديمقراطي.

و في مجلة "أتلانتك" يقدم الكاتب قراءة تحليلية لأسباب تراجع الدعم السياسي الأمريكي لإسرائيل، خاصة داخل الحزب الديمقراطي، مستندًا إلى تطورات السياسة الأمريكية، والعلاقات بين نتنياهو والإدارات الأمريكية المتعاقبة، وتداعيات الحرب في قطاع غزة.

على مدى أكثر من أربعة عقود، ارتبط اسم بنيامين نتنياهو بإدارة العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة. فمنذ انتقاله إلى واشنطن مطلع ثمانينيات القرن الماضي للعمل في السلك الدبلوماسي الإسرائيلي، برز بوصفه أحد أكثر المسؤولين الإسرائيليين قدرة على مخاطبة الرأي العام الأمريكي ووسائل الإعلام الغربية. وبفضل إجادته اللغة الإنجليزية وخبرته في المجتمع الأمريكي، أصبح أحد أبرز الوجوه التي تولت الدفاع عن السياسات الإسرائيلية أمام الجمهور الأمريكي.

وخلال مسيرته السياسية الطويلة، التي انتهت بجعله رئيس الوزراء الأطول بقاءً في منصبه في تاريخ إسرائيل، ظل الحفاظ على الدعم الأمريكي يمثل أحد أهم مرتكزات استراتيجيته السياسية. إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تحولًا ملحوظًا في طبيعة هذا الدعم، خصوصًا داخل الحزب الديمقراطي، الأمر الذي دفع عددًا من الباحثين والمحللين إلى التساؤل عما إذا كانت سياسات نتنياهو قد ساهمت في هذا التحول.

قبل نحو عقد من الزمن، كان دعم إسرائيل يُعد من القضايا التي تحظى بإجماع واسع داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي. وكانت الخلافات بين الإدارات الأمريكية والحكومات الإسرائيلية تتركز غالبًا حول ملفات محددة، مثل عملية السلام أو الاستيطان، دون أن تمس أسس العلاقة الاستراتيجية بين البلدين.

غير أن المشهد السياسي الأمريكي شهد خلال السنوات الأخيرة تغيرات متسارعة، ازدادت حدتها بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023 وما تلاه من الحرب في قطاع غزة. فقد اتسعت مساحة الانتقادات الموجهة لإسرائيل داخل الحزب الديمقراطي، ولم تعد مقتصرة على التيار التقدمي، بل امتدت إلى عدد من الشخصيات البارزة في الحزب.

ويشير مراقبون إلى أن مواقف عدد متزايد من أعضاء الكونغرس الديمقراطيين باتت تعكس هذا التحول، سواء من خلال الدعوة إلى فرض قيود على صادرات الأسلحة الأمريكية إلى إسرائيل، أو عبر المطالبة بربط المساعدات العسكرية بالتزامات تتعلق بالقانون الدولي والأوضاع الإنسانية في غزة. كما برزت شخصيات سياسية جديدة جعلت من انتقاد السياسات الإسرائيلية جزءًا أساسيًا من خطابها الانتخابي.

ولا يقتصر هذا التغير، وفق عدد من المحللين، على الحزب الديمقراطي وحده، إذ ظهرت خلال السنوات الأخيرة أصوات داخل الحزب الجمهوري تتبنى مواقف كانت تُعد في السابق غير مألوفة في الخطاب المحافظ تجاه إسرائيل، وهو ما يعكس تحولات أوسع في المزاج السياسي الأمريكي.

ويرى أصحاب هذا التحليل أن تفسير هذا التراجع لا يقتصر على تصاعد معاداة السامية أو التغيرات الأيديولوجية داخل الولايات المتحدة، بل يرتبط أيضًا بطريقة إدارة الحكومة الإسرائيلية لعلاقاتها مع واشنطن، وبالخيارات السياسية التي اتخذها نتنياهو خلال سنوات حكمه.

ويستند هذا الرأي إلى أن صورة إسرائيل لدى قطاعات واسعة من الرأي العام الأمريكي لم تعد تُبنى فقط على التهديدات الأمنية التي تواجهها، وإنما أيضًا على كيفية إدارتها للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وعلى الخطاب السياسي الصادر عن قادتها، وما إذا كانت حكومتها تقدم رؤية سياسية لما بعد الحروب المتكررة في قطاع غزة.

ويذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى أن التحولات التي شهدها الرأي العام الأمريكي لم تكن نتيجة عامل واحد، بل جاءت حصيلة تفاعل مجموعة من المتغيرات السياسية والأمنية والإعلامية، كان لسياسات حكومة نتنياهو نصيب مهم منها، وفق تقديرهم.

العلاقات مع الإدارات الأمريكية... من إدارة الخلاف إلى الاستقطاب

شهدت العلاقات بين الحكومات الإسرائيلية والإدارات الأمريكية على مدى العقود الماضية العديد من الخلافات السياسية، إلا أن تلك الخلافات كانت تُدار عادةً ضمن إطار التحالف الاستراتيجي بين البلدين، دون أن تتحول إلى قضية خلافية داخل السياسة الأمريكية نفسها.

فعلى امتداد سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، دخل عدد من رؤساء الوزراء الإسرائيليين في مواجهات مع رؤساء أمريكيين بشأن قضايا مثل الانسحاب من الأراضي المحتلة أو توسيع المستوطنات أو المساعدات العسكرية، غير أن تلك الخلافات بقيت محصورة في نطاق العلاقات بين الحكومتين، بينما استمر الدعم لإسرائيل يحظى بتأييد واسع داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

ويرى عدد من الباحثين أن هذا النهج بدأ يتغير تدريجيًا خلال سنوات حكم بنيامين نتنياهو، ولا سيما مع تصاعد الخلافات بينه وبين إدارة الرئيس باراك أوباما، التي اعتبرت الاتفاق النووي مع إيران أحد أبرز إنجازاتها في السياسة الخارجية، في حين عارضته الحكومة الإسرائيلية بشدة وعدّته تهديدًا مباشرًا لأمنها.

وشكل خطاب نتنياهو أمام الكونغرس الأمريكي في مارس/آذار 2015 محطة مفصلية في هذا السياق. فقد ألقى رئيس الوزراء الإسرائيلي كلمة حذر فيها من الاتفاق النووي مع إيران، في زيارة نُسقت مع قيادة الحزب الجمهوري دون تنسيق مسبق مع البيت الأبيض، وهو ما أثار انتقادات واسعة داخل الأوساط السياسية الأمريكية، وعدّه كثيرون خروجًا عن الأعراف الدبلوماسية التي حكمت العلاقات بين البلدين لعقود.

ويشير محللون إلى أن هذا الحدث عزز الانطباع لدى قطاع من الديمقراطيين بأن الحكومة الإسرائيلية أصبحت أقرب سياسيًا إلى الحزب الجمهوري، وهو ما أسهم في إدخال إسرائيل بصورة متزايدة في دائرة الاستقطاب الحزبي داخل الولايات المتحدة.

ومع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض عام 2017، شهدت العلاقات بين واشنطن وتل أبيب تقاربًا غير مسبوق. فقد اتخذت الإدارة الأمريكية سلسلة من القرارات التي اعتبرتها الحكومة الإسرائيلية مكاسب استراتيجية، من بينها الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها، والانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، إلى جانب تبني مواقف أكثر توافقًا مع السياسات الإسرائيلية في ملفات عدة.

في المقابل، يرى عدد من المراقبين أن هذا التقارب الوثيق رسخ لدى جزء من الرأي العام الأمريكي، وخاصة داخل الحزب الديمقراطي، صورة تربط إسرائيل بالإدارة الجمهورية وسياسات الرئيس ترامب، الأمر الذي انعكس لاحقًا على طبيعة النقاش السياسي الأمريكي بشأن إسرائيل.

ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن التحالف الوثيق مع إدارة ترامب منح الحكومة الإسرائيلية مكاسب سياسية ودبلوماسية مهمة على المدى القصير، لكنه ساهم في الوقت نفسه في تراجع الطابع الحزبي المشترك الذي ميز الدعم الأمريكي لإسرائيل لعقود، وجعل هذا الدعم أكثر ارتباطًا بالاستقطاب الداخلي في الولايات المتحدة.

وبحسب هذا التحليل، فإن هذا التحول لم تظهر آثاره بصورة كاملة إلا بعد تغير الإدارة الأمريكية، حين عادت القضية الإسرائيلية لتصبح أحد الملفات المثيرة للجدل داخل الساحة السياسية الأمريكية، بعد أن كانت لفترة طويلة تحظى بدرجة كبيرة من التوافق بين الحزبين.

حرب غزة... نقطة التحول في الرأي العام الأمريكي

مثّل هجوم السابع من أكتوبر 2023 وما تبعه من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة اختبارًا غير مسبوق للعلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة، ولطبيعة الدعم الذي تحظى به داخل الساحة السياسية الأمريكية.

ففي الأيام الأولى للهجوم، سارعت إدارة الرئيس جو بايدن إلى إعلان دعمها الكامل لإسرائيل، واعتبرت أن من حقها الدفاع عن نفسها في مواجهة الهجمات التي تعرضت لها. كما زار بايدن إسرائيل في خطوة عُدت آنذاك رسالة تضامن سياسية وأمنية، وأقرت واشنطن مساعدات عسكرية إضافية، إلى جانب تعزيز انتشارها العسكري في المنطقة لردع أي تصعيد إقليمي.

إلا أن استمرار العمليات العسكرية في قطاع غزة، وارتفاع أعداد الضحايا المدنيين، وتفاقم الأزمة الإنسانية، أدى إلى تزايد الضغوط الداخلية على الإدارة الأمريكية، خاصة من جانب الجناح التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، الذي طالب بفرض قيود على الدعم العسكري الأمريكي، وربط المساعدات باحترام القانون الدولي وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية.

ويرى عدد من المحللين أن العلاقة بين نتنياهو وإدارة بايدن شهدت توترًا متزايدًا مع استمرار الحرب، إذ تكررت الخلافات بشأن إدارة العمليات العسكرية، ومستقبل قطاع غزة بعد انتهاء القتال، وآليات إيصال المساعدات الإنسانية، إضافة إلى غياب رؤية سياسية واضحة لمرحلة ما بعد الحرب.

كما أثارت بعض التصريحات العلنية المتبادلة بين مسؤولين في الحكومتين انطباعًا بوجود تباينات تتجاوز الخلافات التقليدية التي ميزت العلاقات الأمريكية الإسرائيلية في مراحل سابقة. ويرى مراقبون أن هذه الخلافات انعكست أيضًا على النقاش الداخلي في الولايات المتحدة، حيث أصبح الدعم غير المشروط لإسرائيل محل نقاش أوسع داخل الحزب الديمقراطي.

وفي الوقت نفسه، شهدت الجامعات الأمريكية وعدد من المدن الكبرى احتجاجات واسعة على الحرب في غزة، طالبت بوقف إطلاق النار، ووجهت انتقادات حادة للسياسات الإسرائيلية. ومع اتساع هذه الاحتجاجات، برزت القضية الفلسطينية بوصفها أحد الملفات الأكثر حضورًا في النقاش السياسي الأمريكي، خاصة بين فئة الشباب والناخبين التقدميين.

ويشير عدد من استطلاعات الرأي التي نُشرت خلال هذه الفترة إلى تغيرات ملحوظة في مواقف قطاعات من الرأي العام الأمريكي، إذ تراجعت مستويات التأييد التقليدية لإسرائيل، خاصة بين الشباب والديمقراطيين، في مقابل ازدياد التعاطف مع المدنيين الفلسطينيين والدعوات إلى إنهاء الحرب.

ويذهب أصحاب هذا التحليل إلى أن هذه التحولات لا يمكن تفسيرها بعامل واحد، وإنما جاءت نتيجة تفاعل الحرب، وتغطية وسائل الإعلام، والنقاشات داخل الجامعات، والخلافات السياسية بين واشنطن وتل أبيب، إضافة إلى الطريقة التي أدارت بها الحكومة الإسرائيلية الأزمة.

ومن هذا المنطلق، يرى هؤلاء أن الحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل شكلت أيضًا نقطة تحول في صورة إسرائيل داخل الولايات المتحدة، ودفعت شرائح من الرأي العام إلى إعادة تقييم مواقفها التقليدية تجاه الصراع، في ظل استمرار العمليات العسكرية وغياب أفق سياسي واضح لإنهائها.

الائتلاف الحاكم وصورة إسرائيل في الخارج

إلى جانب تطورات الحرب، برزت تركيبة الحكومة الإسرائيلية بوصفها أحد العوامل التي أثارت اهتمامًا متزايدًا في الأوساط السياسية والإعلامية الغربية. فقد ضم الائتلاف الذي شكله بنيامين نتنياهو بعد انتخابات عام 2022 أحزابًا وقوى من اليمين القومي والديني، الأمر الذي انعكس على الخطاب السياسي الصادر عن بعض الوزراء، وأثار انتقادات داخل إسرائيل وخارجها.

ويرى محللون أن تصريحات عدد من أعضاء الحكومة، ولا سيما تلك المتعلقة بقطاع غزة ومستقبل السكان الفلسطينيين، أصبحت تُستشهد بها بصورة متكررة في وسائل الإعلام الدولية وفي مداولات المنظمات الحقوقية، باعتبارها مؤشرات على توجهات داخل الحكومة الإسرائيلية. وفي المقابل، تؤكد الحكومة الإسرائيلية أن سياساتها الرسمية تُحدد من خلال مجلس الوزراء والمؤسسات الأمنية، وليس عبر التصريحات الفردية لبعض الوزراء.

وخلال الحرب، واجهت الحكومة انتقادات متزايدة بشأن آلية إدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة. فقد حذرت منظمات دولية مرارًا من تدهور الأوضاع الإنسانية، ودعت إلى تسهيل وصول الغذاء والدواء والوقود إلى المدنيين، بينما أكدت إسرائيل أنها تسمح بدخول المساعدات وفق اعتبارات أمنية، وأن حركة حماس تستغل جزءًا منها لأغراض عسكرية، وهو ما تنفيه الحركة.

كما برز خلاف بين إسرائيل وعدد من المؤسسات الدولية بشأن إدارة المساعدات الإنسانية وآليات توزيعها داخل القطاع، في وقت استمرت فيه الدعوات الأمريكية والأوروبية إلى زيادة حجم المساعدات وتقليل الأضرار التي تلحق بالمدنيين.

وفي الوقت نفسه، تعرضت الحكومة الإسرائيلية لانتقادات بسبب عدم إعلان رؤية متكاملة لإدارة قطاع غزة بعد انتهاء العمليات العسكرية. فقد دعت الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية إلى وضع تصور سياسي وأمني للمرحلة المقبلة، بما يضمن عدم عودة الفصائل المسلحة إلى السيطرة على القطاع، مع توفير إطار يسمح بإعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار.

إلا أن الحكومة الإسرائيلية لم تقدم حتى ذلك الوقت خطة نهائية تحظى بإجماع داخلي، وهو ما عزاه مراقبون إلى تعقيدات المشهد السياسي داخل الائتلاف الحاكم، وتباين مواقف الأحزاب المشاركة بشأن مستقبل غزة والقضية الفلسطينية بصورة عامة.

ويذهب عدد من الباحثين إلى أن غياب تصور سياسي واضح أضعف قدرة إسرائيل على الدفاع عن سياساتها أمام الرأي العام الدولي، إذ تركز النقاش بصورة متزايدة على الكلفة الإنسانية للحرب، في مقابل تراجع الحديث عن الترتيبات السياسية التي يمكن أن تليها.

وفي هذا السياق، يرى أصحاب هذا الاتجاه أن التحدي الذي واجه إسرائيل لم يعد يقتصر على تحقيق أهدافها العسكرية، بل امتد إلى الحفاظ على مستوى التأييد الدولي، ولا سيما في الولايات المتحدة، حيث أصبح الرأي العام أكثر انقسامًا بشأن الحرب مقارنة بما كان عليه في المراحل الأولى من الصراع.