من البوتات إلى تعقّب الناخبين.. الترسانة التقنية الخفية تعيد تشكيل الانتخابات الإسرائيلية
تل أبيب: دخلت الحملات الانتخابية في إسرائيل مرحلة جديدة لم تعد فيها المنافسة مقتصرة على الإعلانات السياسية واستطلاعات الرأي والعمل الميداني، بل باتت تعتمد على منظومة تقنية متطورة تجمع بين الذكاء الاصطناعي، والبوتات، والهويات الرقمية الوهمية، وقواعد البيانات الضخمة، وتقنيات تعقّب المستخدمين التي كان بعضها حتى وقت قريب جزءاً من أدوات العمل الاستخباري.
ويكشف تحقيق استقصائي نشرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية في 10 أغسطس/آب 2026، وأعده الصحفي المتخصص في الأمن الرقمي والتقنية عمر بن يعقوب (Omer Benjakob)، عن سوق متنامية من الأدوات والخدمات التقنية التي تستخدمها حملات انتخابية إسرائيلية عبر أطياف سياسية مختلفة، في ظل فجوة متزايدة بين التطور السريع لهذه القدرات وبين القواعد القانونية والرقابية المنظمة للعملية الانتخابية.
انتخابات جديدة بأدوات مختلفة
تكمن أهمية التحول الحالي في أنه حدث خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً. ففي انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2022، التي سبقت الإطلاق العام لـChatGPT بنحو شهر، كانت استخدامات الذكاء الاصطناعي التوليدي في الحملات السياسية محدودة للغاية مقارنة بما أصبحت عليه قبيل انتخابات 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
وخلال السنوات الأربع الفاصلة، تطورت الأدوات المتاحة للحملات من وسائل تقليدية لتضخيم المشاهدات والتفاعل على شبكات التواصل إلى منظومات أكثر تعقيداً تستطيع التأثير في استطلاعات الرأي غير الرسمية، وبناء هويات رقمية تبدو حقيقية، وجمع معلومات تفصيلية عن الناخبين، وتصنيفهم سياسياً، والوصول إليهم برسائل مصممة وفق خصائصهم وميولهم.
ويحدث هذا التحول في ظل منظومة تشريعية تعود جذورها إلى خمسينيات القرن الماضي. وعلى الرغم من إدخال تعديلات لمعالجة بعض التهديدات الحديثة، مثل «التزييف العميق»، فإن مساحة واسعة من الأدوات الجديدة لا تزال تعمل من دون إطار رقابي متكامل.
بوتات لتزوير الاستطلاعات وصناعة الزخم
إحدى الخدمات التي دخلت سوق الحملات الانتخابية تتمثل في تشغيل أساطيل من البوتات للمشاركة في استطلاعات الرأي المفتوحة وغير العلمية المنتشرة على شبكات التواصل الاجتماعي.
ولا تتمتع هذه الاستطلاعات بقيمة إحصائية حقيقية، لكنها تستطيع التأثير في الانطباع العام عن قوة المرشحين والأحزاب، خصوصاً عندما تنتشر نتائجها على نطاق واسع وتتحول إلى مادة للتداول السياسي والإعلامي.
وتتيح هذه التقنية، على سبيل المثال، رفع نسبة التأييد الظاهرية لحزب أو مرشح، أو إعطاء الانطباع بأن حزباً يقترب من نسبة الحسم البالغة 3.25 في المئة لا يواجه خطراً حقيقياً، بما يمكن أن يؤثر نفسياً في سلوك ناخبيه أو في الطريقة التي ينظر بها الجمهور إلى فرصه الانتخابية.
المشكلة هنا لا تكمن في تغيير نتيجة استطلاع غير علمي فحسب، وإنما في قدرة النتائج المصطنعة على صناعة «زخم» سياسي يمكن إعادة تدويره لاحقاً في النقاش العام ووسائل التواصل.
أفاتارات بهويات تبدو حقيقية
الأكثر تطوراً هو ظهور شبكات من «الأفاتارات» الرقمية المصممة لتبدو وكأنها حسابات لمستخدمين حقيقيين.
بعض هذه الهويات لا يمتلك مجرد حساب على شبكة اجتماعية، بل يرتبط بأرقام هواتف حقيقية، ما يمنحه القدرة على المشاركة في استطلاعات تُرسل عبر الرسائل النصية أو تُنشر داخل مجموعات كبيرة على واتساب وتيليغرام.
إنشاء مثل هذه الشبكات يحتاج إلى بنية تحتية تُبنى على مدى زمني، بما يسمح للهويات الرقمية باكتساب تاريخ من النشاط والتفاعل يجعل اكتشافها أكثر صعوبة.
وأُنشئت شبكتان على الأقل من هذه الأفاتارات قبيل الانتخابات الحالية لخدمة حملات مرشحين ينتمون إلى اتجاهات سياسية مختلفة. ولا يقتصر دورها على تضخيم الرسائل السياسية، بل يمكن استخدامها للدخول إلى مجموعات مغلقة تضم ناخبين محتملين، وجمع معلومات عن النقاشات الدائرة داخلها قبل الانتقال إلى مرحلة التأثير المستهدف.
وهكذا تتحول الهوية الرقمية الوهمية من أداة دعائية علنية إلى وسيلة للرصد والتغلغل داخل البيئات الرقمية التي يتحرك فيها الناخبون.
تجربة سابقة خارج إسرائيل
هذه القدرات ليست جديدة بالكامل على شركات التقنية الإسرائيلية. ففي عام 2024 استخدمت شركة إسرائيلية منظومة تأثير تعتمد على أفاتارات رقمية في حملة استهدفت صفحات مشرعين أمريكيين في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول.
واكتشفت شركة Meta العملية وأزالت الشبكة، ما أدى آنذاك إلى إحراج لإسرائيل. غير أن التطور اللافت في الانتخابات الحالية يتمثل في انتقال أدوات مشابهة من ساحات التأثير الخارجي إلى الداخل الإسرائيلي، بحيث يصبح الناخب الإسرائيلي نفسه هدفاً لهذه القدرات.
جيوش بشرية يديرها الذكاء الاصطناعي
ولا تقوم عمليات التأثير كلها على الحسابات الوهمية. فهناك نموذج آخر يعتمد على آلاف المستخدمين الحقيقيين الذين يتحولون عملياً إلى شبكة توزيع منظمة للمحتوى السياسي.
ويبرز في هذا السياق مثال لشبكة تضم نحو ستة آلاف مؤيد يتلقون بصورة يومية رسائل وصوراً ومقاطع فيديو معدة مسبقاً، ثم يعيدون نشرها عبر حساباتهم الشخصية.
ويضيف الذكاء الاصطناعي مستوى جديداً من الكفاءة إلى هذه الشبكات، إذ يمكن استخدامه لتحديد النقاشات والمنشورات المناسبة للتدخل فيها، واقتراح التعليقات والرسائل الملائمة لكل سياق.
والنتيجة هي نموذج يجمع بين مصداقية الحساب البشري الحقيقي وبين القدرة الآلية على إنتاج المحتوى وتوجيهه وتوزيعه على نطاق واسع.
من تعقب علماء إيران إلى تعقب الناخبين
في قلب التحول التقني تظهر تقنية تعرف باسم «استخبارات الإعلانات» أو ADINT، وهي من أكثر الأدوات حساسية في هذه المنظومة.
تعتمد التقنية على البيانات التي تنتجها منظومة الإعلانات الرقمية، وسبق استخدامها في العمل الاستخباري لأغراض من بينها تعقب علماء نوويين إيرانيين. لكنها انتقلت لاحقاً إلى السوق التجارية، وأصبحت متاحة للاستخدام في الحملات السياسية.
وتنبع خطورتها من قدرتها على المساعدة في كشف الهوية الحقيقية وراء المعرّفات الإعلانية التي يفترض أنها مجهولة الهوية على الهواتف المحمولة، وربط هذه المعرّفات بأرقام هواتف وأشخاص حقيقيين.
وبذلك تتحول آثار رقمية متناثرة يتركها المستخدم أثناء تصفحه واستخدامه التطبيقات إلى عناصر يمكن دمجها لبناء صورة أكثر دقة عنه.
ملف رقمي لكل ناخب
تتكامل هذه القدرات مع أنظمة إدارة علاقات الناخبين، المعروفة اختصاراً بـVRM، التي أصبحت بمثابة العقل التنظيمي للحملات الحديثة.
وتستطيع الحملات دمج قواعد بيانات تجارية واسعة مع سجل الناخبين الرسمي الصادر عن وزارة الداخلية، ثم استخدام أدوات التحليل والذكاء الاصطناعي لبناء ملفات أكثر تفصيلاً عن الناخبين وتصنيفهم وفق احتمالات التأييد أو المعارضة أو التردد.
وبدلاً من الاعتماد الكامل على الشركات التقليدية المهيمنة على سوق إدارة بيانات الناخبين، بدأت بعض الأحزاب ببناء أنظمتها الخاصة، مستخدمة نماذج ذكاء اصطناعي مثل Claude من Anthropic وChatGPT.
ولا تكمن أهمية هذه الأنظمة في معرفة هوية الناخب فقط، بل في تحويل المعلومات المتاحة عنه إلى قرار انتخابي عملي: من يجب التواصل معه؟ وما الرسالة الأكثر ملاءمة له؟ ومن يمكن إقناعه؟ ومن ينبغي دفعه إلى التوجه إلى صندوق الاقتراع؟
معركة حول معرفة من صوّت
أثارت قدرة الأحزاب على جمع البيانات الانتخابية مخاوف تتعلق بالخصوصية حتى داخل المؤسسات المشرفة على الانتخابات.
فقد منع رئيس لجنة الانتخابات المركزية، القاضي نائل سولبرغ، مراقبي الأحزاب من إبلاغ حملاتهم بصورة فورية بأسماء الأشخاص الذين أدلوا بأصواتهم يوم الاقتراع، معتبراً هذه الممارسة انتهاكاً للخصوصية.
وأثار القرار استياء أحزاب حريدية وحزب الليكود، لأن معرفة من صوّت ومن لم يصوّت تمنح الحملات أداة مهمة في الساعات الأخيرة من يوم الانتخابات، إذ تسمح لها بتوجيه جهود التعبئة نحو المؤيدين الذين لم يتوجهوا بعد إلى مراكز الاقتراع.
«مرحباً عمر.. معك بنيامين نتنياهو»
حتى المكالمات الهاتفية الآلية، وهي أداة انتخابية قديمة نسبياً، دخلت عصر الذكاء الاصطناعي.
فقد طورت شركات متخصصة مكالمات آلية مولّدة بالذكاء الاصطناعي تستطيع مخاطبة المتلقي باسمه، بحيث يمكن للناخب أن يسمع رسالة تبدأ، على سبيل المثال، بعبارة: «مرحباً عمر، معك بنيامين نتنياهو».
ولا تتوقف التقنية عند تشغيل تسجيل صوتي معد مسبقاً، إذ يمكن للنظام التفاعل مع المتلقي والإجابة عن أسئلته بالاعتماد على بنك من الردود والمعلومات التي أعدتها الحملة مسبقاً.
ويحوّل ذلك المكالمة الانتخابية من رسالة جماعية موحدة إلى تجربة شخصية تبدو أقرب إلى حوار مباشر بين المرشح والناخب.
المعركة تنتقل إلى ChatGPT
لكن أحد أكثر مجالات المنافسة حداثة لا يدور داخل فيسبوك أو واتساب أو صناديق الرسائل، بل داخل روبوتات المحادثة القائمة على الذكاء الاصطناعي.
وتستثمر الحملات فيما يعرف باسم GEO، أو تحسين الظهور داخل محركات ونماذج الذكاء الاصطناعي، من خلال إنتاج وبناء محتوى رقمي يمكن أن يؤثر في المعلومات التي تستوعبها هذه الأنظمة عن المرشحين والقضايا السياسية.
والهدف هو زيادة احتمالات ظهور معلومات إيجابية عن مرشح معين أو معلومات سلبية عن منافسيه عندما يلجأ المستخدم إلى روبوت محادثة للحصول على معلومات سياسية.
وبذلك يصبح السؤال الذي يطرحه الناخب على نموذج ذكاء اصطناعي ساحة جديدة للمنافسة الانتخابية، إلى جانب محركات البحث وشبكات التواصل والإعلانات السياسية التقليدية.
الخصوصية في قلب الأزمة
تثير هذه المنظومة مجتمعة إشكالية تتجاوز مسألة الدعاية السياسية إلى مستقبل الخصوصية نفسها في إسرائيل.
ويصف المحامي شاهر بن مئير الانتخابات بأنها «حدث كارثي للخصوصية»، ويربط استمرار المشكلة بالفراغ التنظيمي الذي يسمح للحملات بالعمل في مساحة قانونية لا تواكب التطور التقني.
وفي هذا السياق، يبرز تصريح لمدير حملة سابق لليكود عام 2019 لخّص فيه المنطق الذي يحكم المنافسة الانتخابية بقوله إنه «لا خطوط حمراء» وإن الهدف هو الفوز ثم معالجة الأضرار لاحقاً.
الخطر الأكبر يبدأ بعد إغلاق الصناديق
غير أن أخطر سيناريو لا يتعلق بالضرورة بما يمكن أن تفعله هذه الأدوات قبل التصويت، بل بما يمكن استخدامها من أجله بعد إغلاق صناديق الاقتراع.
وتحذر رئيسة برنامج الديمقراطية في عصر المعلومات في معهد إسرائيل للديمقراطية، تهيلا شفارتس ألتشولر، من إمكانية توظيف منظومة البوتات والأفاتارات والذكاء الاصطناعي وشبكات النشر المنظمة لإنتاج سردية فورية تزعم أن الانتخابات «سُرقت» أو أن نتائجها غير موثوقة.
وتكمن خطورة السيناريو في سرعة إنتاج السردية ونشرها خلال الفترة الحساسة الواقعة بين إغلاق الصناديق وإعلان النتائج النهائية، إذ يمكن لحملة رقمية منسقة أن تزرع الشكوك في شرعية العملية الانتخابية قبل أن تتمكن المؤسسات الرسمية أو القضاء من الاستجابة لها.
وفي مثل هذه البيئة، تصبح سرعة التأثير الرقمي أكبر من سرعة الاستجابة القانونية والمؤسسية.
انتخابات تتحول إلى معركة بيانات
تكشف الصورة التي يرسمها التحقيق أن التحول الأعمق في الانتخابات الإسرائيلية لا يتمثل في استخدام أداة تقنية بعينها، وإنما في اندماج مجموعة كبيرة من الأدوات داخل منظومة واحدة: بوتات تصنع انطباعات مزيفة، وأفاتارات تتسلل إلى المجتمعات الرقمية، ومتطوعون حقيقيون تضاعف خوارزميات الذكاء الاصطناعي قدرتهم على النشر، وتقنيات إعلانية تكشف هوية المستخدمين، وقواعد بيانات تبني ملفات سياسية للناخبين، ومكالمات اصطناعية تخاطب الفرد باسمه، ومحاولات للتأثير حتى في الإجابات التي تقدمها روبوتات المحادثة.
ويشير ذلك إلى انتقال الحملات من نموذج يقوم أساساً على مخاطبة الجمهور باعتباره كتلة واسعة، إلى نموذج يسعى إلى معرفة الناخب الفرد، وتصنيفه، وتعقبه رقمياً، وتحديد الرسالة المناسبة له، ثم الوصول إليه عبر القناة الأكثر قدرة على التأثير فيه.
وفي المقابل، تبدو المنظومة القانونية والرقابية أبطأ بكثير من هذا التحول. وبينما تتطور أدوات الحملات خلال أشهر، تحتاج التشريعات والقرارات القضائية إلى وقت أطول للحاق بها.
وهنا تكمن المسألة المركزية التي يطرحها التحقيق: لم يعد التحدي الذي تواجهه الانتخابات الإسرائيلية متعلقاً فقط بمن يستطيع إقناع عدد أكبر من الناخبين، بل بمن يمتلك البيانات والتكنولوجيا والقدرة على تشكيل البيئة المعلوماتية التي يتخذ الناخب داخلها قراره السياسي.