أخبار

البنتاغون يعيد تقييم وجوده العسكري في الخليج بعد حرب إيران

البنتاغون يعيد تقييم وجوده العسكري في الخليج بعد حرب إيران

واشنطن: يجري البنتاغون تقييمًا داخليًا لمستقبل الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، يتضمن بحث إمكانية تقليص القوات المنتشرة في الخليج أو إعادة توزيعها بعيدًا عن القواعد التقليدية التي تعرضت لأضرار واسعة خلال الحرب مع إيران، في تحول قد يعيد رسم الخريطة العسكرية الأميركية في المنطقة.

وبحسب تحقيق نشرته صحيفة واشنطن بوست في 18 أغسطس 2026، أعده نوح روبرتسون وجون هدسون وسوزانا جورج، بمساهمة تارا كوب، ويستند إلى إفادات ثمانية أشخاص مطلعين على الأمر، فإن النقاش الدائر داخل وزارة الدفاع يمثل إشارة مبكرة إلى حجم التأثير الذي تركته الحرب على التصورات الأميركية بشأن جدوى استمرار الانتشار العسكري بصورته السابقة في الخليج.

ويتركز أحد أبرز الخيارات المطروحة على احتمال سحب جزء من القوات الأميركية من الخليج أو نقلها إلى مواقع أقل عرضة للصواريخ والمسيّرات الإيرانية. وتشير المعطيات إلى أن وزارة الدفاع قد لا تعيد بناء بعض قواعدها المتضررة بالشكل الذي كانت عليه قبل الحرب، ما يفتح الباب أمام إعادة هيكلة أوسع للبصمة العسكرية الأميركية في المنطقة.

ويقود التقييم مكتب السياسات في البنتاغون بمشاركة هيئة الأركان المشتركة والقيادة المركزية الأميركية، إلا أن وزير الدفاع بيت هيغسث لم يأمر حتى الآن بإجراء مراجعة رسمية شاملة للوضع العسكري الأميركي في الشرق الأوسط. ووصف مسؤول رفيع في البنتاغون ما يجري بأنه «تخطيط حصيف» في الوقت الراهن، مع إقراره بأن قرارات ستحتاج إلى اتخاذها بشأن بعض هذه القضايا.

كلفة عسكرية ثقيلة

تكتسب المراجعة أهميتها من حجم الانتشار الأميركي في المنطقة. فالقيادة المركزية الأميركية تنشر عادة نحو 40 ألف جندي في قرابة 20 موقعًا على امتداد نحو 1500 ميل من الأردن إلى عُمان. ومنذ مطلع العام، نفذ الجيش الأميركي أكثر من 13 ألف ضربة ضد إيران، بالتوازي مع حشد سفن حربية ومقاتلات ومنظومات دفاع جوي إضافية لحماية قواته.

لكن الحرب كشفت في الوقت نفسه مدى تعرض هذه البنية العسكرية للخطر. فقد تضررت أو دُمرت أكثر من 200 منشأة أميركية خلال الصراع، وقُتل ستة جنود أميركيين في ضربة استهدفت ميناء الشعيبة العسكري في الكويت في مارس، كما استُهلك أكثر من ألف صاروخ اعتراضي متطور من منظومتي باتريوت وثاد. وقُتل أربعة جنود أميركيين آخرين في هجوم إيراني على الأردن، بما أظهر قدرة طهران على ضرب أهداف أميركية تتجاوز النطاق المباشر للخليج.

ويرى مايكل راتني، السفير الأميركي السابق لدى السعودية ونائب رئيس البعثة السابق في قطر، أن الحرب أظهرت هشاشة القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة. وطرح نقل جزء من هذه القوات غربًا، نحو الأردن أو إسرائيل أو ساحل البحر الأحمر السعودي، بوصفه حلًا جزئيًا، مع إقراره بأن المسافات الإضافية تجعل هذا الخيار غير مثالي.

وتشير المعطيات إلى أن القيادة المركزية كانت قد أخلت عددًا من قواعدها قبيل بدء الحرب في فبراير بعدما اعتبرتها شديدة التعرض للصواريخ والمسيّرات الإيرانية. وقد يستمر جزء من هذا الابتعاد عن المنشآت الخليجية الكبرى حتى بعد انتهاء الحرب، وهو ما يعني أن التحول الجاري قد يتجاوز الإجراءات المؤقتة التي فرضتها ظروف القتال.

انقسام داخل الإدارة الأميركية

يتزامن النقاش العسكري مع خلاف أوسع داخل الإدارة الأميركية حول الدور الذي ينبغي أن تلعبه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. فهناك تيار يؤيد استمرار التدخل العسكري الأميركي، في مقابل تيار يدعو إلى تقليص الالتزامات الأمنية في المنطقة وتوجيه الموارد نحو حماية الداخل الأميركي وردع منافسين استراتيجيين أكبر، وفي مقدمتهم الصين.

ويشارك قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال برادلي كوبر في مداولات تتناول احتمال نقل قوات أميركية غربًا بعيدًا عن الخليج، ما يعكس أن النقاش لا يتعلق فقط بخفض أعداد الجنود، وإنما أيضًا بإعادة تحديد المواقع الأكثر ملاءمة للانتشار الأميركي في مرحلة ما بعد الحرب.

وتضيف الكلفة المالية عاملًا آخر إلى هذه الحسابات. فقد قدر البنتاغون تكلفة الحرب حتى نهاية سبتمبر بنحو 37.5 مليار دولار، من دون احتساب إعادة إعمار القواعد المتضررة. وأوضح المراقب المالي لوزارة الدفاع جولز هيرست الثالث أمام الكونغرس أن هذه النفقات لم تدخل في التقديرات لأن الإدارة لم تحسم بعد كيفية إعادة الإعمار، بينما قدر معهد «أميركان إنتربرايز» تكلفة إصلاح القواعد المستهدفة بنحو خمسة مليارات دولار.

أين يمكن أن تنتقل القوات؟

تعكس المقترحات التي بدأت تظهر في واشنطن خلافًا حول النموذج الأمثل للانتشار المقبل. فقد اقترح مركز «أولويات الدفاع»، الذي يدعو إلى ضبط النفس العسكري الأميركي، إغلاق القواعد الواقعة ضمن مدى الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، ومنها المواقع في الكويت، ونقل القوات الموجودة في الإمارات والأردن والبحرين إلى منشآت يعتبرها أكثر أمنًا، مثل قاعدة الأمير سلطان الجوية قرب الرياض.

وفي اتجاه مختلف، دعا المعهد اليهودي للأمن القومي الأميركي «JINSA» إلى نقل مزيد من الأصول العسكرية الأميركية إلى قاعدة أوفدا الجوية في إسرائيل. لكن هذا الخيار أثار خلافًا داخل الإدارة، في ظل مخاوف لدى البنتاغون من أن يؤدي توسيع الوجود العسكري الأميركي هناك إلى ثغرات في مجال مكافحة التجسس، وسط قلق أميركي من التجسس الإسرائيلي.

شراكة أمنية مختلفة مع الخليج

لا يعني تقليص الوجود العسكري البري بالضرورة تراجع العلاقات الأمنية الأميركية مع دول الخليج. وترى أليسون ماينور، المديرة السابقة لشؤون شبه الجزيرة العربية في مجلس الأمن القومي خلال إدارة ترامب الأولى، أن دول الخليج يمكن أن تحتفظ بعناصر أساسية من شراكتها مع واشنطن، بما يشمل صفقات الأسلحة وتبادل المعلومات الاستخباراتية، حتى في حال خفض عدد القوات الأميركية المنتشرة على الأرض.

لكن إعادة تقييم الوجود العسكري تجري أيضًا في ظل توتر سياسي مع الحلفاء الخليجيين. فبحسب التحقيق، أثارت الحرب غضبًا متصاعدًا لدى حلفاء رئيسيين في الخليج بسبب شعورهم بأنهم لم يُستشاروا بما يكفي قبل أن تبدأ إدارة ترامب الحرب. ويأتي ذلك بينما يستمر تبادل الضربات المتقطع مع إيران بعد انهيار اتفاق سلام أولي وقع مع طهران في يونيو.

ولا تزال أي تغييرات دائمة في الانتشار الأميركي بعيدة عن الحسم، وستحتاج إلى موافقة كبار مسؤولي الإدارة. لكن مجرد انتقال النقاش من كيفية إعادة بناء القواعد إلى التساؤل عما إذا كان ينبغي إعادة بنائها أصلًا يكشف عن تحول مهم في التفكير الاستراتيجي الأميركي.

وفي حال ترجمة هذه المراجعة إلى قرارات فعلية، فقد لا يكون الاتجاه نحو انسحاب أميركي شامل من الخليج بقدر ما سيكون انتقالًا من نموذج القواعد الكبيرة والدائمة إلى انتشار أكثر مرونة وتوزعًا جغرافيًا، مع استمرار صفقات التسليح والتعاون الاستخباراتي والعلاقات الدفاعية مع دول المنطقة. وبذلك قد تكون النتيجة الأبعد مدى لحرب إيران إعادة تشكيل طريقة الوجود العسكري الأميركي في الخليج، لا إنهاء هذا الوجود.