اتفاق العلمين… هل أعاد نتنياهو صياغة خارطة الطريق؟
تعيش غزة حالة من الحزن والغضب والإحباط عقب بيان ممثل مجلس السلام نيكولاي ميلادينوف، في وقت ما زالت فيه الطائرات الحربية الإسرائيلية تحلق في أجواء القطاع. ومساء أمس، أسفرت غارة إسرائيلية عن استشهاد فلسطينيين، فيما تتواصل العمليات العسكرية والاغتيالات رغم الجهود السياسية الرامية إلى إنهاء الحرب. وحتى مساء السبت، سقط 18 شهيدًا في يوم جديد يؤكد أن الخيار العسكري ما يزال يتقدم على أي مسار سياسي.
في المقابل، يواصل مجلس السلام والوسطاء، مصر وتركيا وقطر والولايات المتحدة، الدفع نحو تنفيذ خارطة الطريق المنبثقة عن اتفاق العالمين وخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي تقوم على وقف الحرب، وإعادة ترتيب إدارة قطاع غزة، والتوصل إلى ترتيبات أمنية وسياسية تشمل ملف السلاح.
لكن التطور الأبرز لم يكن استمرار العمليات العسكرية، بل التحول الذي طرأ على مضمون الاتفاق بعد اجتماع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع المدير التنفيذي لمجلس السلام نيكولاي ميلادينوف.
فبعد اللقاء، لم يعد الخطاب الصادر عن مجلس السلام يتحدث عن انسحاب إسرائيلي متزامن مع تنفيذ بقية مراحل الاتفاق، بل أصبح يربط بقاء القوات الإسرائيلية في مواقعها داخل قطاع غزة باستكمال نزع سلاح حماس. وبهذا تحوّل الانسحاب من كونه جزءاً من العملية السياسية إلى نتيجة مشروطة بتحقيق مطلب أمني إسرائيلي.
ولا يقتصر الأمر على تغيير في ترتيب الخطوات، بل يمس جوهر خارطة الطريق. فربط الانسحاب بنزع السلاح يمنح إسرائيل عملياً حق الاحتفاظ بوجودها العسكري في المناطق التي سيطرت عليها خلال الحرب إلى أجل غير محدد، وهو ما يفسر مطالبة حركة حماس بالحصول على توضيحات رسمية بشأن مضمون الاتفاق وآليات تنفيذه.
ويأتي ذلك في وقت لم تعلن فيه حكومة نتنياهو رفضًا رسمياً للاتفاق، لكنها تعاملت معه باعتباره قابلاً لإعادة التفسير بما ينسجم مع رؤيتها الأمنية. كما أبلغت مجلس السلام بتحفظها على عدد من البنود، خصوصاً ما يتعلق بانتشار القوات الإسرائيلية، وآليات الانسحاب، وبعض الترتيبات الدولية الخاصة بالمرحلة الانتقالية.
وتكشف هذه التطورات فجوة واضحة بين جهود الوسطاء لإنهاء الحرب والسياسة التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية. فحكومة نتنياهو ما تزال تتمسك بمنطق إدارة الصراع عبر القوة العسكرية، لا عبر الانتقال إلى تسوية سياسية. ولذلك، لا تبدو العمليات العسكرية مجرد ردود فعل ميدانية، بل جزءاً من استراتيجية تهدف إلى تأجيل استحقاقات اليوم التالي للحرب، رغم الضغوط الأميركية وجهود الوسطاء للدفع نحو تنفيذ خارطة الطريق.
وفي صيغتها الأولى، لم تقتصر خطة مجلس السلام على نزع سلاح حماس، بل تضمنت إنشاء إدارة مدنية جديدة، وحكومة تكنوقراط، ودورًا لقوة متعددة الجنسيات، وإطلاق عملية إعادة إعمار واسعة. أما القراءة الإسرائيلية الجديدة، فتجعل نزع السلاح شرطًا سابقًا لكل هذه المراحل، بما يمنح إسرائيل قدرة أكبر على التحكم في توقيت الانسحاب وشكل المرحلة المقبلة.
ولا يبدو هذا التحول منفصلاً عن الحسابات السياسية الداخلية لنتنياهو، إذ إن استمرار الحرب والخطاب الأمني يظلان عنصرين مهمين في معركة الانتخابات المقبلة، ويحدان من قدرة حكومته على القبول بتسوية قد تُفسَّر داخليًا على أنها تراجع أمام حماس.
لذلك، فإن السؤال لم يعد يقتصر على ما إذا كانت إسرائيل تريد إنهاء الحرب، بل يمتد إلى ما إذا كانت خارطة الطريق التي أُعلن عنها في اتفاق العالمين ما تزال قائمة بصيغتها الأصلية، أم أنها خضعت، بعد لقاء نتنياهو وميلادينوف، لإعادة تفسير تمنح إسرائيل مساحة أوسع لفرض شروطها الأمنية والسياسية على المرحلة المقبلة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن ما نشهده لا يقتصر على خلاف حول آليات تنفيذ الاتفاق، بل قد يكون تحولاً في مضمونه، بما يعيد رسم العلاقة بين المسار العسكري والمسار السياسي، ويمنح إسرائيل اليد العليا في تحديد شكل اليوم التالي للحرب.