التناقض التاريخي: استدعاء الجلاد لمداواة الجرح
حين يتحول التاريخ إلى مفارقة
ليست كل المفارقات من صنع التاريخ، فبعضها تصنعه السياسة. وربما لا توجد مفارقة أشد إيلاماً في التاريخ الفلسطيني من أن الشعب الذي لا يزال ينشد العدالة منذ أكثر من قرن، ظل يبحث عنها لدى المنظومة الدولية نفسها التي أسهمت، بصورة مباشرة أو عبر صمتها البنيوي، في تشكيل الظروف التي أفضت إلى مأساته.
قد يبدو هذا الطرح صادماً، لكنه ليس دعوة إلى القطيعة العبثية مع المجتمع الدولي، ولا إهداراً لقيمة القانون الدولي، بل هو دعوة إلى مراجعة نقدية شجاعة؛ اختلط فيها الرهان على الشرعية الدولية بقدر من المبالغة والإفراط في الاعتقاد بأن هذه المنظومة قادرة -بنيوياً- على إنصاف الشعب الفلسطيني. إن مراجعة التجارب التاريخية ليست ترفاً فكرياً، وإنما ضرورة تفرضها مسؤولية البحث عن أسباب التعثر، لأن الشعوب التي لا تراجع مسيرتها تبقى أسيرة أخطائها، مهما كانت عدالة قضيتها.
المسؤولية التاريخية: من وعد بلفور إلى الهندسة الأممية
لم تبدأ المعضلة الفلسطينية مع خطوط الهدنة، بل تعود جذورها إلى تشكيل النظام الدولي نفسه. فقد جاء "وعد بلفور" عام 1917 ليمنح الحركة الصهيونية سنداً استعمارياً لإقامة وطن قومي، ثم تلقته عصبة الأمم عبر صياغة "صك الانتداب البريطاني" لشرعنة هذا الوعد وتحويله إلى سياسات ومؤسسات ووقائع ديموغرافية على الأرض. ولم يتوقف هذا المسار بنهاية الحرب العالمية الثانية، بل استمر مع ولادة الأمم المتحدة؛ حيث تجاوزت الجمعية العامة صلاحياتها في القرار (181) لعام 1947 عبر هندسة تقسيم وطن دون إرادة أهله الأصليين. إن هذه المسؤولية التاريخية لا تسقط بالتقادم، لأن المنظومة الأممية والدول الغربية الراعية لها لم تكن مجرد "وسيط محايد" أخطأ في تقدير الحسابات، بل كانت صانعاً رئيساً للظروف التي أسست للنكبة ومكّنت الاستعمار الاستيطاني من الجذور.
ولم تقف الأمور عند هذا الحد، بل تطورت لتصبح دعماً عملياً للكيان المحتل؛ ففي عقد الخمسينيات، ساعدت فرنسا إسرائيل في بناء المفاعل النووي في ديمونة، مما منحها قدرات نووية خارج إطار معاهدة عدم الانتشار (NPT) التي لم توقع عليها. وفي المقابل، استخدمت الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن أكثر من 80 مرة لحماية إسرائيل من أي قرار إدانة، وقدّمت لها مساعدات عسكرية سنوية تتجاوز 3 مليارات دولار، مما جعلها القوة المهيمنة في المنطقة والتي تستطيع الإفلات من أي رادع دولي.
الفخ القانوني: لماذا لم تتحول الشرعية إلى عدالة؟
تكمن الأزمة الحقوقية في أن تراكم عشرات القرارات الأممية الصريحة -من تأكيد حق تقرير المصير، إلى بطلان الاستيطان وعدم جواز حيازة الأراضي بالقوة- لم يتحول إلى أثر ملموس بسبب فخ الصياغة القانونية الذي نصبته القوى الكبرى.
لقد جرى حصر القرارات المحورية المتعلقة بالصراع (كالقرارين 242 و 338) عمداً تحت مظلة الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة (المتعلق بالحلول السلمية والتوصيات غير الإلزامية)، مع الامتناع الحاسم المتبوع بالفيتو الغربي عن إدراجها تحت الفصل السابع الذي يمتلك أدوات القسر والعقوبات وفرض السيادة القانونية.
هذا التكتيك القانوني حول القرارات الدولية من أدوات لإنهاء الاحتلال إلى "منصات تفاوضية" لا تنتهي، تُدار بها الأزمة بدلاً من حلها، وتمنح الاحتلال مظلة من الوقت لاستكمال مشروعه الاستيطاني على الأرض، بينما يُطلب من الضحية الاكتفاء بجمع المكتسبات الورقية.
والأكثر إثارة للقلق أن هذا المشروع التوسعي لم يعد سراً، بل أصبح معلناً على الملأ؛ ففي سبتمبر 2023، كشف نتنياهو رسمياً، في قاعة الأمم المتحدة نفسها، عن خريطة "إسرائيل الكبرى" التي تخلو من أي حدود لفلسطين. وتلاه تصريح ترامب العلني بتحويل غزة إلى "ريفيرا" بعد تهجير سكانها، وهو ما يتطابق مع تصريحات وزراء الحكومة الإسرائيلية الحالية من أمثال سموتريتش وبن غفير، الذين يعلنون صراحة أن هدفهم النهائي هو الضم الكامل والتهجير القسري.
بين القانون والسياسة… علاقة تكامل لا بديل
لقد أثبتت التجربة أن الشرعية الدولية عنصر أساسي في حماية الحقوق الفلسطينية، لكنها تتحول إلى وهم إذا قُطعت عن روافع القوة الميدانية. فالقانون يوثق الحق، ويؤسس للمساءلة، ويحاصر الروايات، لكنه لا يملك أقداماً يمشي بها.
إن الخطأ التاريخي لم يكن في الاستناد إلى المؤسسات الدولية، بل في تحويل هذا الاستناد إلى "خيار استراتيجي يتيم"، والارتهان لاتفاقيات تفاوضية (كأوسلو) نزعت عن الحركة الوطنية صفة "التخليص والتحرر"، وقزمتها في صورة سلطة وظيفية إدارية تُعنى بتقديم الخدمات والتنسيق الأمني وتحمل أعباء الاحتلال نيابة عنه.
وفي المقابل، شهدت الساحات الأوروبية حراكاً شعبياً غير مسبوق؛ حيث خرجت مظاهرات ضخمة في إيرلندا وإسبانيا والنرويج وبلجيكا وبريطانيا، تضامناً مع غزة، ودفعت بعض الحكومات الأوروبية (كإيرلندا وإسبانيا) إلى الاعتراف بدولة فلسطين، ورفع قضايا ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية. بل تجاوز الأمر حدود التضامن الشعبي إلى نقد سياسي صريح من مسؤولين غربيين؛ إذ وصفت بلين ني خراليغ، المحامية الإيرلندية، ما يحدث بأنه "إبادة جماعية"، وقالت وزيرة الشباب الإسبانية سيرا ريغو: "نحن لا نتهم إسرائيل، نحن نصفكم: أنتم نظام إبادة جماعية. وغزة ليست منطقة حرب، إنها مقبرة لضمير الإنسانية."
الجرح الداخلي… الوجه الآخر للأزمة
من الإنصاف والنزاهة السياسية ألا يُختزل تفسير التراجع الفلسطيني في شماعة "الانحياز الخارجي" وحدها. فالانحياز الخارجي لم يبلغ هذا القدر من الفاعلية والتغول إلا لأنه وجد علة داخلية ذاتية تغذيه؛ تتمثل في الانقسام الفصائلي الحاد، وتآكل شرعية المؤسسات الجامعة كمنظمة التحرير، وتغليب المكتسبات السلطوية والإيديولوجية الضيقة على حساب المشروع الوطني الموحد.
إن تفكيك العلة الداخلية لا يعني مساواة الضحية بالجلاد، بل يعني إدراك أن مشاريع التحرر الوطني لا تنتصر فقط بعدالة ملفاتها، بل بقدرتها على إغلاق الثغرات، وبناء مؤسسات كفاحية جامعة قادرة على إدارة التباينات السياسية، واستثمار أوراق القوة القانونية والميدانية في آن واحد.
ليس القطيعة مع العالم… بل إعادة تعريف العلاقة معه
المطلوب اليوم ليس إدارة الظهر للمنظومة الأممية، بل الانتقال من موقف "الرجاء والانتظار" على أعتاب الوسيط الغربي المتحيز، إلى موقف الاشتباك القانوني والسياسي المباشر؛ عبر تفعيل أدوات المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، واستثمار صعود نظام دولي متعدد الأقطاب يتشكل تدريجياً.
وهنا تبرز ضرورة وضع خارطة طريق وطنية عملية، تشمل:
· الدعوة إلى حوار وطني شامل دون شروط مسبقة، يضع مصلحة الشعب فوق أي اعتبار حزبي أو فئوي.
· تشكيل هيئة وطنية مؤقتة لإدارة قطاع غزة والضفة الغربية، تكون مستقلة عن الفصائل، وتتولى ملفات الإغاثة وإعادة الإعمار والمعابر.
· تفعيل الإعلام البديل لكشف تفاصيل الاتفاقات الخفية والضغط على القيادات المتقاعسة.
· إطلاق حملات شعبية للمقاطعة الاقتصادية والأكاديمية للاحتلال، على غرار حملات التضامن الأوروبية التي أثبتت فعاليتها.
إن التناقض التاريخي الذي عاشته القضية الفلسطينية لا ينبغي أن يقود إلى اليأس، بل إلى مراجعة استراتيجية واعية. فليس المطلوب أن نستدعي "الجلاد" لمداواة الجرح، بل أن نبني مناعتنا الوطنية أولاً عبر إنهاء التنسيق الوظيفي وإعادة بناء التلاحم الميداني والسياسي، لنخاطب العالم حينها من موقع الشريك الصامد في فرض العدالة، لا المنتظر لمنحها.