أخبار

استنزاف الصواريخ الأميركية يعيد رسم حسابات الحلفاء والخصوم حول العالم

استنزاف الصواريخ الأميركية يعيد رسم حسابات الحلفاء والخصوم حول العالم

واشنطن: أصبح تراجع مخزونات الصواريخ الاعتراضية الأميركية، بعد أشهر من الحرب مع إيران، يتجاوز كونه مشكلة لوجستية تخص القوات المسلحة الأميركية، ليتحول إلى عامل استراتيجي يؤثر في حسابات الحلفاء والخصوم على حد سواء، ويثير تساؤلات بشأن قدرة واشنطن على الاستجابة المتزامنة لأزمات محتملة في الشرق الأوسط وأوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ.

وبحسب تحليل نشره المجلس الأطلسي (Atlantic Council) في 14 أغسطس/آب 2026، للباحثتين تريسا غوينوف وبيلي غاليسيا، فإن استنزاف مخزونات الدفاع الجوي الأميركي خلال الحرب مع إيران بات عاملاً مؤثراً في تصورات الدول لمصداقية الردع الأميركي وقدرة الولايات المتحدة على الوفاء بالتزاماتها الأمنية في مناطق متعددة من العالم.

ويشير التحليل إلى أن الحرب، المستمرة منذ فبراير/شباط 2026، استنزفت ما يصل إلى ثلاثة أخماس مخزون الولايات المتحدة من صواريخ باتريوت الاعتراضية، ونحو نصف مخزون منظومة «ثاد» المضادة للصواريخ الباليستية، فيما يقدر خبراء أن إعادة ملء هذه المخزونات بالكامل قد تستغرق سنوات. ووفقاً للتقرير، بات هذا النقص مؤثراً حتى في مداولات البيت الأبيض بشأن سرعة وشروط التوصل إلى اتفاق مع طهران، رغم وصف مسؤولين أميركيين التقارير المتعلقة باستنزاف الذخائر بأنها «غير دقيقة».

الخليج أمام اختبار القدرة على الصمود

تبدو تداعيات أزمة الذخائر أكثر وضوحاً في الشرق الأوسط، حيث اعتمدت دول الخليج بدرجة كبيرة على أنظمة الدفاع الأميركية في مواجهة آلاف الهجمات الإيرانية بالصواريخ والمسيّرات. ويشير التحليل إلى أن قطر والبحرين والكويت والسعودية والإمارات استخدمت منظومات مثل باتريوت وستينغر وثاد، إلى جانب قدرات هجومية أميركية أخرى، خلال المواجهة.

وكان حجم الاستهلاك كبيراً إلى درجة أن السعودية خفضت، بحسب التحليل، مخزونها من صواريخ PAC-3 MSE بنحو 86 في المئة. وعلى الرغم من تراجع وتيرة الهجمات الإيرانية المباشرة، فإن استمرار التهديدات، بما فيها الهجمات الحوثية، يعني أن الطلب على الصواريخ الاعتراضية قد يبقى مرتفعاً حتى في حال التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران.

ويرى التحليل أن إيران طورت أسلوباً يقوم على الجمع بين الصواريخ المتطورة والمسيّرات منخفضة التكلفة، بما يفرض على خصومها استخدام صواريخ اعتراضية مرتفعة الثمن. والنتيجة ليست مجرد إلحاق الضرر بالأهداف، وإنما استنزاف المخزونات الأميركية والخليجية وجعل كلفة الدفاع مرتفعة على المدى الطويل. وتدرك طهران، وفق التقرير، أن مستويات الذخائر الأميركية أصبحت عاملاً يمكن أن يحد من قدرة واشنطن على مواصلة العمليات العسكرية والدفاع عن شركائها.

أما إسرائيل، فتمثل حالة مختلفة نسبياً، بسبب امتلاكها منظومات دفاع صاروخي محلية، بينها «أرو 2» و«أرو 3» و«مقلاع داود»، وهو ما يوفر لها خيارات لا تتوافر لدول أخرى تعتمد بدرجة أكبر على الإمدادات الأميركية. ومع ذلك، استخدمت الولايات المتحدة منظومات «ثاد» للدفاع عن إسرائيل خلال ضربات يونيو/حزيران 2025 والمراحل الأولى من حرب 2026.

تنويع التحالفات الخليجية

أزمة المخزونات الأميركية قد تكون لها انعكاسات تتجاوز شراء المزيد من الصواريخ إلى إعادة النظر في طبيعة العلاقات الأمنية نفسها. ويلفت التحليل إلى أن دول الخليج بدأت بالفعل تقييم خياراتها، مستشهداً باتفاقية الدفاع المشترك التي وقعتها السعودية وباكستان وتركيا في مكة المكرمة.

ويرى التقرير أن الاتفاق يعكس محاولة سعودية لإظهار قيادة إقليمية وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة. ورغم أنه لا يتضمن نقل أسلحة أو إنتاجاً مشتركاً للذخائر، فإن الجمع بين فترة طويلة متوقعة لإعادة بناء المخزونات الأميركية وجهود تعزيز التعاون الإقليمي قد يدفع دولاً خليجية أخرى إلى البحث عن ترتيبات مماثلة لسد فجواتها الدفاعية.

أوروبا بين أوكرانيا ونقص الذخائر

في أوروبا، تتزامن مشكلة المخزونات الأميركية مع استنزاف ترسانات الدول الأوروبية نتيجة الحرب الروسية الأوكرانية. فقد تبرعت ألمانيا بنحو ثلث منظومات باتريوت الموجودة لديها لأوكرانيا، فيما نقلت بولندا خمسة صواريخ اعتراضية من طراز PAC-3 إلى كييف، وسط ضغوط على إسبانيا واليونان لتوفير منظومات إضافية.

ولا تزال أوكرانيا بحاجة إلى صواريخ PAC-2 وPAC-3 لمواجهة الضربات الباليستية الروسية، فضلاً عن احتياجاتها في المدفعية والقدرات بعيدة المدى والمدرعات والقوات الجوية والبحرية.

وتزداد حساسية المشكلة مع إبلاغ واشنطن حلفاءها الأوروبيين في أبريل/نيسان بتأخير بعض شحنات الذخائر بسبب حرب إيران. ويشير التحليل إلى أن هذا الواقع يضع العواصم الأوروبية أمام معادلة أكثر صعوبة: الاستمرار في دعم أوكرانيا، وفي الوقت نفسه إعادة بناء مخزوناتها الوطنية تحسباً لأي مواجهة مستقبلية مع روسيا.

ويرتبط بذلك هدف حلف شمال الأطلسي برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، وسط تساؤلات حول ما إذا كانت الأموال الإضافية ستذهب إلى الصناعات الدفاعية الأميركية أم إلى توسيع القدرات الصناعية الأوروبية. ويزداد الأمر أهمية في ضوء تقديرات تشير إلى أن روسيا قد تصبح أكثر قدرة على استخدام القوة ضد الناتو خلال السنوات الخمس المقبلة.

آسيا وتايوان: اختبار آخر للموثوقية الأميركية

في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، يعيد نقص الصواريخ فتح النقاش بشأن استعداد الولايات المتحدة لمواجهة أزمة محتملة حول تايوان. ورغم أن أي حرب مع الصين ستتطلب مزيجاً مختلفاً من الأسلحة، خصوصاً الصواريخ البحرية وبعيدة المدى، فإن منظومات باتريوت وثاد وSM-3 وSM-6 ستظل ضرورية في سيناريو غزو الصين لتايوان أو فرض حصار عليها.

وتشعر تايبيه بالفعل بالضغوط الناجمة عن هذا الوضع. فقد أشار مسؤول أميركي في مايو/أيار إلى تعليق جزئي لحزمة أسلحة مخططة لتايوان بقيمة 14 مليار دولار بهدف الحفاظ على الذخائر اللازمة لحرب إيران، قبل أن توضح وزارة الخارجية الأميركية لاحقاً أن الحزمة «قيد المراجعة» وليست معلقة.

كما امتدت المشكلة إلى اليابان، إذ تأخر تسليم طوكيو 400 صاروخ توماهوك، كان مقرراً أصلاً عام 2028، بسبب مخاوف تتعلق بمستويات المخزون الأميركي. وفي المقابل، وسعت كوريا الجنوبية دورها كمورد عالمي للسلاح، فيما رفعت اليابان في أبريل/نيسان حظرها القديم على تصدير الأسلحة الفتاكة في محاولة لتوسيع صناعتها الدفاعية.

أما الصين، فلا تحتاج، وفق التحليل، إلى انتظار نفاد المخزونات الأميركية. فاستمرار بكين في إنتاج الذخائر والأسلحة المتقدمة وتوسيع ترسانتها يمنحها فرصة لاستغلال أي ثغرات أميركية، فضلاً عن استخدام تأخر عمليات التسليم وإعادة التزود لبث الشكوك في موثوقية واشنطن كشريك أمني.

أفريقيا وأميركا اللاتينية.. اختبار طويل للمصداقية

وعلى الرغم من أن أفريقيا وأميركا اللاتينية ليستا في قلب أزمة الذخائر الحالية، فإن دول المنطقتين ستراقب سرعة الولايات المتحدة في إعادة بناء مخزوناتها ومدى قدرتها على الاستمرار مورداً أمنياً موثوقاً، خصوصاً مع تقديم الصين بدائل في بعض فئات الأسلحة والترتيبات الأمنية.

ويشير التحليل إلى أن مصر والجزائر والمغرب ونيجيريا وجنوب أفريقيا تظل أكبر الدول الأفريقية إنفاقاً على الدفاع، فيما تسعى واشنطن أيضاً إلى توسيع علاقاتها الأمنية مع دول مثل أنغولا وموزمبيق وغانا وليبيا.

ويتقاطع البعد العسكري هنا مع المنافسة على المعادن الحرجة، إذ تسعى إدارة ترامب إلى تعميق شراكاتها الأفريقية للحصول على مواد مثل النيوديميوم والإيتريوم المستخدمة في مغناطيسات تدخل في صناعة أسلحة من بينها صواريخ PAC-3. ولا توفر هذه الشراكات حلاً سريعاً لأزمة الذخائر، لكنها قد تساعد على تعزيز مرونة القاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية على المدى الطويل.

وفي نصف الكرة الغربي، تظل صفقات التسليح الأميركية جزءاً من معركة النفوذ والمصداقية، كما تظهر صفقة بيرو لشراء مقاتلات F-16 بقيمة 3.42 مليار دولار، وصفقة أرجنتينية بنحو 950 مليون دولار لتسليح مقاتلات F-16، بالتزامن مع توسع الحضور الاقتصادي والسياسي الصيني في المنطقة.

أزمة ذخائر أم أزمة مصداقية؟

المشكلة الأساسية التي يطرحها التحليل لا تتمثل فقط في عدد الصواريخ المتبقية داخل المستودعات الأميركية، بل في الرسالة التي يقرأها العالم من هذا النقص. فالحلفاء يريدون معرفة ما إذا كانت واشنطن قادرة على حمايتهم خلال فترة إعادة بناء مخزوناتها، بينما يراقب الخصوم مدى قدرة الولايات المتحدة على خوض أكثر من أزمة في الوقت نفسه.

وبذلك تتحول سرعة إعادة التزود إلى عنصر من عناصر الردع بحد ذاته. فإذا طال أمد إعادة بناء المخزونات، فقد يدفع ذلك الحلفاء إلى زيادة اعتمادهم على قدراتهم الذاتية وتنويع مصادر تسليحهم وتحالفاتهم، بينما قد يرى الخصوم في هذه الفترة نافذة يمكن استغلالها لاختبار حدود القوة الأميركية.

ويخلص تحليل المجلس الأطلسي إلى أن مصداقية الولايات المتحدة الاستراتيجية ستعتمد جزئياً على مدى اقتناع الحلفاء والشركاء والخصوم بقدرة واشنطن على سد فجوة الذخائر ضمن جدول زمني يتمتع بجدوى استراتيجية، حتى مع نفي إدارة ترامب وجود نقص خطير وتأكيدها العمل على تعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية.