اقتصاد صامد وفاتورة حرب مؤجلة.. هآرتس تحذر من كلفة أطول حروب إسرائيل وأغلاها
تل أبيب: تحذر صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية من أن قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على الصمود خلال الحرب المستمرة منذ السابع من أكتوبر لا تعني أن البلاد تجاوزت تداعياتها الاقتصادية، بل إن فاتورة ضخمة جرى تأجيلها ولم يبدأ المجتمع الإسرائيلي بعد في دفع كلفتها الحقيقية.
وفي افتتاحية لهيئة تحرير الصحيفة، نُشرت في 16 أغسطس 2026، تشير «هآرتس» إلى أن الحرب الحالية أصبحت الأطول والأغلى في تاريخ إسرائيل، مقدّرة كلفتها حتى الآن بنحو 420 مليار شيكل، أي ما يعادل 142 مليار دولار، فيما قد تصل النفقات الدفاعية المرتبطة بها إلى نحو 1.5 تريليون شيكل خلال العقد المقبل.
وترى الصحيفة أن طول أمد الحرب يمثل خروجًا واضحًا عن العقيدة الدفاعية الإسرائيلية التقليدية التي ترسخت منذ عهد دافيد بن غوريون، وقامت على ضرورة خوض حروب قصيرة، ليس فقط لاعتبارات عسكرية، وإنما أيضًا لتجنب الأضرار الاقتصادية الناجمة عن استدعاء أعداد كبيرة من جنود الاحتياط وإخراجهم من سوق العمل لفترات طويلة.
ثلاثة عوامل وراء استمرار الحرب
وتحدد «هآرتس» ثلاثة عوامل رئيسية مكّنت إسرائيل من الاستمرار في الحرب لهذه المدة: تحمّل جنود الاحتياط عبئًا غير مسبوق منذ تأسيس الدولة، ومرونة الاقتصاد الإسرائيلي، إلى جانب الدعم الأميركي الذي شمل التسليح وتمويلًا مباشرًا للحرب بقيمة 20 مليار دولار، فضلًا عن انخراط الولايات المتحدة في حملة عسكرية فعلية ضد إيران.
وترى الافتتاحية أن قدرة إسرائيل على خوض حرب طويلة ومتعددة الجبهات تحمل مفارقة لافتة. فمن الناحية العسكرية، تعكس هذه القدرة قوة منظومات الدفاع وقدرتها على منح القيادة السياسية وقتًا ومساحة للمناورة، إلا أن الهدف من هذه المساحة الزمنية، وفق الصحيفة، يفترض أن يكون الوصول في نهاية المطاف إلى قرارات سياسية وتسويات دبلوماسية.
لكن «هآرتس» تتهم الحكومة الإسرائيلية بعدم استثمار هذه القدرة لتحقيق هذا الهدف، معتبرة أنها تخلت عمليًا عن جانب من مسؤولية صناعة القرار لمصلحة الإدارة الأميركية، التي أصبحت، بحسب توصيف الافتتاحية، الطرف الذي يفرض وقف إطلاق النار على إسرائيل ويدفع باتجاه حلول دبلوماسية في غزة ولبنان وإيران.
الاقتصاد لم ينهَر.. لكن جيش الاحتياط قد يفعل
وتلفت الصحيفة إلى مفارقة أخرى تتعلق بأحد الافتراضات التاريخية للعقيدة الأمنية الإسرائيلية. فعلى الرغم من استدعاء أعداد كبيرة من جنود الاحتياط وإبعادهم عن سوق العمل لفترات طويلة، لم ينهَر الاقتصاد كما كان يُخشى في السابق.
إلا أن الخطر، وفق الافتتاحية، انتقل من الاقتصاد إلى منظومة الاحتياط نفسها. وتشير في هذا السياق إلى تحذيرات رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير من الضغوط المتزايدة على قوات الاحتياط، ومحاولته استخدام هذه التحذيرات للضغط على الحكومة من أجل إحراز تقدم في ملف تجنيد الشبان الحريديم، من دون أن تلقى مطالبه استجابة حكومية فعلية.
ومن هنا تنتقل الصحيفة إلى انتقاد ما تصفه بـ«التهرب المزدوج» للحكومة من المسؤولية: فمن جهة، لم تتحمل مسؤوليتها في الدفع نحو اتفاقات دبلوماسية تنهي الحرب، ومن جهة أخرى لم تعمل على إيجاد آلية أكثر عدالة لتوزيع أعباء القتال والتمويل بين مكونات المجتمع الإسرائيلي.
لماذا صمد الاقتصاد؟
وتعزو «هآرتس» قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على امتصاص الصدمة حتى الآن إلى مجموعة من العوامل، في مقدمتها قوة قطاع التكنولوجيا الفائقة، والازدهار الذي شهدته الصناعات المرتبطة بالدفاع، إضافة إلى دخول إسرائيل الحرب وهي تتمتع بمستوى منخفض نسبيًا من الدين العام واحتياطيات كبيرة من العملات الأجنبية.
غير أن هذه المرونة لا تعني، بحسب الصحيفة، أن الحرب كانت بلا ثمن، وإنما سمحت فقط بتأجيل ظهور بعض تكاليفها على المواطنين.
وتقدر الافتتاحية أن الحرب أضافت نحو 400 مليار شيكل، أي قرابة 135 مليار دولار، إلى الدين العام الإسرائيلي، بينما لم يبدأ الجمهور حتى الآن فعليًا في سداد هذا الدين. ومن ثم، فإن السؤال الأساسي لم يعد يتعلق بوجود فاتورة للحرب، وإنما بمن سيتحملها وكيف ستوزع على المجتمع خلال السنوات المقبلة.
الدعم الأميركي ليس مضمونًا
وتضيف الصحيفة عاملًا آخر قد يجعل السنوات المقبلة أكثر صعوبة، وهو مستقبل المساعدات الأميركية لإسرائيل. فبحسب الافتتاحية، بات استمرار هذه المساعدات بالمستويات الحالية موضع شك، وقد تتقلص بصورة كبيرة أو حتى تتوقف خلال السنوات المقبلة.
وفي حال تحقق ذلك، ستضطر إسرائيل إلى تمويل حصة أكبر من نفقاتها الدفاعية من مواردها الداخلية، بما يعني تحميل دافعي الضرائب الإسرائيليين أعباء مالية إضافية في الوقت الذي تبدأ فيه البلاد أصلًا في مواجهة ديون الحرب الحالية.
من سيدفع فاتورة الحرب؟
وفي جوهر موقفها، لا تنظر «هآرتس» إلى الأزمة باعتبارها مسألة اقتصادية محضة، بل باعتبارها أيضًا قضية سياسية واجتماعية تتعلق بطريقة توزيع أعباء الحرب داخل إسرائيل.
فالاقتصاد، وفق قراءة الصحيفة، أثبت حتى الآن قدرة أكبر على التحمل مما افترضته العقيدة الأمنية الإسرائيلية التقليدية، لكن هذه القدرة قد تكون أخفت مؤقتًا اختلالات أعمق، سواء في منظومة الاحتياط أو في توزيع تكاليف الحرب بين فئات المجتمع.
وتخلص الافتتاحية إلى أن إسرائيل مقبلة على مرحلة مالية أكثر صعوبة، في ظل ارتفاع الدين العام واحتمالات تراجع الدعم الأميركي، بينما تبقى فاتورة الحرب مؤجلة إلى حد كبير. وتحذر من أنه إذا استمر النهج الحكومي الحالي، فإن الشرائح نفسها التي تحملت العبء خلال سنوات الحرب قد تجد نفسها مطالبة أيضًا بتحمل كلفتها المالية بعد انتهائها، معربة عن أملها في أن تفضي الانتخابات المقبلة إلى مسار مختلف في توزيع هذه الأعباء.
وتجدر الإشارة إلى أن المادة الأصلية هي افتتاحية رسمية لهيئة تحرير «هآرتس»، وليست تقريرًا إخباريًا محايدًا؛ وبالتالي فإن توصيف أداء الحكومة ومسؤوليتها يعكس الموقف التحريري للصحيفة. كما أن الأرقام المالية الواردة بشأن كلفة الحرب والدين والمساعدات الأميركية هي أرقام أوردتها «هآرتس» ولم تتحقق منها النشرة الأصلية بصورة مستقلة.