خارطة ميلادينوف..نحو المرحلة الثانية
في عوالم الخطاب السياسي الغربي السائد حيث تُختزل شرعية الفعل الفلسطيني بين ثنائية القبول بالاستسلام الكامل أو التدمير الشامل تأتي خارطة الطريق هذه كحالة تعرية نادرة لآليات الهيمنة.
إن ما تريده إسرائيل والولايات المتحدة ليس مجرد إنهاء الحرب بل تصفية القضية ذاتها عبر تحويل غزة إلى مساحة إنسانية منزوعة الإرادة السياسية. لكن ما حدث في الواقع أن شعباً حوصر وجُوِّع وقُصف بترسانة القوى العظمى لم يرفع الراية البيضاء بل أعاد صياغة شروط اللعبة.
الصيغة التي نوقشت لا تتحدث عن استسلام ولا عن نزع سلاح شامل مفتوح بل عن حصر وتخزين ضمن ترتيبات فلسطينية وهذا فارق جوهري في ميزان القوى. إنها نقلة من نموذج التجريد القسري الذي مارسته الإمبريالية في كل مستعمراتها إلى نموذج التنظيم الذاتي الذي يبقي على جوهر القدرة في أيدٍ فلسطينية وأن قضية غزة شأن فلسطيني خالص فإنه يمارس ما يمكن تسميته بمقاومة المفردات أي انتزاع مساحة من السيادة اللغوية والقانونية داخل اتفاق مفروض أصلاً في سياق غير متكافئ.
لنكن واضحين المجتمع الدولي بقيادة حلفاء اسرائيل لم يتحركوا لإنقاذ غزة بل لإنقاذ صورة النظام الذي كشف عورته الأخلاقية عاماً بعد عام، المساعدات والإعمار ليست تعويضاً عن خراب الاحتلال بل هي ثمن لاستمرار النظام العالمي في ادعاء الإنسانية، لكن الموقف الفلسطيني هنا أذكى من أن يرفض الإغاثة أو ينتظر عدالة الغرب فهو يأخذ ما يستطيع انتزاعه لإنقاذ السكان دون أن يمنح الشرعية لآليات الهيمنة. الجوع والمرض والبرد لا يفرقون بين أيديولوجيا وأخرى وهذا تحديداً ما تفهمه القيادة التي تفاوض الآن.
إن الرهان الخفي الذي يكشفه هذا الاتفاق هو تحويل الآليات الدولية المفروضة إلى أدوات توثيق ومراقبة يمكن أن تنقلب على من صممها، القوة الدولية التي يُفترض أنها تأتي للفصل بين الجانبين ستكون ملزمة بتسجيل أي خرق إسرائيلي وأي مماطلة في الانسحاب. هذا لا يعني السذاجة بأن الأمم المتحدة ستحمي الفلسطينيين من إسرائيل لكنه يعني أن الاحتلال الذي اعتاد العمل في فراغ إعلامي وقانوني سيجد نفسه مضطراً للتعامل مع أعين دولية حتى لو كانت تلك الأعين مغمضة في معظم الأحيان.
المسألة المركزية هنا هي مسألة الالتزام المتبادل المشروط الذي يمنع إسرائيل من الحصول على كل شيء دفعة واحدة، من جهة الاحتلال يريد نزع السلاح الفلسطيني قبل أن يمنح شيئاً وهذا هو النمط الاستعماري التقليدي: جرد المستعمَر من أي وسيلة ضغط ومن جهة أخرى فرض الشروط عليه ما تقوله خارطة الطريق هو العكس تماماً: الانسحاب الكامل أولاً والإغاثة أولاً وعودة النازحين أولاً ثم بعد ذلك تنفيذ الترتيبات الأمنية على مراحل مراقَبة وموثقة. إنها قلب للمنطق الاستعماري الذي يطلب من الضحية تسليم كل أوراقها مقابل وعود غامضة.
يجب أن نرى أيضاً كيف أن فكرة الإجماع الوطني واللجنة الوطنية لإدارة غزة ليست مجرد ترتيب إداري بل هي حائط صد ضد المخطط الإسرائيلي الدائم لتفتيت التمثيل الفلسطيني وخلق كيانات متصارعة يسهل ابتزازها. الاحتلال يريد حكماء عشائر أو عملاء محليين أو أي بديل ينهي ظاهرة الحركة الوطنية المنظمة. الرد الفلسطيني هو إطار وطني جامع يدير المرحلة دون أن يحل محل منظمة التحرير ودون أن يصبح بديلاً عن المشروع الوطني.
ثمة مفارقة عميقة هنا كثيراً ما يصف الإعلام الغربي المقاومة بأنها رهينة للأيديولوجيا بينما الواقع أن المرونة التي أبدتها القيادة في غزة من تسليم الإدارة إلى تفويض اللجنة الوطنية إلى التعامل البراغماتي مع ملف السلاح تكشف أيديولوجيا الاحتلال الحقيقية من يتمسك بالوهم هو من يعتقد أن بإمكانه إبادة شعب ثم إعادة تشكيله على صورته الاستعمارية من يتمسك بالخرافة هو من يظن أن ثلاث سنوات من القصف ستجعل غزة تستسلم بدلاً من أن تعيد اختراع وسائل بقائها ونضالها.
التحليل العميق لا ينظر إلى هذا الاتفاق بوصفه نهاية لشيء بل بوصفه انتقالاً من طور إلى طور المقاومة ليست بندقية فقط بل هي قدرة على إعادة تعريف الواقع باستمرار.
في العام 1948 هجر الفلسطينيون من قراهم واعتقدت الحركة الصهيونية أن النكبة هي الكلمة الأخيرة. في العام 2025 بعد حرب إبادة ممنهجة يقف الفلسطينيون في غزة ليقولوا إنهم باقون وإنهم من سيحدد شروط المرحلة القادمة وإن ترتيبات السلاح ستبقى قراراً فلسطينياً خالصاً.
هذه ليست نهاية الصراع بل لحظة من لحظاته تكشف من جديد أن القوة العسكرية الجبارة لا تستطيع إخضاع إرادة شعب رفض الاختفاء. ما تفعله القيادة الفلسطينية الآن ليس تفريطاً ولا انتصاراً مطلقاً بل هو فن النضال في زمن الإبادة إنها تقول لشعبها سنوقف نزيفكم ونفتح الطريق لإعادة بناء ما هدمه المحتلون وفي الوقت ذاته نبقي على جوهر قوتنا بأيدينا لا بأيدي من أرادوا لنا الفناء. في عالم يدار بمنطق القوة فقط ليس هناك إنجاز أعظم من أن تفرض وجودك وشروطك عندما تكون كل أدوات الموت موجهة إليك.