أخبار

مكالمة ترامب وأردوغان تكشف ملامح شرق أوسط أقل اعتمادًا على واشنطن

مكالمة ترامب وأردوغان تكشف ملامح شرق أوسط أقل اعتمادًا على واشنطن

عواصم: تتجه قوى إقليمية رئيسية في الشرق الأوسط نحو بناء ترتيبات أمنية تمنحها هامشًا أوسع من الاستقلال عن الولايات المتحدة، في تحول قد ينسجم ظاهريًا مع دعوات واشنطن إلى تقاسم الأعباء، لكنه يحمل في الوقت نفسه احتمال تراجع جزء من النفوذ الأمريكي الذي ارتبط تاريخيًا بالدور الأمني للولايات المتحدة في المنطقة.

ويشير مقال تحليلي نشرته مجلة Newsweek في 18 أغسطس 2026 إلى أن اتفاق مكة للدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان، إلى جانب المكالمة الأخيرة بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الأمريكي دونالد ترامب، يقدمان مؤشرات على بداية تشكل شرق أوسط أكثر اعتمادًا على قدراته الذاتية، وأقل قابلية لأن تبقى ترتيباته الأمنية خاضعة بالكامل للقيادة الأمريكية.

ويأتي هذا التطور في وقت أمضى فيه ترامب سنوات وهو يطالب حلفاء الولايات المتحدة، ولا سيما الأوروبيين، بتحمل مسؤولية أكبر عن أمنهم. لكن المفارقة التي يطرحها المقال تتمثل في أن انتقال هذا المنطق إلى الشرق الأوسط قد يقود إلى نتيجة أكثر تعقيدًا: فكلما أصبحت القوى الإقليمية أكثر قدرة على حماية نفسها، ازدادت قدرتها أيضًا على اتخاذ قرارات استراتيجية بصورة مستقلة عن واشنطن.

اتفاق مكة.. نواة لترتيب أمني جديد

يضع المقال اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي وقع في 7 أغسطس بين أردوغان وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، في قلب هذا التحول. ورغم أن الاتفاق لا يرقى في بنيته الحالية إلى مستوى حلف شمال الأطلسي، فإن مبدأه الأساسي يحمل تشابهًا واضحًا مع مبدأ الدفاع الجماعي في الناتو: أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث سيُعد هجومًا على الجميع.

ولا تزال التفاصيل التنفيذية للاتفاق قيد التبلور. وبحسب ما أورده المقال عن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، يتعين على الدول الثلاث تحديد طبيعة المساندة التي يستدعيها أي هجوم، فيما يُخطط لإنشاء لجنة وزارية وأمانة مقرها السعودية. كما يظل الباب مفتوحًا أمام انضمام دول أخرى، في حين لم تبد مصر، التي يصفها المقال بأنها الخيار الطبيعي الأول للتوسع، اهتمامًا بالانضمام حتى الآن.

أهمية الاتفاق لا تقتصر على بند الدفاع المشترك، وإنما تنبع أيضًا من طبيعة القدرات التي تجمع الدول الثلاث. فالسعودية توفر الثقل الاقتصادي والنفوذ السياسي والتجاري، وباكستان تمتلك جيشًا كبيرًا وهي الدولة النووية الوحيدة بين أطراف الاتفاق، بينما تمتلك تركيا ثاني أكبر جيش في حلف الناتو، إلى جانب قاعدة متقدمة للصناعات الدفاعية.

وإذا تحولت هذه القدرات المتكاملة إلى تعاون فعلي في مجالات الإنتاج الدفاعي، والدفاع الجوي والصاروخي، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وأمن الملاحة البحرية، فقد ينشأ ترتيب أمني إقليمي قادر على تولي جانب أكبر من المسؤوليات التي تحملتها الولايات المتحدة لعقود.

تقاسم الأعباء أم خسارة النفوذ؟

من حيث المبدأ، يتوافق هذا الاتجاه مع استراتيجية إدارة ترامب الداعية إلى تقليص الانخراط في الحروب الطويلة في الشرق الأوسط، وتحويل مزيد من التركيز العسكري نحو نصف الكرة الغربي ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، مع مطالبة الحلفاء والشركاء الإقليميين بتحمل مسؤولية أكبر عن أمنهم.

لكن هناك فارقًا جوهريًا بين التجربتين الأوروبية والشرق أوسطية. ففي أوروبا، تطالب واشنطن الدول بزيادة مساهماتها داخل حلف أسسته الولايات المتحدة وتقوده فعليًا. أما في حالة تركيا والسعودية وباكستان، فإن الدول الثلاث تعمل على بناء إطار مستقل لا تتمتع الولايات المتحدة بمقعد داخله.

وهنا تظهر المعضلة الأمريكية: فالاعتماد الأمني على الولايات المتحدة لم يكن مجرد عبء مالي وعسكري عليها، بل كان أيضًا مصدرًا رئيسيًا لنفوذها السياسي والاستراتيجي. وبالتالي، فإن مطالبة الحلفاء بأن يصبحوا أكثر اعتمادًا على أنفسهم قد تقود في النهاية إلى امتلاكهم قدرة أكبر على التصرف بعيدًا عن الرغبات الأمريكية.

ويستشهد المقال بالموقف الأمريكي من مساعي الاتحاد الأوروبي عام 2025 لإعطاء الأولوية لمصنعي الأسلحة الأوروبيين على حساب الموردين الأمريكيين، إذ هدد البيت الأبيض آنذاك بتقييد وصول أوروبا إلى أنظمة الأسلحة الأمريكية. ويرى في ذلك نموذجًا للتناقض بين رغبة واشنطن في تقاسم الأعباء ورغبتها في الاحتفاظ بالنفوذ الذي يمنحه الاعتماد عليها.

حرب إيران غيّرت الحسابات

بحسب المقال، جعلت حرب إيران هذه المعادلة أكثر تعقيدًا في الشرق الأوسط. فقد بنت دول الخليج على مدى عقود مكانتها الاقتصادية والدبلوماسية في ظل مظلة أمنية أمريكية، إلا أن الصواريخ والمسيّرات الإيرانية هزت صورة الأمان التي وفرتها تلك المظلة.

وفي الوقت نفسه، راقبت تركيا والسعودية إسرائيل وهي تتحرك لتحقيق أهدافها الخاصة من دون اعتبار كافٍ، وفق قراءة المقال، للاستقرار الإقليمي الأوسع، بينما ظهرت واشنطن إما عاجزة عن تقييد التحركات الإسرائيلية أو غير راغبة في ذلك.

هذه التطورات عززت الدافع لدى القوى الإقليمية إلى البحث عن ترتيبات تضمن قدرتها على حماية مصالحها بصورة أكبر، من دون التخلي بالضرورة عن شراكتها مع الولايات المتحدة.

الاستقلال الاستراتيجي لا يعني القطيعة

مع ذلك، لا يتوقع المقال أن يؤدي الاتجاه الجديد إلى استبدال الولايات المتحدة في المدى المنظور. فالعلاقات الدفاعية القائمة لا تزال عميقة؛ والسعودية ما زالت من كبار مستوردي المعدات العسكرية الأمريكية، ووقعت اتفاقية مبيعات دفاعية بقيمة 142 مليار دولار، فيما لا تزال تركيا تسعى إلى الحصول على مقاتلات F-35 الأمريكية، بالتوازي مع تطوير منصتها الجوية المحلية من الجيل الخامس.

لذلك، فإن التحول الجاري أقرب إلى تنويع مصادر القوة وبناء استقلالية استراتيجية أكبر منه إلى فك الارتباط مع واشنطن.

لكن نجاح اتفاق مكة في إنتاج تنسيق عسكري حقيقي، أو تطوير تقنيات دفاعية مشتركة، أو منح أطرافه وزنًا دبلوماسيًا أكبر، يمكن أن يحوله إلى نموذج قابل للتوسع، وربما يشجع قوى إقليمية أخرى على تبني ترتيبات مشابهة خارج نطاق السيطرة الأمريكية المباشرة.

مكالمة أردوغان.. إشارة إلى المستقبل

في هذا السياق، يقرأ مقال Newsweek مكالمة أردوغان مع ترامب باعتبارها مؤشرًا سياسيًا على طبيعة المرحلة المقبلة. فالرئيس التركي لم يقدم اتفاق مكة باعتباره تحالفًا مناهضًا للولايات المتحدة، ولم يستخدم لغة تصادمية تجاه واشنطن، وإنما طالب ترامب بالاستفادة القصوى من الدبلوماسية واستئناف المفاوضات لإنهاء النزاع، بالتزامن مع تأكيد استعداد تركيا للاضطلاع بدور أكبر في ضمان الأمن والاستقرار الإقليميين.

وتكمن دلالة المكالمة في أن أنقرة لا تطرح نفسها بديلًا عن الولايات المتحدة بقدر ما تطالب بموقع أكبر في عملية تحديد أجندة الأمن الإقليمي. وهذا يعكس تحولًا أوسع قد تشترك فيه قوى أخرى تمتلك المال أو القوة العسكرية أو القدرات التكنولوجية اللازمة لتوسيع استقلالها الاستراتيجي.

وبذلك، لا يصبح السؤال الأساسي ما إذا كانت القوى الإقليمية مستعدة لتحمل مسؤولية أكبر عن أمنها؛ فالاتجاهات الحالية تشير إلى أنها تريد ذلك بالفعل. السؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة لقبول النتيجة الطبيعية لهذه السياسة: أن تقاسم الأعباء الأمنية يعني أيضًا تقاسم النفوذ السياسي والاستراتيجي.

ووفق خلاصة المقال، قد يكون الشرق الأوسط الجديد أقل اعتمادًا على الولايات المتحدة من الناحية الأمنية، من دون أن يصبح بالضرورة معاديًا لها. غير أن نجاح القوى الإقليمية في بناء ترتيبات دفاعية مستقلة سيضع واشنطن أمام معادلة جديدة: إما الاحتفاظ بمستويات مرتفعة من الالتزام الأمني للحفاظ على نفوذها التقليدي، أو القبول بأن الشركاء الذين تطالبهم بالدفاع عن أنفسهم سيطالبون، في المقابل، بحرية أكبر في رسم سياساتهم وتحديد أولويات أمن المنطقة.