التَّوحُّشُ الصُّهْيُونِيُّ الرَّأسماليُّ الاستعماريُّ، ودبلوماسيَّةُ الصَّفقاتِ العَقَاريَّة
ليحلَّ السَّلام الأبديُّ والسكينة على أرواح جميع الراحلين عن عالمنا ممن استهدف التحالف الصُّهيوني الأمريكي الاستعماري الوحشي بلادهم بالتدمير، واستهدفهم بالهتك والفتك والإبادة، سواءٌ أكانوا من أبناء الشعب الفلسطيني، أو من أبناء غيره من شعوب الشرق وضمنها شعوب لبنان وسوريا واليمن وإيران، وليحل السلام الأبدي على الأرواح البريئة التي أسلمها هذا التحالف الوحشي للموت جراء استمراره في شنِّ الحروب العدوانية الاستعمارية، واستنكافه المطلق عن الانخراط في أي مسعى سياسي لإقرار سلام عادل يكفل الأمن والاستقرار والازدهار للجميع، وذلك على نحو يُعرِّضُ المدنيين الأبرياء من قاطني المستعمرة المُسمَّاة "دولة إسرائيل" لفقد الأمن والاستقرار، والحياة أيضاً، جراء ممارسةِ قوى المقاومة الفلسطينية حقها المشروع في الدفاع عن وطنها وشعبها، ضد اعتداءات هذا التحالف الإجرامي التّّوحشيِّ التي لم تنقطع منذ ما يربو على قرن من الزمان.
ولعلَّ أفراد أسرة كيدم سيمان توف، اليهودية الأمريكية الإسرائيلية التي لاقت مصيرها، مجتمعةً، خلال أحداث السَّابع من أكتوبر ٢٠٢٣، التي جرت في مستعمرة نير عوز الصهيونية الواقعة في منطقة "غلاف غزة" في فلسطين المحتلَّة، أن يكون نموذجاً دالاً على المدنيين الأبرياء الذين نشير إليهم، والذين لا يُوجدُ في المستعمرة المُسمَّاة "دولة إسرائيل" إلا أقل القليل منهم بالنسبة لأعداد قاطنيها المرغمين، بأمر القانون، على الإنخراط في "جيش الحرب والعدوان الإسرائيلي"، المُسمَّى، زوراً وبهتاناً وتقنُّعاً، بـ"جيش الدِّفاع الإسرائيلي"!
والحق أنَّ إعمال العقل، والمنطق العقلي السليم، إنما يقتضيان إلى الإقرار بحقيقة أنَّ الوالدين، "تمار" و"يوناتان"، كنموذجين لأعداد غفيرة غيرهما من اليهود الذين تمت صهينتهم، ليسا إلَّا ضحيتين من ضحايا الفكر الصُّهيوني التَّخْيِيلِيِّ الإيديولوجي "التَّخْيِيلُوجِيِّ" العنصري الاستعماري الإباديِّ الوحشيِّ. أما أطفالهم الثلاثة الأبرياء - سحر، وأربل، وعومر - فقد عانوا من مأساة مضاعفة. إذ كانوا ضحايا قناعات والديهم الخاطئة من جهةٍ، وضحايا جهاز دولة عنصري ومدمر، وفي نهاية المطاف، ضحايا غير مقصودين لمقاتلي حماس الذين أزهقوا أرواحهم، في سياق سعيهم لإزاحة الاحتلال الإسرائيليِّ عن وطنهم "فلسطين".
تقع المسؤولية النهائية عن هذا العنفُ المروع على عاتق المؤسسات الإسرائيلية: حكومة إسرائيل، وجيشها، وأجهزة استخباراتها. فقد هيأت هذه المؤسسات، بنشاطٍ وخفاءٍ متلازمين، الظروفَ التي مكَّنت "كتائب القسام" التابعة لحركة المُقاومة الإسلامية "حماس" بتنفيذ عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر 2023، وهي العملية التي لم تستغرق ما يزيد من ربع يوم!
ويكمن أوضح دليل على التواطؤ الإسرائيليِّ الرسميِّ الخفيِّ، والذي لا يمكنُ توقُّع أن تكون حماسُ نفسها متورطةً في إدراكِ أي أثرٍ من آثار وجوده، في فشل حكومة إسرائيل الذَّريع في حماية مواطنيها المُسْتَجلبين، بفعل الترغيب المالي والدعاية الصهيونية التضليلية، من الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من بلدان العالم الغربي ، ليقطنوا المستعمرات الصهيونية الواقعة في المنطقة التي تُدعى "غلاف غزة"، وفق التسمية الإسرائيلية المستحدثة والمتداولة بكثافة منذ فرض الحصار الإسرائيلي المتواصل، والمحكم، على قطاع في العام ٢٠٠٥.
يعلم الجميع أنَّ "حكومة إسرائيل" تمتلك القدرتين العسكرية والأمنية، وغيرهما من القدرات والوسائل والأدوات التي لا جدال في توافرها بكثرةٍ عليها، لحماية هذه المستعمرات وقاطنيها من المُستجلبين اليهود، لكنها افتقدت وجود الرغبة في القيام بذلك. ويَغْلبُ افتراصُ أنها افتقدت وجود هذه الرغبة عن تعمُّدٍ وقصدٍ مُضْمَريِّ الغايات؛ إذْ كان لمترتبات هذا الفشل الأمني الذريع، وعقابيله السَّافرة، ودعوات الانتقام الناجمة عن كليهما، أنْ تُشَكِّلَ محفَّزات مثالية وفَّرت للقيادة الإسرائيلية الذَّرائع اللَّازمة لشنّ حرب عدوانية تدميرية إبادية طويلة الأمد، ومُدبّرة مسبقاً بتفصيل وإتقان، لتدمير قطاع غزة، وتشريد أصحابه الأصليين الفلسطينيين الذين يقطنونه مع فلسطينين آخرين لجؤوا إليه عقب احتلال إسرائيل، والعصابات الإرهابية الصهيونية المسلحة، مدنهم وبلداتهم وقراهم وحقولهم ومزارعهم وبيوتهم التي على أنقاضها أقيمت "دولة إسرائيل" وذلك خلال الهجمات الإرهابية العدوانية الصهيونية المدعومة من جيش الاحتلال البريطاني التي عُرفت من منطور محايدٍ بحرب العام ١٩٤٨، ومن منظور صهيوني تدميريٍّ إباديٍّ تبريري دعائيً زائفٍ بـ "حًرب الاستقلال"!
لا تهدف الحرب التدميرية الإبادية المفتوحةُ على قطاع غزة، في المقام الأول، إلى شيء سوى ترسيخ إحكام قبضة بنيامين نتنياهو واليمين الصهيوني الممعن في التطرف العنصريِّ التَّوحُّشي، على السَّلطة في إسرائيل، ولا سيما أنها تأتي متلازمة مع، هجمات عدوانبة عسكرية أمريكية إسرائيلية مشتركة مفتوحة على جبهاتٍ متعددة، وتنطوي على إمكانية تفجير حروبٍ استعمارية متوالية. وما من غاية لهذه الهجماتِ العدوانية المشعلة أبشع الحروب الصهيونية الإسرائيلية الأمريكية سوى إعادة تشكيل الشرق الأوسط بأسرة، حيث، تحت ستار هذه الغاية المعلنة باستمرار وسطوع، سيكون بوسع بنيامين نتنياهو أنْ يُلهبَ سعيه التَّخْييلُوجيَّ المحمومَ لتحقيق مخطط "إسرائيل الكبرى"، واضعاً نفسه في موضع المهندس الاستراتيجي الأوَّل - إن لم يكن في موضع الحاكم الإمبراطوري، أو الملكي، الفعلي لإمبراطورية، أو مملكة، استعمارية صهيونية عنصرية إقليمية متخيلة، ويُرادِ لها أنْ تستهدفَ، على مدى سنوات تصنيعها وفور إيجادِهَا، إحكام الهيمنة الصهيونية المطلقة على العالم بأسره، عبر "إتمام تلوين العالم بالأزرق" وفق ما لا يكف نتنياهو عن تكرار قوله، بعنجهية عنصرية مطلقة.
وأحسبُ أَنَّهُ من المؤصَّل، عقلياً ومنطقيَّاً، أن نذهب إلى بلورة فرضية تقول إنَّ هذه الاستراتيجية الاستعمارية الوحشية إنما تتشابك بعمق مع دبلوماسية الكواليس، حيث أسفرت الاتصالات المكثفة بين نتنياهو والشخصية السياسية الأمريكية، المتأهبة لخوض انتخابات الرئاسة المزمع إجراؤها بعد بضعة أشهر، دونالد ترامب، عن تفاهمات سرية، وغطاء سياسي ودبلوماسي وقانوني ومصلحيٍّ متبادل، ولا سيما في ظلِّ وجود "ملفات إبستين" القابلة للإغلاق والفتح، والحظر والتداول". ففي مقابل دعم الحركة الصهيونية لطموحات ترامب الرئاسية، واستمرار تَسَتُّر إسرائيل على فساده المتعدد الأوجه وجرائمه الإبستينية المتنوِّعة المُوثَّقة، تم إبرام اتفاق تحالفيٍّ، يبدو أنَّ بنوده قد اشترطت على ترامب، كرئيس أمريكيٍّ قادم، تأييد أجندةِ نتنياهو الاستعمارية الراديكالية، والذاتيَّة النرجسيَّة، تأييدًا كاملًا، ودعم تنفيذها دعماً شاملاً، وضمن بنودها: الاحتلال العسكري الدائم لقطاع غزة، والتدمير الكامل لبنيته التحتية، والتهجير الممنهج لسكانه الفلسطينيين، ناهيك عن أهداف أجنداتٍ، ومخططاتٍ، تتعلق بإيران وشعبها، وبغيرها من أوطان وشعوب ودول الشرق، والعالم بأسره!
ويبدو أنَّ وعداً نتنياهوياً قائماً على نوع من الابتزاز التبادُليِّ، يتعلقُ بتحقيق مكاسب شخصية هائلة، وغير مسبوقة في تاريخ الصفقات العقارية، قد حَفَزَ المرشح الرئاسيِّ القادم من عالم الاستثمار العقاري "دونالد ترامب" على الامتثال المطلق لهذه الاستراتيجية الاستعمارية الوحشية انتظاراً لما سيجنيه خلال فترة رئاسته من مكاسب مالية وعقارية لا تُحصى. وبهذا يكون نتنياهو فد نجح في تصوير دمار غزة، وإبادة أهلها وقاطنيها الفلسطينيين، كفرصة استثمارية عقارية كُبرى لدونالد ترامب، وصهره جاريد كوشنر.
فتح هذا التآزر بين الصهيونية والرأسمالية الإمبريالية والاستعمار الاستحواذيِّ الاستيطانيِّ والشركات الكبرى، ولا سيما الخاصَّة منها، الباب على مصراعيه أمام استمرار التواطؤ الرأسماليِّ الأمريكيِّ الصَّمِيْمِيِّ الوثيق مع المخططات الصهيونية الإجرامية التوحشية التي تستهدف فلسطين، والشرق الأًوسط، والعالم بأسره.
وانطلاقاً من السَّعي اللاهب لإشباع الجشع النَّرجسي التملكيِّ المتداخل للمُطَوِّرَيْنِ العقاريين، والسُّلطويين الاستبداديين، والرأسماليين الفاسدين، وهو الجشع الوحشيُّ الذي لا يُشْبَعُ أبداً، كان الهدف النهائي للتحالف النتنياهويِّ التّرامبيِّ واضحًا: الاستيلاء على قطاع غزة، وتملُّكُهُ، واستبدال"ريفييرا شرقية" فاخرة بمجتمعاته الإنسانية ومعالمه التاريخية العريقة، لتستولي عقارات هذه الريفيرا الباهرة، المخصصة لإمتاع نخبةِ النُّخب من أثرياء العالم، على سواحل قطاع غزة بأكمله، وعلى عقول ومُخَيِّلاتِ فاحشي الثراء من نخبة نُخَب رأسماليي العالم المتوحشين، ناهيكَ عن الاستيلاء على مكنوزات النفط والغاز المذهلة التي يَعْمُرُ بها عرضُ البحر الأبيض المتوسط الذي تُطِلُّ هذه الريفيرا الشَّرقية المُأَمْركةِ عليه.
ومع ذلك، فإن الاتفاقات المعلنة لا تكشف إلا جزءاً يسيراً من الحقيقة. وهو ما يفصح عن حقيقة كمون الخطر الأعظم في كل ما لا يزال مخفياً داخل أرشيفات ترامب - نتنياهو، وفي صلبها جميعاً الصَّفقات والتفاهمات السِّرية التي تشكل تهديداً غير مسبوق لوجود فلسطين، والدول المحيطة بها، ولاستمرار الشرق الأوسط بأسره، وكذلك لإمكانية استمرار دول الخليج في الوجود على النحو الذي هم جميعاً عليه في راهن الزمن الحالي ، ناهيك عن استمرارية وجود النظام العالمي القائم منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، في الوجود، في ظل عالمٍ أحادي القطب تهيمن عليه الصهيونية، مباشرةً، أو عبر هيمنتها المطلقة على الولايات المتحدة الأمريكية!