مقالات

الضفة الغربية على خط النار: تسليم الملف لـ "بن غفير".. تنظيم إداري أم تدشين لمرحلة التهجير؟

الضفة الغربية على خط النار: تسليم الملف لـ "بن غفير".. تنظيم إداري أم تدشين لمرحلة التهجير؟

لم يكن القرار الذي اتخذه وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، بنقل صلاحيات التعامل مع ملف المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة من الجيش الإسرائيلي إلى الشرطة، مجرد إجراء إداري أو تنظيم هيكلي داخل أجهزة الأمن. بل هو عنوان عريض لمرحلة جديدة وحرجة تؤسس لتغيير هيكلي في الوضع القائم، وتحوّل ميداني سيُعيد رسم خارطة الصراع في الضفة الغربية خلال الفترة القادمة.

إن وضع هذا الملف الحساس تحت مظلة الشرطة الإسرائيلية التي يسيطر عليها وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير يؤكد أن الاحتلال يتجه بخطى حثيثة نحو نقل إدارة الضفة من "البعد العسكري الميداني" إلى "البعد المدني-الشرطي"، وهو ما يمثل ضمّاً فعلياً وإن كان غير معلن لملف المستوطنين وأنشطتهم.

1. الهندسة السياسية للقرار: لماذا الآن؟

منذ توليه وزارة الأمن القومي، سعى بن غفير بضراوة لانتزاع المزيد من الصلاحيات التنفيذية، خاصة فيما يتعلق بالضفة الغربية والمستوطنين. وجاء قرار كاتس ليُلبّي هذا الطموح السياسي لعدة أسباب:

*ترسيخ الهيمنة السياسية لليمين الفاشي: يُمثل بن غفير القاعدة الانتخابية الأكثر راديكالية داخل اليمين الإسرائيلي. منحُه هذه الصلاحيات يعزز النفوذ السياسي للحكومة ويُرضي حلفاءها الأيديولوجيين.

*إزاحة العقبة العسكرية: طالما شكل الجيش الإسرائيلي على الرغم من انحيازه وغض الطرف عن ممارسات المستوطنين عائقاً أو كابحاً أمام رغبة بن غفير في غطاء مطلق لأعمال الاستيطان والتوسع، وذلك لدواعي الاعتبارات الميدانية والإقليمية التي يحسب لها الجيش حساباً. ونقل الملف للشرطة يُفرغ الجيش من دوره الرقابي المباشر.

2. تحويل المستوطنين إلى "ذراع قانونية" حامية

كان التعامل السائد سابقاً يقوم على اعتبار الضفة الغربية منطقة خاضعة للحكم العسكري الإسرائيلي، وبالتالي فإن "السيطرة الأمنية" و"التعامل مع الجرائم القومية" للمستوطنين يقعان تحت صلاحيات قيادة المنطقة الوسطى في الجيش.

أما بعد هذا القرار:

*تسييس إنفاذ القانون: أصبحت الشرطة التي تخضع لتوجيهات بن غفير المباشرة هي المسؤولة عن التحقيق والمتابعة وإعادة تنظيم حوادث العنف والعربدة الاستيطانية.

*الحماية والحصانة للمستوطنين: الشرطة التي يقودها جهاز وُجهت له اتهامات متكررة بتساهله التام مع ميليشيات المستوطنين ستوفر عملياً "شرعنة" و"حصانة" شبه كاملة للاعتداءات، وسيكون دورها لحماية المستوطنين بدلاً من ضبطهم.

3. هل نقل الصلاحيات تمهيد لتصعيد أوسع وأشمل؟

إن التساؤل الميداني والأهم هو: هل هجمات المستوطنين الأخيرة مجرد بداية لموجة تصعيد أوسع تم الإعداد لها بنقل هذه الصلاحيات؟

الجواب يتجه بنسبة كبيرة نحو "نعم"، وتتضح هذه الرؤية من خلال المظاهر التالية:

*الغطاء السياسي للتهجير: تسعى المجموعات الاستيطانية المتطرفة (مثل "شبيبة التلال") إلى إخلاء القرى والتجمعات البدوية والرعوية الفلسطينية في مناطق (ج). وجود الشرطة تحت إمرة بن غفير يضمن عدم توقيف هذه المجموعات، بل وتوفير الإسناد الأمني لعمليات التهجير القسري.

*دمج الصلاحيات والتسليح: بالتوازي مع نقل الصلاحيات، استمر بن غفير في تسليح الآلاف من عناصر "فرق الطوارئ" داخل المستوطنات. قرار كاتس يُكمل هذه الحلقة؛ حيث أصبحت القوة المسلحة والقوة القانونية الإشرافية تتلقيان الأوامر من نفس التوجه الأيديولوجي.

*تغيير قواعد الإطلاق والضبط: من المتوقع أن تشهد المرحلة القادمة تضيقاً شديداً على الحركة الفلسطينية، مقابل إطلاق يد المستوطنين في إقامة البؤر الاستيطانية العشوائية واقتحام البلدات الفلسطينية دون خوف من الملاحقة.

4. التبعات المستقبلية: رسم ملامح "القادم" في الضفة

هذا القرار يقطع الشك باليقين بأن الحكومة الإسرائيلية لم تعد تبحث عن "إدارة الصراع"، بل عن "حسم الصراع". وتتلخص تداعيات هذا التغيير في المحاور التالية:

*تآكل الوضع القائم: إنهاء الصفة العسكرية القانونية المؤقتة للضفة الغربية، والبدء بتطبيق القوانين الإدارية الشرطية، مما يمثل خطوة متقدمة في مشروع الضم الإداري والسياسي.

*انفجار الميدان: تشجيع هجمات المستوطنين وحمايتها بشرطة بن غفير سيدفع الشارع الفلسطيني في ظل انسداد الأفق السياسي وتواصل الاقتحامات نحو انفجار ميداني شامل ومواجهة مفتوحة ومباشرة مع ميليشيات الاستيطان.

*إحراج المجتمع الدولي: يضع القرار القوى الدولية والإقليمية أمام واقع جديد، حيث يُسلم ملف حساس كـ "عنف المستوطنين" إلى الشخصية الأكثر راديكالية وتطرفاً في الحكومة الإسرائيلية، مما يسقط أي مراهنات على ضبط النفس أو "التهدئة الذاتية".

إن نقل وزير الدفاع الإسرائيلي كاتس لصلاحيات التعامل مع المستوطنين إلى شرطة بن غفير ليس تصرفاً روتينياً، بل هو الركيزة التنفيذية لخطة أوسع وأشمل تهدف إلى إعادة هيكلة السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية. إنها الخطوة التي تسبق موجة جديدة ومكثفة من العنف والتوسع الاستيطاني، حيث أُعطيت الضوء الأخضر للميليشيات المسلحة بالتحرك تحت رعاية جهاز أمني يخضع لقيادة سياسية تؤمن بالتهجير والحسم الميداني.