مقالات

الفزعة الوطنية

الفزعة الوطنية

التعاضد والتعاون والتضامن كلمات ليست ذات معنى في المفهوم الفلسطيني ما لم تكن ضمن الفزعة الواجبة لمساعدة المواطنين في مواجهة الكرب والضعف والألم، والتصدي لإجراءات الاحتلال القمعية وممارسات المستوطنين واعتداءاتهم. والفزعة الوطنية لا تكون في مواسم الفرح وفي حالات العوز والحاجة والحزن والفَقدِ في تاريخ التراث الفلسطيني فقط بل هي مقرونة بالنخوة والوطنية وحب المساعدة. وإنْ عرفت الفزعة "التعاضد والتعاون" في مواسم الفرح والحصاد (القمح والزيتون كرمزين رئيسيين لحياة الفلسطينيين وارتباطهم بهذه الأرض المقدسة) أي في مواعيد محددة ومواقيت مرتبة، فإن فزعة التضامن تأتي في حالات الحزن كسمة يغلب عليها العفوية وتعظيم مكانة الآخرين على حساب الشخص الذي يضطر لتغيير أسلوب حياته أو مواعيده للوقوف إلى جانب الآخرين.

الفزعة اليوم تنتقل من حالة مواسم الفرح والحزن إلى الحالة الوطنية التي تستدعي فزعة وطنية للحفاظ على ما تبقى من الأرض ومن الإنسان الفلسطيني في مواجهة موجة اعتداءات المستوطنين ووقف ما يجري من طردٍ للفلسطينيين من منازلهم وأراضيهم والاستيلاء عليها بمساعدة ومساندة جيش الاحتلال؛ وذلك لمنع تكرار تجربة ما يجرى في مدينة القدس العتيقة ومدنية الخليل في القسم المحيط بالحرم الابراهيمي، وما جرى في القرى والبلدات الفلسطينية ما قبل عام 1948.

في ظني هذه الفزعة التي نرى بعض صورها بتوفير بعض المواد الغذائية للمنازل المحاصرة في قُصرة وجالود تبقى قاصرة ما لم تكن هناك عملية تأطير وطني للعمل الجماهيري الشعبي لمواجهة الخطوات المترابطة التي تقوم بها الحكومة الإسرائيلية ما بين "شرعنة الاستيطان"، وحماية اعتداءات المستوطنين ودعمها؛ فحسب تقارير الأمم المتحدة تعرض 127 تجمعاً فلسطينياً للتهجير الكامل أو الجزئي منذ يناير/كانون الثاني 2023، بينها 47 تجمعا تم تهجير سكانها بالكامل، وفي عام 2026 وحده هُجّر نحو 3,800 فلسطيني، وبلغ عنف المستوطنين مستويات غير مسبوقة"؛ حيث وثقت وكالات الأمم المتحدة أكثر من 1,430 اعتداءً في النصف الأول من عام 2026 أثرت على نحو 260 تجمعاً فلسطينياً.

إنّ إعلان حالة الطوارئ في مواجهة اعتداءات المستوطنين وتطوير استراتيجية الفزعة الوطنية بآليات تقضي تكثيف التواجد الفلسطيني في القرى والبلدات المهددة، بما في ذلك انتقال القيادات السياسية والحكومية والفصائلية للعيش في تلك المناطق والقوى البشرية التي تحت أمرتهم، وتشجيع الشباب للانتقال إليها؛ وذلك لحمايتها وصد هجمات المستوطنين ومنعهم من الاستيلاء على الأراضي والمنازل، وتعظيم التعاضد والتعاون والتضامن الفلسطيني كأدوات لاستعادة الفزعة الوطنية مكانتها. إنّ هذا المطلب اليوم لا يأتي في إطار تحميل المسؤولية أو الترف الفكري أو المماحكة السياسية بل إنّ هذا المطلب يأتي انسجاماً مع مطالبة وكالات الأمم المتحدة في جلسة الأمن الأخيرة بوجوب التعامل مع الوضع في الضفة الغربية باعتباره حالة طوارئ.