مقالات

التحول الكبير من الدماء والفساد.. إلى الدولة.

التحول الكبير من الدماء والفساد.. إلى الدولة.

إن التحول الكبير الذي ينتظره الشعب الفلسطيني وكل من ساند وتضامن مع شعبنا لا يجب أن يكون منحة أو منّة من أحد، بل يجب أن يكون واجباً وطنياً خالصاً، وفي خضم محاسبة ذاتية للأشخاص والفصائل والأحزاب. فمنذ عقود طويلة يعيش الفلسطيني تحت وطأة حربٍ مفتوحة لا تهدأ، وظلمٍ متراكم لا يلين، واستيطانٍ يلتهم الأرض شبراً بعد شبر، واحتلالٍ لا يعرف سوى لغة القوة والقهر. لقد دفع هذا الشعب أثماناً لا تُقاس، وتحمّل من الدمار والتهجير والحصار ما لم يتحمله شعبٌ آخر في هذا العصر، حتى باتت حياته اليومية شاهداً على حجم الظلم التاريخي الذي يُمارس عليه بلا توقف. إن الحرب لم تكن مجرد حدث عابر، بل كانت جرحاً مفتوحاً في الجسد الفلسطيني، ووصمة عار على جبين الاحتلال الذي لم يتردد في استهداف البيوت والمدارس والمستشفيات، وفي تحويل حياة المدنيين إلى ساحة اختبار لآلة القمع والاستيطان.في زمنٍ تتكسّر فيه المعادلات القديمة ويهتزّ فيه اليقين السياسي تحت وقع الدم والدمار، يقف الشعب الفلسطيني اليوم على حافة لحظة تاريخية لا تُشبه أي لحظة سبقتها. لحظةٌ تتطلّب جرأةً استثنائية من كل من قرّر أن يواجه الحقيقة، وأن يضع مصلحة الوطن فوق كل راية وكل شعار وكل حسابٍ حزبي ضيّق. لقد آن الأوان للخروج من دائرة الخوف، وكسر صمت السنوات الثقيلة، والقول بصوت واحد إن فلسطين تستحق قيادة جديدة، ورؤية جديدة، ومرحلة جديدة تُبنى على العقل لا على العناد، وعلى الشراكة لا على الانقسام، وعلى الحياة لا على الموت.ومع التحوّل المفصلي الذي أقدمت عليه حركة حماس، ومع انفتاح باب الوساطة الوطنية المصرية، ومع اقتراب لحظة الاتفاق التي قد تُنهي الحرب بشكل دائم، يبرز السؤال الأكبر: هل نحن مستعدّون لفتح الباب لحقبة فلسطينية جديدة؟ حقبة لا تُدار بعقلية الماضي، ولا تُسلّم لعظام الرقبة، ولا تُحكم بمنطق التوريث السياسي، بل تُصنع بإرادة الشباب، وبحكمة التجربة، وبشجاعة الاعتراف بأن الوطن أكبر من الجميع.ففي هذه اللحظة الفارقة، تقف فلسطين أمام منعطف غير مسبوق. قرار حركة حماس بتذليل شروطها والاتجاه نحو اتفاق يوقف الحرب بشكل دائم ليس خطوة عابرة ولا مناورة سياسية، بل تحوّل عميق في بنية التفكير الحزبي، وتقدّم نادر في مسار تغليب المصلحة الوطنية على الحسابات التنظيمية الضيقة. لقد دفعت غزة أثماناً لا يمكن وصفها بـ"فاتورة دماء"، لأن دماء الأطفال والشهداء ليست سلعة تُقاس أو تُثمّن، بل هي أمانة ثقيلة في أعناق كل قيادة فلسطينية مهما كان موقعها أو لونها السياسي.إن دخول مصر بثقلها الوطني في مسار التهدئة الدائمة يمنح الاتفاق المرتقب عمقاً عربياً وغطاءً قومياً يضمن ألا يكون وقف النار مجرد هدنة مؤقتة، بل بداية لمرحلة جديدة تُبنى على استقرار طويل الأمد، وعلى إعادة تعريف العلاقة بين غزة والاحتلال ضمن إطار سياسي واضح لا يترك الشعب رهينة الانفجارات المتكررة. غير أن هذه اللحظة لا يمكن أن تكتمل دون دور حقيقي من حركة فتح وكافة الفصائل والقيادات السياسية، فالمطلوب اليوم ليس بيانات دعم ولا اجتماعات شكلية، بل قرار تاريخي بطيّ صفحة الصراع الداخلي والانتقال إلى تسليم مؤسسات السلطة كافة—التشريعية والتنفيذية والإدارية—ضمن عملية انتقال سلمي للأجيال الشبابية بعيداً عن التوريث السياسي أو تجهيز "عظام الرقبة" كما يقول المثل الشعبي.إن الشعب الفلسطيني لا يحتاج إلى زعامات جديدة بقدر ما يحتاج إلى جيل جديد يحمل روحه ولغته ومعاناته، ويمتلك القدرة على بناء مجتمع مدني حديث يضع الإنسان الفلسطيني في مركز القرار. وما قامت به حماس اليوم ليس أمراً بسيطاً، فهي حركة ذات فكر أيديولوجي صلب، لكنها وصلت—ولو متأخرة—إلى قناعة بأن استمرار الحرب لم يعد خياراً، وأن حماية الشعب أهم من حماية الفكرة. هذا التحوّل يجب أن يُقرأ بعمق وأن يُستثمر وطنياً، لا أن يُستغل للمناكفات أو تسجيل النقاط.ولا يبحث الفلسطينيون اليوم عن إسقاط أحد أو هدم أحد، بل عن انتقال مؤسساتي حقيقي ينهي حقبة سوداء عاشها الشعب، ويبدأ حقبة جديدة تُبنى على الشراكة والقانون والمحاسبة، لا على السلاح والانقسام. ويمكن النظر إلى التجربة المصرية القريبة كمثال على إمكانية الانتقال: من نظام و حكم أيديولوجي منغلق، ثم إلى قيادة وطنية شبابية أعادت للدولة حيويتها وفتحت أبواب الإعمار والانفتاح على كل المستويات بقيادة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي. هذه التجربة ليست نسخة جاهزة للفلسطينيين، لكنها دليل على أن الشعوب قادرة على إعادة بناء دولها حين تتوفر الإرادة السياسية.وهكذا، وبعد هذا المخاض الطويل، يقف الشعب الفلسطيني أمام لحظة لا تحتمل التردد ولا تسمح بالمراوغة. لحظةٌ تُلزم كل قيادة وكل فصيل وكل صاحب قرار بأن ينظر في المرآة جيداً، وأن يعترف بأن الزمن تغيّر، وأن فلسطين لم تعد تحتمل المزيد من الدوران في الحلقة ذاتها. فمستقبل هذا الشعب ليس ملك فرد ولا حزب ولا تيار، بل ملك جيل كامل ينتظر أن يُفتح له الباب ليعيد بناء ما تهدّم، ويُرمّم ما انكسر، ويصنع ما عجزت عنه القيادات المتعاقبة.إننا نقترب من نهاية حقبة سوداء، لا بسقوط أحد ولا بإقصاء أحد، بل بارتقاء الجميع إلى مستوى المسؤولية التاريخية. فالوطن أكبر من كل الأسماء، وأغلى من كل الشعارات، وأقدس من أن يُترك رهينة الانقسام أو رهينة حسابات ضيقة لا تُطعم طفلاً ولا تُعيد بيتاً ولا تُنقذ حياة. لقد آن الأوان لإعادة تعريف القيادة، وإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، وتسليم الراية لمن يستطيع حملها بثبات وشجاعة ووعي.هذه ليست دعوة للانسحاب، بل دعوة للارتقاء. ليست دعوة للتنازل، بل دعوة للفوز الحقيقي: فوز الوطن. وإن كان التاريخ قد علّمنا شيئاً، فهو أن الشعوب التي تملك الجرأة على الاعتراف بأخطائها هي وحدها القادرة على صناعة مستقبلها. واليوم، يقف الفلسطينيون أمام فرصة نادرة، فرصة قد لا تتكرر، فرصة لكتابة بداية جديدة لا تشبه ما قبلها.فلنكتبها معاً، ولنفتح الباب لجيلٍ جديدٍ يحمل فلسطين إلى حيث تستحق، ولنعُلن أن زمن الظلام قد انتهى، وأن فجر فلسطين الجديدة قد بدأ الآن.