هآرتس: عنف المستوطنين وتقييد الصحافة يعمّقان أزمة إسرائيل في الضفة الغربية
تل أبيب: سلّطت حلقة حديثة من بودكاست صحيفة هآرتس العبرية الضوء على تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية، وما وصفه المشاركون فيها بتقاعس أو تواطؤ من جانب مؤسسات إسرائيلية، بالتوازي مع استمرار القيود المفروضة على عمل الصحفيين في غزة والضفة، معتبرة أن هذه التطورات تعكس أزمة أوسع تتعلق بعزلة إسرائيل الدولية وغياب رؤية استراتيجية واضحة تجاه الفلسطينيين.
وجاءت الحلقة، التي بثتها هآرتس في 14 أغسطس/آب 2026 بعنوان «ماذا يجري بحق الجحيم في الضفة الغربية؟»، من تقديم الصحفي أمير تيبون، وبمشاركة بيتر لرنر، الناطق السابق باسم الجيش الإسرائيلي أمام وسائل الإعلام الدولية والمدير العام للعلاقات الدولية في الهستدروت، إلى جانب مراسلة هآرتس «آبي»، التي سبق أن عملت ناشطة في مجال «الحضور الحمائي» في الضفة الغربية.
حظر الصحفيين عن غزة
تناولت الحلقة بدايةً استمرار منع الصحفيين الدوليين من دخول قطاع غزة، وهو قرار رأى لرنر أن الوقت قد فات منذ نحو عامين لتغييره. وقال إنه أوصى خلال الحرب بالسماح بدخول الصحفيين، معتبرًا أن استمرار الحظر لفترة طويلة يعزز الانطباع بأن إسرائيل تحاول إخفاء شيء ما.
وفي المقابل، اعتبر لرنر أن القول إن الحظر نجح في منع توثيق الانتهاكات أو جرائم الحرب ليس مقنعًا، بالنظر إلى أن حرب غزة أصبحت، رغم القيود، واحدة من أكثر النزاعات التي حظيت بتغطية إعلامية في العالم.
وأعاد لرنر جذور هذه السياسة إلى عملية «الرصاص المصبوب» عام 2009، عندما أصبح منع دخول الصحفيين إجراءً روتينيًا لأسباب أمنية وتشغيلية. ووفق رؤيته، أدى النزاع القانوني الذي أعقب ذلك إلى تمسك الأطراف بمواقفها، لأن تغيير السياسة بات يعني ضمنيًا الاعتراف بأن القرار السابق كان خاطئًا. وربط هذا المنطق برفض رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إشراك السلطة الفلسطينية في إدارة غزة، لأن التراجع عن هذا الموقف قد يُفسر باعتباره اعترافًا بخطأ سنوات من تهميش السلطة الفلسطينية.
من الدعم الدولي إلى العزلة
يرى لرنر أن أزمة إسرائيل في التواصل مع العالم تفاقمت خلال العام الأخير بدل أن تتحسن. وانتقد تصريحات وأفكارًا طرحها سياسيون إسرائيليون، من بينها الدعوة إلى ترحيل السكان الفلسطينيين، معتبرًا أن إسرائيل انتقلت من وضع تمتعت فيه بدعم دولي واسع في الأسابيع الأولى التي أعقبت هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول، إلى حالة من العزلة غير المسبوقة خلال عامي 2024 و2025.
وربط هذه العزلة بمشكلة أعمق تتمثل، بحسب تقديره، في افتقار إسرائيل منذ نحو عشرين عامًا إلى رؤية استراتيجية تحدد ما تريد أن تكون عليه خلال العقود المقبلة. وحذر من أن السياسات الإسرائيلية قصيرة الأجل، التي نادرًا ما تستمر أكثر من بضعة أشهر، تدفع البلاد إلى ما وصفه بـ«دائرة العجز» التي قد تتحول إلى حالة من اليأس في غياب استراتيجية وتحالفات بديلة.
عنف المستوطنين وتراجع دور الجيش
خصص الجزء الأوسع من الحلقة للوضع في الضفة الغربية، حيث تحدث تيبون عن أحداث شهدتها قرى قرب نابلس، بينها كسرى، قال إن مستوطنين متطرفين حاصروا خلالها عائلات فلسطينية داخل منازلها. وأعرب عن صدمته من مشاهدة جنود يسمحون بمثل هذه الاعتداءات أو يشاركون فيها أحيانًا.
ووضع لرنر الوزير بتسلئيل سموتريتش في قلب التحولات الجارية في الضفة، معتبرًا أنه، بحكم مسؤوليته عن الشؤون المدنية، أصبح عمليًا أكثر تأثيرًا في إدارة الضفة من رئيس القيادة المركزية للجيش. وأشار إلى الدعم السياسي والمالي المقدم لإقامة بؤر استيطانية و«مزارع» غير قانونية تستولي على أراضٍ فلسطينية.
وفي مفارقة لافتة، قال لرنر إن عقلية الجيش الإسرائيلي منذ السابع من أكتوبر تقوم على منع احتمال وقوع «غزو جماعي» لمستوطنة في الضفة، ولذلك جرى دفع خطوط الدفاع إلى الأمام، بينما ما يحدث على الأرض، وفق توصيفه، هو اقتحامات جماعية لتجمعات فلسطينية من جانب المستوطنين.
وفسر عدم تدخل الجنود في كثير من اعتداءات المستوطنين بأنه نتيجة لفشل قيادي متدرج يبدأ من المستويات العليا. فإذا أحجم قائد القيادة المركزية عن التحرك خشية حملة سياسية أو إعلامية، ينتقل هذا السلوك إلى قادة الفرق والألوية والسرايا وصولًا إلى الجندي في الميدان، الذي يختار في غياب أوامر واضحة عدم التدخل.
وحدات مسلحة وإفلات من العقاب
ناقشت الحلقة كذلك دور وحدات الدفاع الإقليمي المحلية المرتبطة بالمستوطنات، التي أُشير إليها باسم «كاجمار»، وقال المشاركون إنها تُظهر في بعض الحالات سلوكًا أكثر عدوانية من القوات النظامية.
ورأى لرنر أن وجود مجموعات أمنية مسلحة ومعتمدة ومدربة ومجهزة من الجيش يمنح هذه الوحدات الاستيطانية قوة متزايدة على الأرض، ووصف البيئة الناشئة عن ذلك بأنها أقرب إلى «دولة انعدام قانون»، تصبح فيها الغلبة للطرف الذي يمتلك السلاح والقدرة على المبادرة.
مضايقات للصحفيين في الضفة
وقدمت مراسلة هآرتس «آبي» شهادات من تجربتها الميدانية في الضفة الغربية، من بينها واقعة في قرية أم الخير خلال يوليو/تموز، قالت فيها إن جنودًا طالبوا صحفيين بالتوقف عن التصوير، ووجهوا تهديدات تتعلق بزميلتها الإسرائيلية العربية وعائلتها في سخنين، رغم امتلاك الصحفيتين، بحسب روايتها، الحق القانوني في التصوير.
وفي حادثة أخرى في ترقوميا قرب الخليل، قالت إن جنودًا وشرطة أبلغوها بأن المكان يقع ضمن المنطقة «أ»، التي يُحظر على الإسرائيليين دخولها، في حين أنه يقع فعليًا، وفق تصنيفات اتفاقيات أوسلو، ضمن المنطقة «ب».
واعتبرت أن هذه الوقائع تأتي ضمن نمط أوسع من التضييق على الصحفيين الدوليين، بينما يتعرض الصحفيون الفلسطينيون لهذا النوع من الإجراءات منذ فترة أطول، مشيرة إلى وجود صحفيين فلسطينيين في الاعتقال الإداري لأشهر من دون توجيه تهم إليهم، وفق ما ورد في الحلقة.
أكثر من 65 تجمعًا فلسطينيًا مهجرًا
ومن أبرز الأرقام التي طرحتها الحلقة ما يتعلق بالتهجير القسري للتجمعات الفلسطينية. وقالت آبي إن عنف المستوطنين تسبب قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول في تهجير تسعة تجمعات فلسطينية بالكامل على الأقل، بينما تجاوز العدد منذ ذلك التاريخ 65 تجمعًا.
وأضافت أن الظاهرة لم تعد مقتصرة على التجمعات البدوية الصغيرة، بل باتت تهدد بلدات وتجمعات أكبر، بينها ترقوميا ودير جرير ومخماس.
وتحدثت كذلك عن تراجع قدرة التدخل الدولي على حماية هذه التجمعات، مستشهدة بخان الأحمر باعتبارها نموذجًا نادرًا نجح فيه الضغط الخارجي في منع الإخلاء، في حين لم تحظَ تجمعات أخرى بالحماية ذاتها. وأوضحت أن بعض المجتمعات الفلسطينية باتت تطلب وجود ناشطين دوليين على مدار الساعة بعدما كان «الحضور الحمائي» يقتصر سابقًا على ساعات النهار.
إبعاد الشهود عن الميدان
ذهبت آبي إلى أن ما يجري يتجاوز التضييق على الفلسطينيين ليشمل محاولة إبعاد مختلف الأطراف القادرة على توثيق الأحداث في الضفة، من صحفيين وناشطين إلى دبلوماسيين.
وقالت إن جولات دبلوماسية تعرضت للمضايقة والطرد، كما أشارت إلى ترحيل أو إلغاء تأشيرات دخول لأكثر من 12 ناشطًا يهوديًا أميركيًا بسبب مشاركتهم في أنشطة سلمية في الضفة الغربية، محذرة من أن هذه الممارسات قد تنعكس حتى على علاقة إسرائيل باليهود الأميركيين.
وفي الوقت نفسه، رأت أن النقاش الدولي التقليدي حول «حل الدولتين» أو «الدولة الواحدة» بات منفصلًا بصورة متزايدة عن الواقع اليومي للفلسطينيين الذين التقت بهم في الضفة، والذين يعيشون، بحسب وصفها، في «وضع نجاة كامل»، بينما تستمر بروكسل وواشنطن في مناقشة الصراع بالمفاهيم السياسية التقليدية ذاتها.
أزمة داخلية قبل أن تكون خارجية
خلصت الحلقة إلى أن أزمة إسرائيل لا تقتصر على تدهور صورتها في الخارج. فبحسب لرنر، تتمثل إحدى المشكلات الأساسية في عدم رغبة قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي في معرفة ما يحدث في الضفة باسمها وعلى أيدي جنودها وشرطتها، في ظل محدودية التغطية الإعلامية الإسرائيلية المنتظمة لهذه القضية.
ويرى لرنر أن عام 2026 قد يمثل محطة حاسمة، داعيًا القوى المتنافسة في الانتخابات الإسرائيلية إلى تقديم رؤية واضحة بشأن القضية الفلسطينية وغزة وإيران وعلاقة إسرائيل بالشتات اليهودي. واعتبر أن المشكلة الأعمق لم تعد مجرد فقدان العالم ثقته بإسرائيل، وإنما فقدان إسرائيل نفسها الثقة بالعالم، بما يدفعها إلى تجاهل النقد الخارجي والاستمرار في السياسات ذاتها.
وتبقى الاتهامات والأرقام المتعلقة بعنف المستوطنين والتهجير والمضايقات الواردة في الحلقة منقولة عن الضيفين وشهاداتهما وخبراتهما وتقارير سابقة لهآرتس، ولم تخضع، وفق المادة الأصلية، لتحقق مستقل من مصادر إضافية. كما أن الحلقة تمثل منصة حوارية تعكس آراء المشاركين وليست تقريرًا إخباريًا محايدًا بالمعنى التقليدي.