أخبار

معادلة الكلفة واستنزاف الدفاعات: كيف تُغيّر حرب إيران العقيدة العسكرية الصينية؟

معادلة الكلفة واستنزاف الدفاعات: كيف تُغيّر حرب إيران العقيدة العسكرية الصينية؟

بكين: يتابع الباحثون العسكريون الصينيون عن كثب حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، باعتبارها مختبراً عملياً لاختبار مفاهيم عسكرية عملت بكين على تطويرها خلال السنوات الماضية، ولا سيما في مجالات الذكاء الاصطناعي، والقيادة والسيطرة، والأنظمة غير المأهولة، والدفاع الجوي والصاروخي، وقدرة الشبكات العسكرية على الصمود أمام الضربات.

وبحسب تحليل للباحث تاي غراهام، نشره موقع Breaking Defense يوم الاثنين، فإن أهمية الحرب بالنسبة إلى جيش التحرير الشعبي الصيني تنبع، في جانب أساسي منها، من أن الجيش الصيني لم يخض حرباً كبرى منذ نحو خمسة عقود، وهو ما يجعل كثيراً من مفاهيم تحديثه العسكري غير مختبرة في ظروف قتالية فعلية. ولذلك ينظر الباحثون العسكريون الصينيون إلى حرب إيران باعتبارها فرصة لمقارنة النظريات التي طورتها الصين خلال السنوات الماضية بواقع ساحة المعركة الحديثة.

من "قوة مقابل قوة" إلى "تنافس الأنظمة"

أحد أبرز الاستنتاجات الصينية يتعلق بطبيعة الحرب الحديثة نفسها. فقد وصف أكاديميان من معهد أبحاث الحرب التابع لأكاديمية العلوم العسكرية الصينية الصراع بأنه انتقال من نموذج «المواجهة قوة مقابل قوة» إلى نموذج "تنافس الأنظمة".

ووفق هذا التصور، لا تتحدد القوة العسكرية بعدد الطائرات أو الصواريخ أو المنصات المتطورة التي يمتلكها الطرفان فقط، وإنما بقدرة كل طرف على ربط أجهزة الاستشعار والقيادة والاتصالات والأسلحة والبيانات واللوجستيات داخل منظومة واحدة سريعة ومرنة.

ومن هنا يظهر اهتمام الباحثين الصينيين بمفهوم «حرب العصابات ضد الأنظمة»، أي استخدام وسائل منخفضة الكلفة لتعطيل العقد التي تسمح للمنظومات العسكرية المتطورة بالعمل، بدلاً من محاولة مجاراة الخصم منصة بمنصة أو سلاحاً بسلاح.

وفي السياق نفسه، يرى باحثون صينيون أن حرب إيران أظهرت تسارع الانتقال من «القتل الخطي بقيادة بشرية» إلى «شبكات قتل» مترابطة ومدعومة بالذكاء الاصطناعي، تستطيع اختصار الوقت بين اكتشاف الهدف واتخاذ القرار وضربه.

الذكاء الاصطناعي لا يعمل من دون استخبارات

يحتل الذكاء الاصطناعي موقعاً مركزياً في القراءة الصينية للحرب، لكن الباحثين العسكريين الصينيين لا ينظرون إليه بوصفه بديلاً عن الاستخبارات والاستعداد المسبق.

وتشير التحليلات الصينية إلى أن سنوات من جمع الاستخبارات البشرية والتقنية، ورسم أنماط حياة الأهداف وإجراء التدريبات والتحضير قبل الحرب، هي التي وفرت للأنظمة الأمريكية المدعومة بالذكاء الاصطناعي البيانات اللازمة لتسريع عمليات الاستهداف خلال الحملة على إيران.

ويعني ذلك أن الخوارزمية، مهما بلغت قوتها، تبقى محدودة القيمة إذا كانت البيانات التي تتلقاها قديمة أو ناقصة أو مضللة.

واهتم باحثون في جامعة الدفاع الوطني الصينية للتكنولوجيا بصورة خاصة باستخدام الولايات المتحدة نظام «مافن الذكي» في إيران، ورأوا أن القضية تتجاوز استخدام الذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف، لتصل إلى دمجه في مختلف مراحل «شبكة القتل»، من جمع الاستخبارات وتحديد الأولويات إلى تخطيط المسارات والهجمات المستقلة والتنسيق بين المنصات المأهولة وغير المأهولة.

معادلة الكلفة: كيف يستنزف السلاح الرخيص الدفاع الباهظ؟

الدرس الثاني الذي يحظى باهتمام واسع يتعلق باقتصاديات الحرب، وخصوصاً الاختلال الكبير بين كلفة وسائل الهجوم وكلفة اعتراضها.

فقد ركز الباحثون الصينيون على قدرة إيران على استخدام أنظمة غير مأهولة وأسلحة رخيصة نسبياً لاستنزاف صواريخ اعتراضية أكثر كلفة بكثير.

وهذه المسألة ليست جديدة في التفكير العسكري الصيني؛ إذ سبقت الحرب دراسات صينية تناولت قدرة أنظمة مثل «القبة الحديدية» على مواجهة وابل متزايد الكثافة من الصواريخ، وحددت مشكلات تتعلق بمحدودية التغطية الدفاعية وارتفاع كلفة الإنتاج ونقص مخزونات الاعتراض.

ومن هذا المنظور، لا يكفي امتلاك منظومة دفاع جوي متطورة إذا كان الخصم يستطيع فرض معادلة تستنزفها اقتصادياً وعملياتياً عبر أعداد كبيرة من الأسلحة الأقل كلفة.

ووصف باحثون مرتبطون بسلاح الجو الصيني حرب إيران، إلى جانب حربي أوكرانيا وغزة، بأنها تمثل نمطاً جديداً من «الاستنزاف الهجومي-الدفاعي غير المأهول واسع النطاق»، يقوم على العمليات الموزعة، والجمع بين الأسلحة المتطورة والأنظمة الرخيصة، وزيادة مستوى التعاون الذاتي بين الأنظمة المختلفة.

ولهذا تدعو بعض الدراسات الصينية إلى بناء دفاعات متعددة الطبقات تجمع الصواريخ والمدافع والحرب الإلكترونية والليزر والموجات الميكروية عالية القدرة، بحيث لا تضطر القوات المدافعة إلى استخدام صاروخ باهظ الثمن ضد كل هدف رخيص.

الشبكات الموزعة بدلاً من مراكز القيادة المكشوفة

تكشف حرب إيران، من المنظور الصيني، أيضاً عن خطورة الاعتماد على هياكل قيادة مركزية وسلاسل قتل خطية يمكن تعطيلها بضرب مركز قيادة أو قطع الاتصالات.

ولهذا يولي الباحثون الصينيون اهتماماً متزايداً لمفهوم «شبكات القتل» الديناميكية التي تستطيع إعادة توجيه المعلومات والاستمرار في العمل حتى بعد فقدان بعض عقدها.

ويشمل ذلك توزيع القيادة، وإنشاء عقد قرار احتياطية، وتمكين الوحدات المحلية من المحافظة على قدر من القيادة والسيطرة إذا انقطع اتصالها بالمركز.

والهدف هو بناء منظومة لا يؤدي تدمير عنصر واحد فيها إلى شل النظام بأكمله.

"حرب البنية التحتية"

لكن أحد أكثر الدروس لفتاً للانتباه هو اتساع مفهوم الهدف العسكري في التفكير الصيني.

فقد تناول باحثون من جامعة الدفاع الوطني الصينية ما يرونه ارتباطاً متزايداً بين «سلسلة القتل» و«سلسلة الإمداد»، بحيث تصبح المطارات والموانئ والمستودعات وخطوط الأنابيب والبنية التحتية للطاقة ومراكز البيانات عناصر مباشرة في القدرة العسكرية للدولة.

وتذهب بعض الدراسات إلى أبعد من ذلك باستخدام مفهوم «حرب البنية التحتية»، الذي يشمل استهداف الطاقة والنقل والتمويل والبنية الرقمية.

وتحظى مراكز البيانات والبنية التحتية للحوسبة السحابية بأهمية خاصة في هذه الرؤية؛ فكلما ازداد اعتماد الجيوش على الذكاء الاصطناعي في جمع المعلومات وتحليلها وتحديد الأهداف وتنفيذ الضربات الدقيقة، أصبحت البنية الرقمية التي تستضيف هذه العمليات جزءاً أكثر أهمية من المنظومة العسكرية، وبالتالي هدفاً محتملاً في الحرب.

القواعد الأمريكية ومشكلة المخزونات

ولا تقتصر هذه النقاشات على الباحثين العسكريين المباشرين، بل تمتد إلى مجتمع أبحاث الأمن القومي الصيني الأوسع.

فقد ركز باحثون صينيون على ما يسمونه حرب «التماس عن بُعد»، القائمة على الصواريخ والمسيّرات والعمليات غير المتكافئة والاستخدام واسع النطاق للذكاء الاصطناعي.

وفي المقابل، تبرز في النقاشات الصينية ثلاثة تحديات تواجه القوى العسكرية الكبرى: الفارق بين كلفة المسيّرات والصواريخ الرخيصة وكلفة اعتراضات مثل «باتريوت» و«ثاد»، وحجم مخزونات الذخائر والقدرة الصناعية على تعويضها، إضافة إلى هشاشة القواعد العسكرية المتقدمة أمام الضربات بعيدة المدى.

الصين ترى تأكيداً لمسارها العسكري

في المحصلة، لا يبدو أن الباحثين الصينيين ينظرون إلى حرب إيران باعتبارها حرباً تفرض على بكين إعادة بناء عقيدتها العسكرية من الصفر. على العكس، تبدو الحرب بالنسبة إليهم أقرب إلى اختبار يؤكد كثيراً من الأفكار التي كانت الصين تعمل عليها بالفعل.

وتشمل هذه الأفكار بناء قوات مترابطة شبكياً، وتسريع دورة اتخاذ القرار باستخدام الذكاء الاصطناعي، وتوزيع القيادة والقوات، وتوسيع استخدام الأنظمة غير المأهولة، والجمع بين الأسلحة المتقدمة والوسائل منخفضة الكلفة، وحماية البنية التحتية والبيانات التي تعتمد عليها منظومة القتال الحديثة.

لكن تحليل Breaking Defense يشدد في الوقت نفسه على ضرورة عدم المبالغة في تفسير هذه النقاشات. فالمنشورات التي تناولها المقال لا تثبت أن قيادة جيش التحرير الشعبي تبنت رسمياً دروس حرب إيران أو حولتها إلى عقيدة عسكرية جديدة أو قرارات بشأن هيكل القوات والمشتريات.

إنها، في المقام الأول، تكشف الطريقة التي يدرس بها الباحثون العسكريون والأمنيون الصينيون حرباً حقيقية لاختبار مفاهيم موجودة أصلاً داخل مشروع التحديث العسكري الصيني وتحديد مواطن الضعف وأولويات التطوير.

وبذلك، ربما لا يتمثل أهم درس صيني من حرب إيران في صاروخ أو مسيّرة أو تكتيك محدد، وإنما في كيفية الجمع بين التحضير الاستخباراتي، والقرار السريع المدعوم بالذكاء الاصطناعي، والأنظمة الموزعة وغير المأهولة، والأسلحة منخفضة الكلفة، والشبكات القادرة على ربط هذه العناصر والمحافظة على عملها تحت الضغط.

وهو استنتاج يعزز، في نظر الباحثين الصينيين، الاتجاه الذي تسلكه بكين بالفعل: بناء قوة عسكرية لا تعتمد فقط على امتلاك منصات أكثر تطوراً، بل على امتلاك منظومة قتالية أسرع وأكثر توزيعاً ومرونة وقدرة على الاستمرار، وأفضل كفاءة من حيث الكلفة.