أخبار

الهجرة المعاكسة من إسرائيل.. نزيف العقول يهدد الاقتصاد والجيش

الهجرة المعاكسة من إسرائيل.. نزيف العقول يهدد الاقتصاد والجيش

تل أبيب: تشهد إسرائيل خلال السنوات الأخيرة تصاعدًا لافتًا في أعداد المغادرين، في ظاهرة بدأت تثير مخاوف تتجاوز البعد الديموغرافي إلى تداعيات محتملة على الاقتصاد، وقطاع التكنولوجيا، والمالية العامة، وحتى قدرة الجيش على الحفاظ على موارده البشرية، ولا سيما مع ارتفاع نسبة أصحاب الدخل المرتفع وذوي المهارات بين المهاجرين.

وبحسب تقرير معمق نشرته صحيفة فايننشال تايمز ضمن زاوية The Big Read وأعده مراسلها في القدس جيمس شوتر، غادر نحو 150 ألف إسرائيلي البلاد خلال السنوات الثلاث الماضية، وسط اضطرابات سياسية وأمنية واقتصادية غير مسبوقة، بدأت بأزمة التعديلات القضائية عام 2023، ثم تفاقمت بعد هجوم 7 أكتوبر والحرب التي أعقبته.

تحول استثنائي في اتجاهات الهجرة

رغم أن نسبة المغادرين لا تبدو ضخمة مقارنة بمعدلات الهجرة الدولية، فإن أهميتها تكمن في خصوصية إسرائيل باعتبارها دولة قامت تاريخيًا على استقطاب المهاجرين اليهود. وقد أدى ارتفاع أعداد المغادرين، بالتزامن مع تراجع أعداد الوافدين، إلى تحول صافي الهجرة إلى مستوى سلبي في عامي 2023 و2024، وهو أمر لم يحدث سوى ثلاث مرات خلال القرن الماضي، بحسب سيرجيو ديلا بيرغولا، الأستاذ الفخري في الجامعة العبرية بالقدس.

وخلصت دراسة أعدها أكاديميون من جامعة تل أبيب، واستبعدت الوافدين الجدد الذين أقاموا في إسرائيل أقل من ثلاث سنوات، إلى أن نحو 100 ألف شخص غادروا البلاد خلال عامي 2023 و2024، مع تقديرات بمغادرة ما بين 45 و50 ألفًا إضافيين خلال 2025.

وتكتسب هذه الأرقام أهمية إضافية بالنظر إلى المكانة التاريخية للهجرة الوافدة في المشروع الإسرائيلي. فبين عامي 1948 و1960، شكّلت الهجرة نحو 65% من النمو السكاني، وظلت مساهمتها قريبة من 20% خلال العقدين السابقين لجائحة كورونا. كما ارتبطت مغادرة إسرائيل تاريخيًا بوصمة اجتماعية وسياسية، وإن كانت هذه النظرة قد تراجعت تدريجيًا خلال العقود الأخيرة.

السياسة والحرب وراء موجة المغادرة

يربط التقرير بين التسارع الأخير في الهجرة وسلسلة من الأزمات الداخلية والأمنية. فقد بدأت أعداد المغادرين ترتفع بصورة حادة مع إطلاق ائتلاف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو خطته المثيرة للجدل لتقييد صلاحيات القضاء مطلع عام 2023، وهي الخطوة التي فجرت أكبر موجة احتجاجات في تاريخ إسرائيل.

ثم جاءت نقطة التحول الثانية بعد هجوم 7 أكتوبر، إذ غادر نحو 14 ألف شخص خلال ذلك الشهر وحده، رغم تصاعد المخاوف الإسرائيلية في الوقت نفسه من معاداة السامية في عدد من الدول الغربية.

وتشير أبحاث نوعية إلى أن دوافع المغادرة لم تعد مرتبطة فقط بالأمن أو الفرص الاقتصادية. فقد أجرت أستاذة علم اجتماع الهجرة والديموغرافيا ليلاخ ليف آري استطلاعًا خلال عامي 2024 و2025 شمل 71 إسرائيليًا انتقلوا إلى الولايات المتحدة، وأظهر تصاعد القلق من المناخ الاجتماعي والسياسي في إسرائيل، خصوصًا بعد أزمة التعديلات القضائية.

وتبدو هذه المخاوف أكثر وضوحًا بين قطاعات من الإسرائيليين العلمانيين والليبراليين الذين ينظرون بقلق إلى التحولات السياسية والاجتماعية وتزايد نفوذ التيارات اليمينية والدينية. وينقل التقرير عن مهاجرة إسرائيلية انتقلت مع أسرتها إلى إسبانيا أنها اتخذت قرار المغادرة بعد قلق طويل من تنامي نفوذ الدين والقومية المتطرفة في الحياة العامة، رغم أملها في أن تتمكن يومًا ما من العودة.

تكلفة المعيشة عامل إضافي

إلى جانب السياسة والأمن، تمثل الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكلفة المعيشة عاملًا مهمًا في قرارات المغادرة. ورغم تباطؤ سوق العقارات منذ اندلاع الحرب، ظلت أسعار السكن مرتفعة، خصوصًا في تل أبيب والقدس.

ويضرب التقرير مثالًا بإسرائيلي غادر مع أسرته إلى الولايات المتحدة عام 2024، موضحًا أن تكلفة شراء شقة تبلغ مساحتها نحو 100 متر مربع في بيتح تكفا كانت تقارب مليون دولار، بينما تمكن بعد انتقاله إلى الولايات المتحدة من شراء منزل على قطعة أرض لم يكن يستطيع تحمل تكلفتها في إسرائيل.

الخطر الأكبر: هجرة أصحاب المهارات والثروات

غير أن مصدر القلق الأبرز لا يتعلق بعدد المغادرين فقط، بل بتركيبتهم الاقتصادية والمهنية. فقد أظهرت دراسة لمصلحة الضرائب الإسرائيلية أن معدل مغادرة الإسرائيليين الأثرياء، وبينهم عاملون في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة والرعاية الصحية، بلغ في عامي 2023 و2024 نحو ضعف مستواه المسجل عام 2019.

وحذرت الدراسة من أنه في حال استمرار هذا الاتجاه، قد ترتفع الخسارة السنوية في الإيرادات الضريبية إلى نحو 3.5 مليار دولار خلال خمس سنوات.

ويرى إيتاي أتير، أستاذ الاقتصاد والمشارك في إعداد دراسة جامعة تل أبيب، أن إسرائيل لا تزال قادرة على استيعاب مستويات الهجرة الحالية، لكن الخطر يكمن في أن تكون الموجة الراهنة مجرد مؤشر مبكر لما يمكن أن يحدث مستقبلًا. وتزداد حساسية المسألة لأن الاقتصاد الإسرائيلي يعتمد بدرجة كبيرة على رأس المال البشري والقطاعات كثيفة المعرفة، في ظل محدودية الموارد الطبيعية.

التداعيات تمتد إلى الجيش

ولا تتوقف المخاطر عند الاقتصاد. إذ يرى أستاذ الاقتصاد في جامعة تل أبيب إيران يشيف أن مغادرة العاملين في القطاعات الأعلى إنتاجية يمكن أن تؤثر في الإيرادات الضريبية وفي قدرة الدولة على تمويل الزيادة الكبيرة المخطط لها في الإنفاق الدفاعي.

كما يمكن أن تؤدي الهجرة إلى زيادة الضغوط البشرية على الجيش الإسرائيلي، الذي يعتمد على الخدمة الإلزامية ونظام الاحتياط. ومع تقلص قاعدة السكان الذين يتحملون الأعباء العسكرية والاقتصادية، قد يضطر من يبقون إلى أداء فترات أطول من الخدمة الاحتياطية، بما ينعكس بدوره على إنتاجيتهم الاقتصادية ويخلق ما يشبه حلقة متبادلة من الضغوط العسكرية والاقتصادية.

في المقابل، يحذر باحثون من المبالغة في توصيف الظاهرة باعتبارها بالفعل “هجرة أدمغة” واسعة النطاق، إذ إن أصحاب المهارات العالية عادة ما يكونون ممثلين بنسب أكبر بين المهاجرين في مختلف الدول. لكن الخطر، وفق أليكس واينريب، مدير الأبحاث في مركز تاوب، يتمثل في تحول الهجرة إلى عملية ذاتية التعزيز؛ فكلما توسعت الجاليات والشبكات الإسرائيلية في الخارج، أصبحت عملية الانتقال أكثر سهولة وجاذبية لمهاجرين جدد.

الحكومة تحاول استعادة أصحاب المهارات

دفعت هذه المخاوف الحكومة الإسرائيلية إلى اتخاذ إجراءات تستهدف تشجيع أصحاب المهارات على العودة، بينها إعفاءات ضريبية على الدخل المكتسب والمتراكم خارج إسرائيل، إلى جانب آليات تسمح بخصم الضرائب المدفوعة في الخارج من ضريبة الدخل المستحقة داخل إسرائيل.

ويقول درور بن، الرئيس التنفيذي لهيئة الابتكار الإسرائيلية، إنه لا يزال من المبكر تحديد مدى نجاح هذه الإجراءات، لكنه يتوقع أن يكون لها أثر ملموس خلال السنوات المقبلة.

وفي الوقت نفسه، تظل التطورات الأمنية والجيوسياسية عاملًا رئيسيًا في تحديد اتجاه الحركة السكانية. وتشير الوكالة اليهودية إلى ارتفاع عدد الأشخاص الذين بدأوا إجراءات الهجرة إلى إسرائيل عقب تراجع حدة القتال، مع توقعات بأن يؤدي استمرار الاستقرار الأمني إلى زيادة أعداد القادمين خلال عام 2027.

ظاهرة لم تتحول بعد إلى أزمة.. لكنها تحمل مؤشرات مقلقة

لا تشير الأرقام الحالية إلى انهيار ديموغرافي أو موجة نزوح جماعي من إسرائيل، كما أن بعض الباحثين يحذرون من تضخيم الظاهرة. لكن التحول السلبي في صافي الهجرة، وارتفاع نسبة أصحاب المهارات والدخول المرتفعة بين المغادرين، يجعلان المسألة أكثر حساسية من مجرد عدد الأشخاص الذين غادروا البلاد.

فإذا استمرت الاتجاهات الحالية، قد تتحول الهجرة من نتيجة للأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية إلى عامل يفاقمها بدوره؛ عبر تقليص قاعدة دافعي الضرائب، واستنزاف قطاعات التكنولوجيا والرعاية الصحية، وزيادة العبء على القوى البشرية المتاحة للجيش.

ولهذا تبدو المسألة مرتبطة في النهاية بقدرة إسرائيل على استعادة الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي. فبحسب التقرير، يظل بعض المغادرين منفتحين على احتمال العودة، لكن قرارهم سيتوقف إلى حد بعيد على المسار الذي ستتخذه البلاد وعلى ما إذا كانت الظروف التي دفعتهم إلى المغادرة ستتغير أم ستتحول إلى واقع طويل الأمد.