الدولة أم المنظمة ... والفعل المفقود
يُحزن النقاش الدائر في الأوساط السياسية، مع اقتراب إجراء الانتخابات التشريعية، حول منح مقاعداً بالتوافق عن حصة الضفة الغربية وقطاع غزة في المجلس الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية بالإضافة إلى رئيس السلطة المنتخب، أي خفض عدد مقاعد البرلمان "المجلس التشريعي" من 200 مقعداً إلى 132 مقعداً؛ كي يتسنى الإبقاء على تراث منظمة التحرير الفلسطينية "كجبهة وطنية"، والمصالح التي حصلت عليها الفصائل الفلسطينية، والهيمنة الكوتية للحزب المهيمن دون انتخاب.
وإن كنت من مؤيدي خفض عدد مقاعد المجلس التشريعي لما هو أقل من 132 لأسباب تتعلق بأعمال البرلمان "اللوجستية والفنية" والأعباء المالية على خزينة الدولة وأسباب أخرى لا يحتمل هذا المقال نقاشها، فإن المعالجة تبدأ بمحاسبة من ورط الرئيس الفلسطيني في هذه المعضلة؛ فالتراجع في التشريعات يظهر الضعف للنظام السياسي وغياب المؤسسات ونقص الحصافة التي يتمتع بها النظام السياسي، وهي بالتأكيد ليست شجاعة أو حكمة على عكس السلوك الفردي الإنساني. كما تضعف ثقة المواطنين بصاحب القرار السياسي والعزوف عنه.
ينحرف النقاش دائماً عند الحديث عن الانتقال الفعلي لتجسيد الدولة أو قرار المجلس الوطني الفلسطيني "وثيقة إعلان الاستقلال" والخلط بين "السلطة الفلسطينية" أداة الوسيلة "المنظمة" لتحقيق الهدف "الدولة"، فأحيانا يتم تضخيم الأداة للإبقاء على اتفاق أوسلو، الذي أعدمته الحكومة الإسرائيلية، بحجة تقديم الخدمات للمواطنين، ومرة يتم إعلاء الوسيلة على الأداة والهدف للحفاظ على مصالح الفصائل، فيما يبقى تحقيق الهدف في اللحظات الواجبة دون قرار. فقد أضاع الفلسطينيون أربعة عشر عاماً من عمرهم (2012 -2026) في الجهود المبذولة لتجسيد الدولة الفلسطينية فيما تم إلغائها بجرة قدم عند الحديث عن الاستحقاق الفعلي لانتخاب البرلمان "بغض النظر عن الاسم" كلحظة تاريخية فاصلة.
على مدار ثمانية وثلاثين عاماً لم يتم ادراك لحظة التحول التي جاء بها إعلان وثيقة الاستقلال التي جعلت الدولة لجميع الفلسطينيين والمنظمة باتت كياناً سابقاً انتقالياً بل هامشياً في عملية التمثيل السياسي حيث أصبحت اللجنة التنفيذية للمنظمة تقوم بمهام حكومة مؤقتة إلى حين إقامة حكومة دولة فلسطين التي طال أمدها.
أعاد منح الرئيس الفلسطيني بالأمس أوسمة لبعض الأدباء الفلسطينيين، وهو استحقاق لعظيم فعلهم، النقاش حول العلوية في المؤسسة السياسية؛ حيث رفع الدولة فوق المنظمة في شهادة التكريم، وهو إدراك عميق ورسالة لرفع مكانة الدولة "الهدف" على المنظمة " الوسيلة" وألغى السلطة "الأداة"، لكن ذلك بقي على الورق؛ كأن الهدف الذي حدده الآباء المؤسسين في العام 1988 بات ورقياً، دون تجسيد أو تم تأجيله إلى وقت غير معلوم.
إن القرار السياسي الفلسطيني المتأخر في اتخاذ القرار الواجب في اللحظة المناسبة؛ بسبب الحسابات الضيقة للإبقاء على المزايا والجبن من تبعات التغيير في الجوانب الاجتماعية والثقافية وحتى السياسية وحسابات التضحيات المحتملة للفوز بالهدف المنشود، أضاع سنوات عمرنا ويهدد مستقبل الأجيال القادمة، وأصبح الفعل مفقوداً ورد الفعل عاجزاً، وبات الصمت والتراجع والفرجة والندب على أحوالنا هو الأمر.