مقالات

إشكالية الشرعية والذاكرة السياسية..

إشكالية الشرعية والذاكرة السياسية..

قراءةٌ في ترابط ممارسات السلطة بين العهدين البهلوي والثيوقراطي

صراع السرديات في المشهد الإيراني المعاصر

    تعيد القراءات التحليلية المعاصرة للمشهد الإيراني تسليط الضوء على جدلية الاستمرارية والانقطاع في أدوات الحكم بين نظامي "الشاه" و"الولي الفقيه".. ففي وقت يشهد فيه الحراك المعارض في الخارج محاولات لإعادة تأهيل الشرعية البهلوية، تبرز عقبة الذاكرة التاريخية الموثقة كعنصر حاسم في تقييم البدائل السياسية.

 إن التقرير الأخير الذي نشرته صحيفة داغنز نيهيتر السويدية بناءً على تحليل الكاتبة بونه روحي لا يقف عند حدود السرد التاريخي بل يغوص في عمق البنية التحتية للقمع التي يرى محللون أنها شكلت "المختبر الأول" الذي استلهم منه النظام الحالي أدواته في السيطرة السياسية والأمنية.

إرث "السافاك" كحجر زاوية في هندسة القمع

تُشير الوثائق التاريخية ولا سيما تقارير منظمة العفو الدولية الصادرة في منتصف السبعينيات إلى أن محمد رضا بهلوي لم يكن مجرد حاكم تقليدي بل كان يمثل سلطة مطلقة أدارت جهازه الأمني المعروف باسم السافاك بمركزية شديدة.؛ كانت هذه المنظومة تتبنى استراتيجية تكميم المعارضة عبر محاكمات عسكرية تفتقر لأدنى معايير النزاهة؛ حيث تُنتزع الاعترافات تحت وطأة التعذيب الممنهج، وإن رصد حالات لمفكرين وأدباء مثل أحمد شاملو ورضا براهيني يعكس توجهاً استراتيجياً لضرب الكتلة الصلبة من المثقفين وهي السياسة التي يرى المراقبون أنها مهدت الأرضية لنمو الراديكالية كبديل وحيد للاستبداد القائم آنذاك.

مأسسة العنف.. من "الصفيح المعدني" إلى "الاعترافات القسرية"

يمثل الانتقال من العهد البهلوي إلى العهد الثيوقراطي في إيران حالة فريدة من الوراثة المؤسسية لأدوات القمع.. فالتحليلات الاستراتيجية تشير إلى أن النظام الحالي لم يدمر البنية التحتية للأمن التي تركها الشاه بل قام بـ "ترميمها" وتوسيع نطاقها.

إن الاعتماد على ملفات السافاك واستخدام ذات الزنازين.. بل والاستعانة ببعض الخبرات الفنية في مجالات المراقبة والتحقيق ليؤكد فرضية أن الاستبداد في إيران يمتلك جذوراً هيكلية عابرة للأنظمة.. فالعنف الذي مورس ضد معارضين مثل بديع زادكان وسفك دماء المتظاهرين العزل في عام 1978 يمثلان النموذج البدئي لما تمارسه أجهزة الأمن الحالية في مواجهة الاحتجاجات الشعبية.

أزمة الإنكار ومأزق البديل السياسي

تأتي زيارة رضا بهلوي الأخيرة إلى ستوكهولم بدعوة من تيارات يمينية لتضع "الزمرة البهلوية" في مواجهة مباشرة مع المسؤولية التاريخية.. وإن الميل نحو تبييض التاريخ أو الهروب من الإجابة عن أسئلة التعذيب الموثقة بدعوى "التركيز على المستقبل" يخلق هوة عميقة بين الطموح السياسي والواقع التاريخي.. فمن الناحية الاستراتيجية لا يمكن بناء عقد اجتماعي جديد في إيران دون معالجة الندوب السياسية التي خلفها العهدين.. وإن إنكار جرائم الماضي ليمثل في نظر الضحايا والمحللين الدوليين طمساً للعدالة الانتقالية الضرورية لاستقرار أي نظام مستقبلي؛ فزمرة بقايا نظام الشاه بدءا من ابنه عليها أن تقوم بالاعتذار وما يترتب عليه للشعب الإيراني عما ارتكبته من قبح في ماضيها وحتى حاضرها قبل أن تفكر بالتوجه نحو أي عمل سياسي.

وحدة المسار في اختلاف الأيديولوجيا

في المحصلة.. يخلص التحليل الاستراتيجي لمسار السلطة في إيران إلى أن العنف السياسي والتفرد المطلق هما وجهان لعملة واحدة بغض النظر عن الغطاء الأيديولوجي سواء كان قومياً إمبراطورياً أو دينياً كهنوتياً.

 إن السياسات الأمنية التي أسسها الشاه من تجسس عبر السفارات إلى بث الاعترافات القسرية أصبحت اليوم "عقيدة أمنية" متكاملة للنظام الحالي، وبالتالي فإن أي مشروع سياسي يطرح نفسه كبديل يجب أن يبدأ بالاعتراف بأن سلطة الولي الفقيه لم تكن لتجد طريقها لولا الانسداد السياسي والقمع الذي مارسته البهلوية المطلقة المستبدة مما يجعل نقد الماضي ضرورة لا ترفاً سياسياً لتجنب إعادة إنتاج الاستبداد بوجوه جديدة.