من أوكرانيا إلى إيران.. كيف غيّرت الأقمار الصناعية التجارية قواعد الحرب الحديثة؟
عواصم: أصبحت الأقمار الصناعية التجارية وشبكات الاتصالات الفضائية جزءًا من صميم العمليات العسكرية الحديثة، بعدما انتقلت من كونها بنية تحتية مساندة إلى أدوات قادرة على التأثير في مسار المعركة، سواء عبر ضمان الاتصالات للقوات، أو توفير الصور الفضائية، أو حرمان الخصم منها. وتكشف تجربتا الحرب الروسية–الأوكرانية والعملية العسكرية الأمريكية في إيران عن تحول متسارع في طبيعة الصراع، باتت فيه السيطرة على الاتصالات والصور الفضائية لا تقل أهمية عن السيطرة التقليدية على المجال الجوي.
هذا التحول تناوله روبرت كارديلو، الرئيس التنفيذي السابق لوكالة الاستخبارات الجغرافية المكانية الوطنية الأمريكية (NGA)، في حوار مع الدكتور سيث جونز، رئيس قسم الدفاع والأمن في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، ضمن بودكاست The Last Line of Defense، حيث ربط بين الدروس التي أفرزتها الحرب في أوكرانيا وكيفية توظيف الولايات المتحدة لها لاحقًا خلال عملية «الغضب الملحمي» في إيران.
حرب بدأت بهجوم على الاتصالات
بحسب كارديلو، بدأت الحرب الروسية–الأوكرانية، من منظور الفضاء والاتصالات، قبل أن تتضح بالكامل ملامح المعارك البرية. ففي الساعات الأولى للغزو الروسي عام 2022، تعرضت شبكة Viasat لهجوم سيبراني روسي أدى إلى تعطيل عشرات الآلاف من أجهزة المودم في أوكرانيا وأجزاء من أوروبا، في محاولة لقطع الاتصالات وحرمان كييف من القدرة على تنظيم دفاعها.
لكن الرد الأوكراني جاء من خارج البنية العسكرية التقليدية، عبر الاعتماد على خدمة ستارلينك التجارية. ويرى كارديلو أن استخدام أوكرانيا لهذه التقنية مثّل أول اختبار عملياتي واسع النطاق لها في حرب كبرى، وأنتج أثرين متوازيين: الأول تكتيكي، تمثل في منح القوات الأوكرانية شبكة اتصالات يصعب على موسكو تعطيلها، بما عزز قدرتها على المناورة والدفاع؛ والثاني استراتيجي ونفسي، تمثل في تقويض ثقة روسيا بقدرتها على فرض سيطرة كاملة على بيئة الاتصالات في ساحة المعركة.
وبذلك لم تعد قيمة ستارلينك محصورة في نقل البيانات أو ربط الوحدات العسكرية، بل تحولت إلى عامل يؤثر في حسابات الخصم نفسه. فحين يكتشف طرف يمتلك قدرات سيبرانية وحربًا إلكترونية متقدمة أنه غير قادر على عزل خصمه عن شبكة الاتصالات، فإن الأثر يتجاوز الخسارة التقنية إلى إضعاف الثقة بقدرته على التحكم في ميدان العمليات.
النموذج الأوكراني: التقنية ليست كافية
يلفت كارديلو إلى أن أحد أهم دروس أوكرانيا لا يتعلق بنوعية التكنولوجيا المستخدمة بقدر ما يتعلق بسرعة تبنيها. فهو يصف الأسلوب الأوكراني في التعامل مع التقنيات الناشئة بأنه من أفضل النماذج عالميًا، إذ يقوم على إدخال التكنولوجيا إلى الميدان حتى قبل اكتمالها بصورة نهائية، واختبارها في ظروف العمليات الفعلية، ثم تعديلها سريعًا استنادًا إلى النتائج.
ويشبه كارديلو هذا الأسلوب بمنهجية DevOps في عالم البرمجيات: تجربة، وقياس، وتعديل، ثم إعادة نشر في دورات متلاحقة. ويرى أن هذه المرونة هي الدرس الذي ينبغي للولايات المتحدة نفسها أن تتعلمه، بدل الاكتفاء بمراقبة التجربة الأوكرانية من الخارج.
ويكشف ذلك عن تحول أوسع في مفهوم التفوق العسكري؛ فامتلاك التكنولوجيا الأكثر تطورًا لم يعد وحده كافيًا، وإنما أصبحت القدرة على إدخالها إلى ميدان المعركة وتعديلها بسرعة عنصرًا حاسمًا في تحديد الطرف القادر على الاحتفاظ بالأفضلية.
من درس أوكرانيا إلى حرب إيران
ينتقل كارديلو من أوكرانيا إلى العملية الأمريكية في إيران، موضحًا أن المرحلة الافتتاحية من عملية «الغضب الملحمي» اعتمدت على معلومات استخباراتية دقيقة لتحديد زمان ومكان القيادة الإيرانية المستهدفة، بهدف تعطيل منظومة القيادة والسيطرة، قبل الانتقال إلى مرحلة لاحقة استهدفت إضعاف البرنامج النووي وتقليص قدرة طهران على إسقاط القوة بالصواريخ والوسائل البحرية والجوية.
ويصف كارديلو المرحلة الافتتاحية للعملية بأنها ناجحة استراتيجيًا، لكنه يشدد على أن الحكم على النتائج بعيدة المدى، ولا سيما ما يتعلق بمصير البرنامج النووي الإيراني، لا يزال مبكرًا.
وفي مفارقة لافتة، يشير كارديلو إلى أن الولايات المتحدة طبقت في إيران منطقًا مشابهًا لما حاولت روسيا القيام به في أوكرانيا، وإن كان في اتجاه معاكس؛ إذ استخدمت برنامجًا لتعطيل خدمات الاتصالات لدى الجانب الإيراني بهدف إبقاء قدرة الخصم على التواصل عند أدنى مستوى ممكن خلال العمليات العسكرية.
عندما تتحول الصور التجارية إلى تهديد للقوات
لكن الدرس الأكثر وضوحًا الذي انتقل من أوكرانيا إلى إيران يتعلق بصور الأقمار الصناعية التجارية. فإذا كانت التكنولوجيا التجارية قد ساعدت أوكرانيا على تجاوز محاولات روسيا لعزلها، فإن الخدمات التجارية نفسها يمكن أن تتحول إلى مصدر خطر عندما تكشف صور الأقمار الصناعية مواقع القوات وتحركاتها.
وبحسب كارديلو، أجرت الحكومة الأمريكية محادثات مع شركات تجارية كبرى للتصوير الفضائي، من بينها Planet Labs وBlackSky وVantor، بهدف حجب الصور عن مناطق انتشار القوات الأمريكية في إيران. ويقول إن الشركات استجابت بصورة طوعية، وليس نتيجة أمر حكومي مباشر، وإن فترة الحجب امتدت تدريجيًا من أربعة أيام إلى 14 يومًا، ثم إلى أجل غير محدد مع استمرار الحرب وتطورها.
هذه الخطوة تكشف معضلة جديدة أمام الجيوش الحديثة. فالتصوير الفضائي الذي كان قبل عقود حكرًا على القوى الكبرى وأجهزة الاستخبارات أصبح خدمة تجارية يستطيع الوصول إليها عدد متزايد من الجهات، الأمر الذي يجعل إخفاء التحركات العسكرية أكثر صعوبة.
ثغرة في سياسة الحجب
مع ذلك، يحذر كارديلو من المبالغة في تقدير فاعلية حجب الصور الأمريكية. فالولايات المتحدة ليست المزود الوحيد للصور الفضائية التجارية، وهناك أقمار صناعية صينية وهندية وروسية يمكن أن تستمر في تصوير المناطق نفسها.
ولهذا فإن وقف الشركات الأمريكية خدماتها لا يعني اختفاء الصور من السوق، بل يقلل فقط عدد المصادر المتاحة. ويرى كارديلو أن ذلك قد يولّد شعورًا زائفًا بالأمان لدى القوات الأمريكية، لأن الخصوم يستطيعون البحث عن مصادر بديلة لا تخضع للقيود نفسها.
وهنا تظهر إحدى المفارقات الأساسية في عسكرة الفضاء التجاري: الدولة تستطيع التأثير في شركاتها الوطنية، لكنها لا تستطيع بسهولة التحكم في منظومة عالمية من مزودي البيانات والصور الفضائية.
كلفة استراتيجية على الشركات الأمريكية
المشكلة لا تتوقف عند حدود الأمن العملياتي. فسياسة حجب الصور يمكن، وفق كارديلو، أن تضر بالقدرة التنافسية للشركات الأمريكية في سوق الفضاء العالمية، خصوصًا أمام الشركات الصينية.
ويطرح كارديلو تساؤلًا قد يواجه الحلفاء عند الاختيار بين مزود أمريكي وآخر صيني: هل يستطيع العميل الاعتماد على الخدمة الأمريكية عندما يحتاج إليها في لحظة أزمة، أم يمكن للحكومة الأمريكية أن تتدخل وتؤدي إلى وقفها؟
ويرى أن تجربة الحجب خلال حرب إيران قد تثير مثل هذه الشكوك، بما يضعف الثقة طويلة الأمد بالشركات الأمريكية، رغم تفوقها التقني، ويمنح المنافسين فرصة لاستغلال المخاوف المرتبطة باستمرارية الخدمة خلال الأزمات.
السيطرة على «الأثير» جزء من السيطرة على المعركة
تفضي تجربتا أوكرانيا وإيران، وفق قراءة كارديلو، إلى نتيجة استراتيجية واحدة: السيطرة على الاتصالات والصور الفضائية أصبحت مكونًا أساسيًا من مكونات السيطرة على ساحة الحرب.
وفي أوكرانيا، منعت شبكة تجارية روسيا من تحقيق هدفها في عزل خصمها اتصاليًا. وفي إيران، دفعت المخاوف من استخدام الصور التجارية ضد القوات الأمريكية واشنطن إلى محاولة الحد من تدفق البيانات الفضائية حول مناطق انتشارها.
ويعني ذلك أن التفوق العسكري لم يعد مرتبطًا فقط بعدد الطائرات والصواريخ والمنصات العسكرية التقليدية، وإنما بقدرة الدولة على دمج بنية فضائية وتجارية ومدنية في منظومتها العسكرية، وفي الوقت نفسه منع الخصم من استغلال البنية ذاتها ضدها.
ويخلص كارديلو إلى أن الفارق الحاسم بين الخصوم لم يعد يقتصر على من يمتلك التقنية الأكثر تقدمًا، بل يشمل من يستطيع نشر هذه التقنية وتكييفها ميدانيًا بصورة أسرع. وفي هذا المجال تحديدًا، يرى أن أوكرانيا قدمت حتى الآن أحد أبرز النماذج العالمية.
وهكذا تكشف الحرب الحديثة عن جبهة جديدة لا تقع بالكامل على الأرض أو في الجو والبحر. فجزء متزايد من الصراع يدور في مدار الأرض المنخفض، حيث تعمل أقمار صناعية مملوكة لشركات تجارية، لكنها قادرة في لحظة الحرب على أداء وظائف ذات قيمة استراتيجية وعسكرية مباشرة.
وتوضح تجربتا أوكرانيا وإيران أن الحدود بين البنية المدنية والأداة العسكرية تتآكل بسرعة؛ فالشبكة التجارية يمكن أن تصبح وسيلة لإنقاذ اتصالات جيش كامل، والصورة الفضائية التجارية يمكن أن تتحول إلى مصدر استخبارات يستهدف قوات منتشرة على الأرض. وبذلك أصبحت القدرة على التحكم في تدفق الاتصال والصورة والمعلومة جزءًا من معادلة القوة العسكرية نفسها، وليس مجرد عنصر مساعد لها.
ملاحظة: تستند المادة إلى حديث روبرت كارديلو في بودكاست The Last Line of Defense الصادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS). ويشير النص الأصلي إلى أن كارديلو لم يكن داخل الحكومة الأمريكية وقت العملية في إيران، وأن بعض تقييماته بشأنها وصفها بنفسه بأنها «تخمين مستنير» قائم على المصادر المفتوحة وخبرته المهنية، وليست معلومات حكومية مؤكدة.