آراء مختارة

قلق إسرائيل من اتفاق مكّة

قلق إسرائيل من اتفاق مكّة

عبّر مسؤول إسرائيلي كبير (اقرأ بنيامين نتنياهو) عن قلقه من اتفاق الدفاع المشترك، الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان، يوم السابع من أغسطس/آب الجاري. ونشر موقع صحيفة «يديعوت أحرونوت»، الاثنين الماضي، أقوال هذا المصدر: «وجود تركيا وأردوغان خطير. لن نتفاجأ إذا انضمت مصر إلى «حلف مكّة». هذا التحالف موجّه ضد إسرائيل. ضد من يفعلون ذلك؟ دعني أشكك في ما يقال بأنه موجّه ضد إيران».
لقد تباهى نتنياهو المرّة تلو الأخرى، «نحن نغيّر وجه الشرق الأوسط»، وها هي رياح الشرق الأوسط تهب باتجاهات عديدة، معظمها ليست بما تشتهيه سفن إسرائيل. العدوان الثنائي على إيران فشل في تحقيق أهدافه، وطهران استثمرت ميزاتها الجيو استراتيجية والجيو سياسية بإغلاق مضيق هرمز والتهديد بقصف دول الخليج، وحتى إقفال مضيق باب المندب، كورقة ضغط إضافية. إيران، بالسطر الأخير، بعيدة عن الانكسار، الذي تتمنّاه إسرائيل. ويبدو أن من أهم دوافع التوصل إلى اتفاق مكّة للدفاع المشترك، هو حالة الحرب الإقليمية، التي بادرت إليها إسرائيل وجرت معها الولايات المتحدة. وإذا كان اتفاق مكّة يشكّل تغييرا في وجه المنطقة، فهو ليس التغيير الذي أراده نتنياهو وأرادته إسرائيل.
ذهب معظم المحللين في إسرائيل إلى أن الاتفاق ليس موجها ضد إسرائيل في هذه المرحلة، لكنّهم أجمعوا على أن إسرائيل لا تستطيع تجاهله، فقد قام على قاعدة عدم القبول بالتفوّق الاستراتيجي الإسرائيلي، والخشية من الانفلات العسكري الإسرائيلي، الذي يهدد أمن جميع دول المنطقة. وذهب هؤلاء المحللين إلى أن الاتفاق قد يأتي مستقبلا بمخاطر استراتيجية من الوزن الثقيل، فهو يحمل في طيّاته نواة لنشوء قطب إقليمي ثالث، يغيّر موازين القوى ويهدد مكانة إسرائيل كأقوى قوّة في المنطقة. كما تخشى إسرائيل من تراجع اتكّاء دول المنطقة على الولايات المتحدة، كركيزة أمنية تكاد تكون وحيدة، خاصة بعد فشلها في حماية أمن دول الخليج، التي تكبّدت خسائر كثيرة جرّاء الهجمات الإيرانية. إن إقامة تحالف مستقل بين دول إسلامية بوزن السعودية وباكستان وتركيا، لم يكن في حسابات المبادرين إلى الحرب الإسرائيلية الأمريكية. حين جرى التوقيع العام الماضي على معاهدة الدفاع المشترك الثنائية بين السعودية وباكستان، خشيت إسرائيل من توسيع وضم دول إضافية لها. وبعد انضمام تركيا للتحالف تتوجّس إسرائيل من إمكانية توسيع وتعميق هذا التحالف بضم مصر ودول أخرى إليه، ما سيؤدّي إلى تراجع التفوق العسكري الإسرائيلي في المنطقة، خاصة إذا تحوّل الاتفاق إلى منظمة إسلامية لها أسنان، ولها قيادة مشترك، وجاهزة فعلا للالتزام بمبدأ «الاعتداء على دولة من الدول الأعضاء هو اعتداء على جميع الدول.
التحالف الثلاثي قد يتحوّل إلى وكيل لحفظ الأمن والاستقرار في المنطقة، ما يسهّل عملية انسحاب الولايات المتحدة وتحريرها من التزاماتها المباشرة في المنطقة، وتوكيل بعضها للتحالف على حساب إسرائيل ومكانتها كحليف أوّل للإمبراطورية الأمريكية، التي تورطت في الحرب، بالذات في الوقت الذي صارت فيه الغلبة في واشنطن للتيار الانعزالي، الذي يدعو إلى تقليص التدخل الأمريكي وعدم الدخول في حروب لا تنتهي.
القراءة الإسرائيلية لاتفاق مكّة هي، أن تآزر قوى الدول الثلاث قد يشكّل لها معضلة استراتيجية، فالقوّة المجتمعة والمتماسكة لهذا التحالف أكثر بكثير من حاصل جمع القوى الثلاث: تركيا عندها ثاني أكبر جيش في الحلف الأطلسي، وصناعة عسكرية تتطوّر بسرعة إضافة إلى خبرة العضوية في حلف الأطلسي؛ باكستان عندها جيش كبير وقدرة نووية رادعة وعمق استراتيجي؛ السعودية هي دول غنية جدا ومصدر للطاقة إضافة إلى مكانتها العربية والإسلامية، وإذا انضمت مصر فسيكون ذلك تغييرا جيو استراتيجيا مقلقا جدا بالنسبة لإسرائيل، فهي تملك جيشا ضخما مزوّدا بأسلحة متطوّرة، ولديها كتلة بشرية كبيرة ولديها موقع جيو استراتيجي وحدود مع الدولة الصهيونية.
بدأت إسرائيل ترسم معالم ردّها وطرق مواجهتها للتحالف الثلاثي: مقابل باكستان تتحرك إسرائيل لتعزيز التعاون مع الهند، أمنيا ومخابراتيا واقتصاديا؛ وفي مواجهة تركيا تسعى إسرائيل إلى تعميق الشراكة مع اليونان وقبرص؛ وأمام السعودية تحاول إسرائيل لاستغلال الخلافات مع دولة الإمارات لمحاصرة الدور السعودي. وحدد «مسؤول إسرائيلي كبير» (نتنياهو بلا اسم صريح) اتجاه الرد الإسرائيلي قائلا: «المحور الشيعي ضعف، ونرى أن المحور السنّي يقوى. على دولة إسرائيل أن تُنشئ تحالفات بديلة بالأساس مع المحور الهيليني (اليونان وقبرص) إضافة إلى الهند والإمارات. على إسرائيل أن تكون قوية جدا جدا، وجعل الدول تحتاج إليها. إسرائيل بحاجة إلى برنامج لبناء قوّة عملاقة».

كل دولة من الدول المشاركة في التحالف تثير ريبة مختلفة عند إسرائيل. لقد راهنت إسرائيل على إمكانية تطبيع العلاقات مع المملكة العربية السعودية، وظل نتنياهو يبيع للصحافة الإسرائيلية هذا الوهم، حتى بعد الإبادة الجماعية في غزّة، مدعيا أن عنده معلومات غير تلك تتناقلها وسائل الإعلام في العلن. وتفسّر إسرائيل الاتفاق الجديد على أنّه يعني قيام نظام أمني إقليمي جديد خارج المظلة الأمريكية، وبعيدا عن «الاستعانة» بإسرائيل ضد إيران. كما ترى إسرائيل أن دخول السعودية لهذا التحالف يعني ابتعادها عن التعاون مع إسرائيل في الطريق التجاري الممتد من جنوب آسيا إلى أوروبا، لتكون المحطّة «قبل الأوروبية» في تركيا وربما في سوريا. دخول السعودية لهذا التحالف يجعل إسرائيل تودّع حلمين: التطبيع وشرق أوسط جديد.
بالنسبة لتركيا، فقد زاد التوتر في علاقاتها بإسرائيل بعد حرب الإبادة في غزة، والدور التركي بعد سقوط نظام بشّار الأسد ومجيء قوى حليفة لأنقرة. وتخشى إسرائيل من الوجود التركي على الأراضي السورية، الذي قد يصل إلى قرب الجولان المحتل، وقد يؤدي الدور التركي إلى نصب منظومات دفاع جوّي تقيّد «حرية الطيران الإسرائيلي» في الأجواء السورية. كما أن إسرائيل قلقة من المساعدات العسكرية والمساهمة التركية في إعادة بناء الجيش السوري. وتخشى كذلك من احتمال تحوّل المواجهة الثنائية إلى مواجهة مع قطب إقليمي «ترأسه» تركيا.
أمّا باكستان فهي قادرة على نصب مظلة نووية للسعودية وتركيا، ما يضع أمام إسرائيل مناطق خارجة عن تهديدها النووي الحصري. وتخشى إسرائيل أن يصل التعاون بين السعودية وباكستان إلى درجة تقدم فيها الأخيرة خبراتها النووية تحت تصرف السعودية، التي تتجه نحو إنشاء مشروع نووي سلمي، الذي من الممكن تحويله إلى مشروع «غير سلمي» بلا صعوبة كبيرة.
لقد تكاثرت التكنهات والتحليلات حول سبب عدم انضمام مصر للتحالف الجديد، ورشح منها أن تركيا تضغط لدخول مصر والسعودية متحفّظة «في المرحلة الحالية». ويرى معظم المحللين أن مصر لن تكون بعيدة عن المحور الجديد وستبقى شريكة في المشاورات والمداولات، وقد تنضم لاحقا بعد التغلب على بعض العوائق التقنية والسياسية. انضمام مصر يعني بالنسبة لإسرائيل خطرا فعليا على المدى البعيد، بسبب الحدود الطويلة والجيش الكبير ومكانة مصر الإقليمية والعربية. انضمامها يعني نشوء قوّة جذب لباقي الدول العربية، ويعني فعلا تبلور قطب إقليمي ثالث مستقل، يقلب موازين القوى في المنطقة ويشكل تحديا استراتيجيا لمستقبل الأمن القومي الإسرائيلي.
التحالف الجديد له طابع دفاعي واضح، وامتحانه الكبير هو الاستقلالية عن الولايات المتحدة والانفتاح على ضم دول إضافية تلتزم بحفظ الأمن والاستقرار، ومنع نشوب حروب قذرة ومدمّرة أخرى. هذا التحالف يستطيع إذا استمر في التطوّر أن يفتح حوارا بناء مع إيران شرط احترام سيادتها واحترامها هي لسيادة الآخرين. وقد يكون له دور مهم في مساندة الشعب الفلسطيني والضغط لتحقيق العدالة والسلم الحقيقي في الأراضي المقدسة، في فلسطين.

عن القدس العربي