خط أنابيب إسرائيلي–خليجي لتجاوز هرمز وباب المندب.. مشروع يعيد رسم خريطة الطاقة في المنطقة
العقبة الدولة الفلسطينية..
عواصم: تبحث إسرائيل ودول خليجية إمكانية إنشاء ممر بري جديد لنقل النفط من منطقة الخليج إلى البحر المتوسط عبر الأراضي الإسرائيلية، في مشروع يستهدف تقليص الاعتماد على مضيقي هرمز وباب المندب، اللذين تحولا إلى نقطتي اختناق شديدتي الخطورة أمام صادرات الطاقة، في ظل تداعيات الحرب الأمريكية–الإيرانية واستمرار هجمات الحوثيين في البحر الأحمر.
وبحسب تقرير لصحيفة تلغراف The Telegraph البريطانية، أعده جوناثان ليك ونشر في 8 أغسطس/آب 2026، يقوم التصور المطروح على إنشاء خط أنابيب بري يربط حقول النفط السعودية بالموانئ الإسرائيلية على البحر المتوسط، مستفيدًا من شبكة الأنابيب القائمة داخل إسرائيل منذ عقود.
ويأتي طرح المشروع في وقت أصبحت فيه طرق تصدير النفط والغاز الرئيسية من الخليج أكثر عرضة للمخاطر. فبعد الضربات الأمريكية–الإسرائيلية، فرضت إيران، وفق التقرير، حصارًا فعليًا على مضيق هرمز، بينما استمرت هجمات الحوثيين على الملاحة عبر باب المندب، ما دفع إلى البحث عن مسارات بديلة تستطيع تخفيف اعتماد صادرات الطاقة الخليجية على الممرات البحرية.
وتتمحور الفكرة المطروحة حول إنشاء خط أنابيب يمتد عبر الصحراء السعودية إلى ميناء إيلات، ثم ربطه بخط أنابيب “عبر إسرائيل” القائم منذ ستينيات القرن الماضي، والذي يصل إيلات على البحر الأحمر بعسقلان على البحر المتوسط.
وبذلك يصبح من الممكن، نظريًا، نقل جزء من النفط السعودي والخليجي برًا باتجاه الغرب، قبل إعادة شحنه من الساحل الإسرائيلي إلى الأسواق العالمية، متجاوزًا بذلك المرور عبر مضيق هرمز ثم باب المندب وقناة السويس للوصول إلى البحر المتوسط.
وتشير التصورات المطروحة إلى احتمال امتداد الخط الجديد من حقول النفط السعودية، وربما من ميناء ينبع تحديدًا، عبر الصحراء باتجاه الحدود الإسرائيلية، ومنها إلى شبكة الأنابيب الموجودة بالفعل بين إيلات وعسقلان.
ويظهر حماس إسرائيلي رسمي واضح تجاه المشروع. فقد قال وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين إن دول الخليج لا تريد الاعتماد على إيران أو الحوثيين في تصدير نفطها، الذي يمثل أحد أهم مصادر دخلها، معتبرًا أن أفضل مسار بديل يمكن أن يمر عبر إسرائيل.
كما أعرب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن حماسه للفكرة، وقدم المشروع باعتباره وسيلة يمكن من خلالها معالجة مشكلة الاختناقات في هرمز وباب المندب بصورة دائمة، عبر تحويل مسار صادرات النفط والغاز غربًا ونقلها برًا حتى الموانئ الإسرائيلية على البحر المتوسط.
لكن الحماس الإسرائيلي لا ينفصل عن مصالح اقتصادية واستراتيجية مباشرة لتل أبيب. فإسرائيل تفتقر إلى موارد نفطية خاصة بها، وتسعى منذ فترة إلى الاندماج بصورة أوسع في شبكات نقل الطاقة الإقليمية والاستفادة من موقعها الجغرافي بوصفها جسرًا محتملًا بين الخليج والبحر المتوسط.
وفي هذا السياق، تدور مفاوضات واتصالات غير معلنة خلف الكواليس بين إسرائيل وعدد من دول الخليج بشأن المشروع، إلا أنها لم تصل حتى الآن إلى مرحلة الاتفاق على خطط تنفيذ رسمية.
وتبقى السعودية العنصر الأكثر أهمية والأكثر تعقيدًا في المعادلة. فنجاح المشروع يتطلب عمليًا تعاونًا سعوديًا–إسرائيليًا مباشرًا في مجال بالغ الحساسية والأهمية الاستراتيجية، في وقت لا توجد فيه علاقات دبلوماسية رسمية بين البلدين.
وتتمثل العقبة السياسية الأساسية في استمرار الرياض في ربط تطبيع العلاقات مع إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية مستقلة، وهو مطلب لا تقبله الحكومة الإسرائيلية الحالية. كما أن الحرب في غزة وموقف السعودية منها يزيدان صعوبة الانتقال من اتصالات غير معلنة إلى شراكة استراتيجية معلنة بهذا الحجم.
ويشير التقرير في هذا السياق إلى المواقف السعودية الحادة تجاه العمليات الإسرائيلية في غزة، بما فيها اتهامات ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لإسرائيل بارتكاب “إبادة جماعية” في القطاع، وهو ما يعكس حجم الفجوة السياسية التي ينبغي تجاوزها قبل إمكان إقامة تعاون سعودي–إسرائيلي معلن في مشروع بنية تحتية استراتيجي.
ومع ذلك، تتداخل قضية خط الأنابيب مع مسار سياسي أوسع يتعلق بالعلاقات بين واشنطن والرياض وتل أبيب. ويربط التقرير بين هذه الديناميكية وصفقة نووية مدنية أمريكية–سعودية وُقعت لمدة 30 عامًا في الشهر السابق، قبل أن يعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ربط الاتفاق بتطبيع العلاقات السعودية–الإسرائيلية.
ومن شأن هذا الربط أن يزيد الضغوط السياسية على الرياض، ويفتح الباب أمام احتمال استخدام ملفات التعاون الاستراتيجي السعودي–الأمريكي باعتبارها جزءًا من حزمة أوسع يمكن أن تشمل في نهاية المطاف تطبيع العلاقات مع إسرائيل، الأمر الذي سيزيل إحدى أكبر العقبات أمام تنفيذ مشروع خط الأنابيب.
لكن حتى إذا أمكن تجاوز العقبات الدبلوماسية، فإن قدرة المشروع على حل أزمة نقل الطاقة تبقى موضع شك لدى خبراء القطاع.
ففي مقابل الخطاب الإسرائيلي الذي يقدم خط الأنابيب باعتباره حلًا جذريًا لمشكلة هرمز وباب المندب، ترى خبيرة الطاقة كلير يونغمان من شركة Vortexa أن خطوط الأنابيب البديلة يمكن أن تعمل باعتبارها “صمام ضغط” في أوقات الأزمات، لكنها لا تستطيع أن تصبح بديلًا كاملًا عن حركة الشحن البحري عبر المضائق.
وتكشف الأرقام حجم المشكلة. فقد تراجعت تدفقات النفط عبر مضيق هرمز بنحو 90 في المئة خلال مايو/أيار قبل أن تتعافى جزئيًا في يوليو/تموز، في حين لا تستطيع خطوط الأنابيب البديلة الموجودة حاليًا تغطية سوى أقل من نصف الفجوة الناتجة عن تعطل التدفقات عبر المضيق.
وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما يتعلق الأمر بالغاز، إذ تكاد خطوط الأنابيب البديلة الحالية لا توفر قدرة حقيقية على تعويض الكميات التي تمر عبر طرق التصدير البحرية. ولذلك فإن إنشاء ممر بري جديد قد يخفف الضغط عن منظومة النقل البحرية، لكنه لن يلغي الحاجة إلى مضيق هرمز أو غيره من الممرات البحرية الاستراتيجية.
ولا تقتصر التحديات على القدرة الاستيعابية للأنابيب. فالأحداث الأخيرة أظهرت أن البنية التحتية البرية والموانئ نفسها ليست بمنأى عن التهديدات العسكرية.
فقد تعرضت محطتا إيلات وعسقلان لهجمات بصواريخ وطائرات مسيرة من إيران والحوثيين، واضطر ميناء إيلات إلى الإغلاق مؤقتًا خلال العام الماضي، كما انخفضت تدفقات الأنابيب القائمة إلى مستويات تقترب من الصفر.
وتضع هذه التجربة علامات استفهام حول الافتراض القائل إن نقل صادرات الطاقة من البحر إلى البر سيؤدي تلقائيًا إلى زيادة أمنها. فالخطوط والمنشآت ومحطات الضخ والموانئ المرتبطة بها يمكن بدورها أن تتحول إلى أهداف عسكرية خلال أي مواجهة إقليمية.
ويحذر مايكل كارولان من Argus Media من أن بناء المزيد من خطوط الأنابيب قد يؤدي عمليًا إلى إنشاء أهداف عسكرية إضافية، بدلًا من تقديم حل نهائي لمشكلة أمن صادرات الطاقة.
وهنا تبرز المفارقة الأساسية في المشروع: فالممر البري المقترح يستهدف تقليل تعرض صادرات الخليج للمخاطر الإيرانية والحوثية في هرمز وباب المندب، لكنه قد ينقل جزءًا من هذه المخاطر من الممرات البحرية إلى شبكة طويلة وثابتة من البنى التحتية البرية التي يصعب إخفاؤها أو حمايتها بصورة كاملة.
كما أن المشروع لا يستطيع، حتى في أفضل السيناريوهات، استيعاب كامل كميات النفط والغاز التي تمر عبر الممرات البحرية. ولذلك ينظر إليه خبراء الطاقة باعتباره مسارًا تكميليًا يمكن أن يمنح دول الخليج قدرًا أكبر من المرونة في أوقات الأزمات، وليس بديلًا كاملًا عن منظومة التصدير الحالية.
وفي المقابل، يحمل المشروع بالنسبة إلى إسرائيل أبعادًا تتجاوز مسألة أمن الطاقة. فتحويل الأراضي الإسرائيلية إلى ممر رئيسي لصادرات النفط الخليجية باتجاه البحر المتوسط سيمنح تل أبيب موقعًا جديدًا داخل بنية الطاقة الإقليمية، ويجعلها جزءًا من سلسلة الإمدادات التي تربط دول الخليج بالأسواق الغربية.
ومن شأن ذلك، إذا تحقق، أن يمنح التعاون الاقتصادي والبنية التحتية بين إسرائيل ودول الخليج بعدًا استراتيجيًا طويل الأمد، وأن يحول شبكة الأنابيب الإسرائيلية من بنية وطنية إلى مكون في شبكة إقليمية أوسع لنقل الطاقة.
لكن الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب أولًا تجاوز عقبة سياسية كبرى تتمثل في العلاقات السعودية–الإسرائيلية. فدون تغيير في العلاقة بين الرياض وتل أبيب، يصعب تصور إنشاء خط استراتيجي يعبر الأراضي السعودية ويرتبط مباشرة بالبنية التحتية الإسرائيلية.
ولهذا فإن مستقبل المشروع قد يرتبط بدرجة كبيرة بمستقبل مسار التطبيع السعودي–الإسرائيلي وبقدرة الولايات المتحدة على التوصل إلى ترتيبات تجمع بين المصالح الأمنية والاقتصادية والنووية السعودية وبين أهداف واشنطن المتعلقة بإعادة تشكيل العلاقات الإقليمية.
وفي الوقت نفسه، فإن التطورات الأمنية في هرمز وباب المندب تمنح المشروع زخمًا لم يكن متاحًا في السابق. فكلما ازدادت المخاطر التي تواجه ناقلات النفط والغاز في الممرات البحرية، ارتفعت القيمة الاستراتيجية لأي طريق بديل يستطيع نقل جزء من صادرات الخليج بعيدًا عن نقاط الاختناق التقليدية.
وبذلك لا يمثل خط الأنابيب المقترح مجرد مشروع لنقل النفط، بل يعكس محاولة أوسع لإعادة رسم جغرافيا الطاقة في الشرق الأوسط بعد أن كشفت الحرب والاضطرابات البحرية حجم هشاشة الاعتماد على عدد محدود من المضائق الاستراتيجية.
غير أن المسافة بين الفكرة والتنفيذ لا تزال كبيرة. فالمشروع يواجه في الوقت نفسه عقبات سياسية تتعلق بالعلاقات السعودية–الإسرائيلية، وتحديات تقنية مرتبطة بالقدرة الاستيعابية للأنابيب، ومخاطر أمنية ناجمة عن سهولة استهداف البنية التحتية الثابتة.
وفي المحصلة، يمكن لخط أنابيب يربط السعودية بإيلات ومنها إلى عسقلان أن يوفر مسارًا إضافيًا لصادرات النفط الخليجية وأن يقلل جزئيًا من الاعتماد على هرمز وباب المندب، لكنه لا يستطيع وحده إنهاء أزمة أمن الطاقة في المنطقة. فالممرات البحرية ستظل ضرورية، بينما سيبقى أي ممر بري جديد معرضًا للمخاطر العسكرية نفسها التي دفعت إلى البحث عنه أساسًا.
ومع ذلك، فإن مجرد طرح المشروع ومناقشته بين إسرائيل ودول خليجية يكشف حجم التحولات التي أحدثتها المواجهة الإقليمية في حسابات أمن الطاقة، ويشير إلى أن البحث عن طرق بديلة لهرمز وباب المندب لم يعد مسألة اقتصادية أو لوجستية فحسب، بل أصبح جزءًا من إعادة تشكيل أوسع للتحالفات والبنية الاستراتيجية للشرق الأوسط.