الأمين العام المقبل للأمم المتحدة.. اختبار لاستقلال الدبلوماسية في نظام دولي مضطرب
نيويورك: تدخل عملية اختيار الأمين العام المقبل للأمم المتحدة مرحلة حاسمة، في وقت يتجاوز فيه الرهان هوية الشخص الذي سيخلف أنطونيو غوتيريش إلى سؤال أكثر أهمية يتعلق بمستقبل المنظمة نفسها: هل ما زالت القوى الكبرى مستعدة لمنح الأمين العام مساحة كافية لممارسة دبلوماسية مستقلة، أم أن احتدام التنافس الدولي سيجعل المنصب أكثر خضوعًا لحسابات واشنطن وبكين وموسكو؟
هذه هي الفكرة المركزية التي يطرحها مارتن فيليش، الدبلوماسي الأممي السابق والأستاذ المشارك للعلاقات الدولية في جامعة برمنغهام، في مقال تحليلي نشرته مجلة World Politics Review في 11 أغسطس 2026، وتناول فيه سباق خلافة غوتيريش وما يكشفه عن التحولات الأوسع في النظام الدولي. وقد عمل فيليش سابقًا داخل الأمانة العامة للأمم المتحدة في عهدي بان كي مون وأنطونيو غوتيريش، وهو ما يستند إليه في تقييمه لطبيعة السلطة الفعلية التي يستطيع الأمين العام ممارستها.
سباق يتجاوز أسماء المرشحين
تنتهي الولاية الثانية والأخيرة لغوتيريش في 31 ديسمبر 2026، فيما بدأ مجلس الأمن بالفعل جولات التصويت الاستطلاعية السرية الرامية إلى بلورة توافق حول خليفته. وبرزت في المرحلة المبكرة من السباق ريبيكا غرينسبان، الأمينة العامة لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد» ونائبة رئيس كوستاريكا السابقة، باعتبارها إحدى المرشحات المتقدمات، من دون أن يعني ذلك أن النتيجة النهائية قد حُسمت.
لكن فيليش يرى أن أهمية السباق لا تكمن أساسًا في المفاضلة بين المرشحين أو في خصائصهم الشخصية والمهنية، بقدر ما تكمن في اختبار الحدود التي ترغب القوى الكبرى في رسمها للأمين العام المقبل. فالاختيار سيقدم، بحسب تحليله، مؤشرًا على مدى استعداد الولايات المتحدة والصين وروسيا للقبول بوجود قيادة أممية تمتلك هامشًا من الاستقلال الدبلوماسي، بدل أن تتحول الأمانة العامة إلى مجرد انعكاس لموازين القوى داخل مجلس الأمن.
سلطة لا يمنحها الميثاق وحده
يستند فيليش إلى تجربته داخل الأمانة العامة ليطرح تصورًا لطبيعة قوة الأمين العام. فالنفوذ السياسي للمنصب، في رأيه، لا ينشأ تلقائيًا من الصلاحيات القانونية المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، وإنما يُبنى تدريجيًا من خلال قدرة شاغل المنصب على اكتساب ثقة الحكومات وإقناعها باللجوء إليه عندما تصل الدبلوماسية التقليدية إلى طريق مسدود.
وبهذا المعنى، لا تكفي النصوص القانونية لصناعة أمين عام مؤثر. فالمساحة السياسية المتاحة أمامه تعتمد على علاقة معقدة بين شخصيته وقدرته على المبادرة من جهة، واستعداد الدول الأعضاء، ولا سيما القوى الكبرى، للسماح له باستخدام منصبه وسيطًا وقناة اتصال مستقلة من جهة أخرى.
وهنا يصبح اختيار خليفة غوتيريش اختبارًا للنظام الدولي بقدر ما هو عملية لاختيار مسؤول دولي. فالسؤال ليس فقط من سيجلس في مكتب الأمين العام، وإنما ما إذا كانت البيئة الدولية الحالية تسمح أصلًا بظهور أمين عام قادر على التحرك خارج الحدود الضيقة التي ترسمها مصالح الدول الكبرى.
واشنطن وبكين وموسكو.. ثلاث رؤى مختلفة
يضع المقال مستقبل المنصب في سياق التباين المتزايد في نظرة القوى الكبرى إلى الأمم المتحدة.
فالولايات المتحدة، رغم استمرارها في الاستفادة من الشرعية الدولية التي توفرها المنظمة للعمل الجماعي، أصبحت وفق قراءة فيليش أكثر تشككًا في تعددية الأطراف، بل وأكثر عدائية تجاه بعض مؤسساتها وآلياتها.
في المقابل، تنظر الصين إلى الأمم المتحدة باعتبارها ساحة مهمة للمشاركة في إعادة تشكيل قواعد الحوكمة العالمية، إلى جانب استخدامها لتعزيز علاقاتها السياسية والدبلوماسية مع دول الجنوب العالمي.
أما روسيا فتتمسك بمجلس الأمن لسبب مختلف؛ إذ يمثل المجلس أحد الأطر الدولية القليلة التي ما زالت موسكو تتمتع داخلها بمكانة رسمية متكافئة مع الولايات المتحدة والصين وبقية الأعضاء الدائمين، بما في ذلك حق النقض «الفيتو».
هذا الاختلاف في دوافع القوى الثلاث لا يعني غياب المصلحة المشتركة في استمرار الأمم المتحدة، لكنه يجعل السؤال الأساسي متعلقًا بنوع المنظمة التي تريدها تلك القوى، وبمقدار الاستقلال الذي يمكن أن تقبل به للأمين العام عندما تتعارض مبادراته مع حساباتها المباشرة.
إدارة الأزمات لا إدارة المنظمة
يقدم فيليش معيارًا مختلفًا للحكم على نجاح الأمين العام المقبل. فالإرث الحقيقي للأمناء العامين، بحسب رؤيته، لا يُقاس أساسًا بقدرتهم على إعادة هيكلة الجهاز البيروقراطي أو تنفيذ الإصلاحات الإدارية الداخلية، على أهميتها، وإنما بما يفعلونه عندما تنفجر الأزمات وتتوقف الحكومات عن الحديث بعضها مع بعض.
في تلك اللحظات تحديدًا تظهر القيمة السياسية للمنصب: إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، توفير مساحة للوساطة، منع انهيار الحوار بصورة كاملة، ومحاولة إيجاد مخرج دبلوماسي عندما تعجز الأطراف المتصارعة عن التواصل المباشر.
وتنطوي هذه الوظيفة بالضرورة على قدر من المخاطرة السياسية. فالأمين العام الذي يسعى إلى ممارسة استقلالية حقيقية لا يستطيع إرضاء جميع الأطراف طوال الوقت، بل إن فعاليته قد تتطلب في لحظة ما اتخاذ موقف أو طرح تحذير لا ترغب إحدى القوى الكبرى في سماعه.
اختبار لمستقبل النظام الدولي
من هذه الزاوية، لا يقدم سباق خلافة غوتيريش مجرد مؤشر على مستقبل قيادة الأمم المتحدة، وإنما يعكس سؤالًا أوسع عن طبيعة النظام الدولي الذي يتشكل في ظل تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى.
فالمنظمة الدولية تأسست على مفارقة مستمرة: تحتاج إلى القوى الكبرى كي تعمل، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى قدر من الاستقلال عنها كي تؤدي وظيفة تتجاوز كونها منتدى لتسجيل مواقف تلك القوى. وكلما تقلص هذا الهامش، أصبحت قدرة الأمين العام على الوساطة وإدارة الأزمات أكثر محدودية.
لذلك، فإن اختيار الأمين العام المقبل لن يرسم بمفرده ملامح النظام الدولي الجديد، لكنه قد يقدم واحدًا من أوضح المؤشرات على اتجاهه. فإذا قبلت القوى الكبرى بشخصية قادرة على بناء مساحة سياسية مستقلة وممارسة الوساطة حتى عندما تكون رسائلها غير مريحة، فإن ذلك سيشير إلى استمرار الاعتراف بالحاجة إلى دبلوماسية أممية تتجاوز التنافس بينها.
أما إذا انصبّ التوافق على تقليص هامش حركة الأمين العام وتجنب أي شخصية يمكن أن تمارس استقلالية سياسية حقيقية، فسيكون الاختيار انعكاسًا لنظام دولي تتحول فيه الأمم المتحدة تدريجيًا من فاعل دبلوماسي إلى ساحة أخرى من ساحات صراع القوى الكبرى.
وفي المحصلة، يرى فيليش أن المسألة التي سيكشف عنها اختيار خليفة غوتيريش ليست قدرة شخص واحد على إعادة تشكيل النظام الدولي، وإنما ما إذا كانت القوى التي تقود ذلك النظام لا تزال ترى قيمة في وجود صوت دبلوماسي مستقل يستطيع الوساطة بينها، والحفاظ على الحوار عندما تنقطع قنواته، وتحذيرها ـ عند الضرورة ـ مما قد لا ترغب في سماعه.