مقالات

الانتخابات القادمة في سياق التحالفات.. دحلان وحماس على قائمة واحدة

الانتخابات القادمة في سياق التحالفات.. دحلان وحماس على قائمة واحدة

«في السياسة لا تبقى الخصومات أبدية، ولا تكون التحالفات مستحيلة؛ فحين تتعرض القضية الوطنية للخطر، تصبح الشراكة ضرورة، ويغدو الاحتكام إلى الشعب أقصر الطرق لاستعادة البوصلة.»
تعود العلاقة بين حركة حماس والنائب محمد دحلان إلى عقود اتسمت بالتنافس والخصومة والصدام، قبل أن تنتقل، بفعل التحولات السياسية وتعقيدات المشهد الفلسطيني، إلى مرحلة مختلفة من الحوار والانفتاح والتفاهم على مساحات واسعة من العمل المشترك. واليوم، مع عودة الحديث عن الانتخابات الفلسطينية، تبدو إمكانية قيام تحالف انتخابي بين حماس والتيار الإصلاحي الديمقراطي في حركة فتح، الذي يقوده دحلان، واحدة من أكثر الفرضيات إثارة للاهتمام في المشهد السياسي القادم.
من الخصومة إلى الانفتاح
لم تكن العلاقة بين دحلان وحماس سهلة، وخصوصًا في السنوات التي سبقت الانتخابات التشريعية عام 2006 وما أعقبها. فقد كان دحلان أحد أبرز قيادات حركة فتح في قطاع غزة، فيما كانت حماس تمثل القوة المنافسة الصاعدة، وتراكمت بين الطرفين ملفات من الخلاف السياسي والأمني وصلت إلى ذروتها بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية وتشكيلها الحكومة، ثم أحداث الانقسام المؤسفة في قطاع غزة عام 2007.
ولسنوات طويلة، بدا أن الهوة بين الجانبين أعمق من أن تسمح بإعادة بناء علاقة سياسية طبيعية. لكن السياسة الفلسطينية، بما فيها من تعقيدات وتحولات، أثبتت مرة أخرى أن الخصومات ليست قدرًا دائمًا، وأن المصالح الوطنية الكبرى قادرة، إذا توافرت الإرادة، على فتح أبواب كانت تبدو موصدة.
وجاء التحول الأبرز عام 2017، في عهد الشهيد يحيى السنوار، الذي أظهر قدرًا من البراغماتية السياسية والاستعداد لفتح قنوات مع خصوم الأمس عندما تكون هناك مصلحة وطنية أو حاجة إنسانية لأهل غزة. ومن هنا بدأت لقاءات وتفاهمات بين حماس ودحلان وتياره الإصلاحي، كان من أبرز نتائجها تخفيف حدة الخصومة والبحث عن مساحات للعمل المشترك، ولا سيما في الملفات الاجتماعية والإنسانية والمصالحة المجتمعية.
وكان من الجوانب المهمة في هذا الانفتاح ما يتعلق بالعلاقة مع مصر. فمحمد دحلان يمتلك علاقات استراتيجية ومتميزة مع القيادة المصرية، وقد أسهمت هذه العلاقات في توفير قنوات ساعدت على تحسين التواصل بين القاهرة وحماس، في مرحلة كانت غزة بأمسّ الحاجة فيها إلى إعادة ترتيب علاقتها مع مصر. وقد أدرك السنوار أهمية البوابة المصرية بالنسبة إلى قطاع غزة، أمنيًا وسياسيًا وإنسانيًا، كما أدرك دحلان أن استقرار غزة لا يمكن تحقيقه من خلال استمرار القطيعة والصدام.
وهكذا انتقلت العلاقة تدريجيًا من مربع الخصومة إلى مساحة الحوار والتفاهم، ثم إلى أشكال متعددة من التعاون.
معرفة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود
ولعل حديثي عن محمد دحلان لا يأتي من متابعة سياسية عن بُعد، وإنما من معرفة طويلة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، مرّت بمراحل من التقارب والاختلاف والخصومة السياسية، لكنها لم تحجب عني يومًا حقيقة أنني عرفت فيه شخصية وطنية تضع فلسطين فوق الجميع.
وقد دفعتني هذه المعرفة الممتدة، بما حملته من محطات وتجارب وشهادات، إلى أن أضع كتابًا عنه بعنوان: «رغم الخصومة.. دحلان كما عرفته»، صدر حديثًا عن مكتبة سمير منصور. وقد حرصت في هذا الكتاب على أن أقدم شهادتي كما عشتها، بعيدًا عن الأحكام المسبقة وحسابات الخصومة، وأن أقرأ شخصية دحلان ومسيرته وتحولاتها من واقع المعرفة المباشرة.
ومن هنا، فإن تقديري لإمكان قيام تحالف بين تياره الإصلاحي وحركة حماس لا ينطلق من أمنية سياسية مجردة، بل من معرفتي الطويلة بالرجل، وبقدرته على تجاوز خلافات الماضي عندما تقتضي المصلحة الوطنية ذلك، ومن معرفتي كذلك بحماس وقياداتها وقاعدتها الشعبية، وما طرأ على تفكيرها السياسي من تحولات فرضتها سنوات التجربة والحرب والانقسام.
حرب غزة وتقدم العلاقة
خلال حرب الإبادة على قطاع غزة، اكتسبت العلاقة بين حماس والتيار الإصلاحي أبعادًا جديدة. فالتيار الذي يقوده دحلان كان حاضرًا ميدانيًا في العديد من الجهود الإنسانية والإغاثية، وبرز دوره بصورة واضحة في إطار عملية «الفارس الشهم» الإماراتية، وما ارتبط بها من مساعدات وإسناد للنازحين والمحتاجين في ظروف إنسانية بالغة القسوة.
وقد منحت هذه التحركات التيار الإصلاحي حضورًا ملحوظًا في الشارع الغزي، فيما خرجت حماس من الحرب مثخنة بالجراح، وقد فقدت الكثير من قياداتها وكوادرها، لكنها، رغم ذلك، ما تزال تحتفظ بقاعدة شعبية وتنظيمية لا يمكن تجاهلها عند الحديث عن أية انتخابات أو ترتيبات سياسية قادمة.
ومن معرفتي بالطرفين، دحلان وتياره الإصلاحي من جهة، وحماس وقاعدتها الشعبية من جهة أخرى، فإن مستوى التواصل بينهما اليوم متقدم، وهناك نقاشات وأفكار تبعث على التفاؤل بإمكانية الانتقال من التفاهم السياسي إلى صيغة تحالف انتخابي أوسع.
ولا ينبغي فهم هذا التحالف، إن تحقق، بوصفه تحالفًا أيديولوجيًا؛ فالاختلافات بين الطرفين معروفة. ولكنه يمكن أن يكون تحالفًا سياسيًا يقوم على برنامج الحد الأدنى الوطني: الشراكة، وإعادة بناء المؤسسات، ورفض التفرد بالقرار، وإفساح المجال أمام القوى الفلسطينية المختلفة للمشاركة في تحديد مستقبل النظام السياسي.
لماذا تحالف دحلان وحماس؟
المشكلة الفلسطينية اليوم ليست فقط في الاختلاف بين فتح وحماس، وإنما في حالة التكلس التي أصابت النظام السياسي، وغياب التداول الديمقراطي للسلطة، وتراجع دور المؤسسات لصالح مركزية القرار.
وهناك مخاوف لدى قطاعات فلسطينية من أن يجري تصميم العملية الانتخابية وشروطها بطريقة تحد من قدرة الخصوم السياسيين على المنافسة الفعلية، وخصوصًا حماس والتيار الإصلاحي. ومن هنا تكتسب فكرة القائمة المشتركة، أو التحالف الانتخابي الواسع، أهميتها؛ لأنها قد تمنع تفتيت الأصوات، وتخلق كتلة سياسية قادرة على المنافسة، وتدفع باتجاه إعادة التوازن إلى المؤسسات الفلسطينية.
ومع التشكيك في إمكانية نجاح الانتخابات بالشكل والشروط المطروحة، فإن هناك قناعة متزايدة بأن حماس، رغم ما أصابها خلال الحرب، ما تزال رقمًا سياسيًا وشعبيًا لا يمكن تجاوزه. وفي الوقت نفسه، أثبت التيار الإصلاحي بقيادة دحلان حيوية سياسية وحضورًا ميدانيًا لافتًا، الأمر الذي يجعل التقاء القوتين، إلى جانب أطراف وطنية أخرى، احتمالًا ينبغي أخذه بجدية.
لقد قالت حماس كلمتها فيما يتعلق بالمشهد السياسي، وأبدت استعدادها للمشاركة في الانتخابات ضمن تحالف واسع مع الآخرين، في سياق وطني جامع عنوانه التوافق والشراكة، وفي إطار القواسم التي تجمع ولا تفرق.
فالانتخابات المطلوبة ليست معركة لاستبدال تفرد بتفرد آخر، وإنما فرصة لإعادة تأسيس النظام السياسي على قاعدة التعددية والشراكة.
السلطة والحرب.. سؤال الحضور والغياب
من المؤسف أن السلطة الفلسطينية لم تستطع خلال حرب الإبادة أن تقدم حضورًا ميدانيًا وسياسيًا يوازي حجم الكارثة التي تعرض لها قطاع غزة. وقد شعر كثير من أبناء القطاع بأن السلطة بقيت بعيدة عن معاناتهم اليومية، فيما انشغل خطاب بعض قياداتها بتحميل حماس مسؤولية ما جرى بعد السابع من أكتوبر، من دون إعطاء الاهتمام الكافي للسياق الأوسع للصراع، ولما كانت تخطط له إسرائيل من توسيع الاستيطان، وفرض الوقائع في الضفة والقدس، ومحاولات التهجير، والمس بالمسجد الأقصى، والجري وراء أوهام «إسرائيل الكبرى».
وكان المطلوب، في مواجهة حرب بهذا الحجم، خطابًا فلسطينيًا جامعًا، يضع الخلافات الداخلية جانبًا ويتصدى للمشروع الإسرائيلي بوصفه خطرًا على الجميع.
ولهذا، فإن الانتخابات القادمة، إذا جرت فعلًا، ينبغي ألا تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الواقع القائم، وإنما إلى مسطرة قياس حقيقية لاتجاهات الشارع الفلسطيني، وفرصة لإعادة الاعتبار لإرادة الناس في اختيار من يمثلهم.
الرئاسة أولًا
لقد سبق أن طرحت، مع آخرين، أن تكون البداية بالانتخابات الرئاسية، لأنها الأكثر إلحاحًا في هذه المرحلة. فالفلسطينيون بحاجة إلى تجديد شرعية مؤسساتهم، وإلى قيادة وطنية نظيفة وقادرة على الوقوف على مسافة مسؤولة من الجميع، ومواجهة الفساد والمحسوبية، والحفاظ على استقلال القرار الفلسطيني، والتصدي للسياسات الإسرائيلية التي سعت عبر سنوات إلى إضعاف السلطة وتحويل وظيفتها تدريجيًا من مشروع للتحرر الوطني إلى إدارة محدودة تحت سقف الاحتلال.
ومع تحفظي على الظروف التي يمكن أن تجري فيها الانتخابات، وعلى قدرة العملية الانتخابية، في ظل الاحتلال والانقسام والدمار الهائل الذي لحق بقطاع غزة، على توفير شروط المنافسة العادلة، فإن الاحتكام إلى الشعب يبقى المخرج الأكثر شرعية من حالة الانسداد.
لكن الخشية تبقى قائمة من أن يجري تعديل الانتخابات أو تأجيلها إذا أظهرت استطلاعات الرأي أن نتائجها قد تسير في اتجاه مخالف لما تريده القيادة الحالية. ولدينا في التجربة الفلسطينية سوابق تجعل هذه المخاوف مشروعة، وفي مقدمتها تأجيل الانتخابات التي كان مقررًا إجراؤها عام 2021.
اختبار الشراكة
إذا قررت حماس والتيار الإصلاحي خوض الانتخابات ضمن قائمة واحدة أو تحالف سياسي واسع، فإن ذلك سيشكل تحولًا مهمًا في بنية التحالفات الفلسطينية. وسيكون الاختبار الحقيقي لهذا التحالف هو قدرته على تقديم برنامج سياسي وطني مقنع، وليس مجرد الاجتماع على مواجهة خصم انتخابي.
المطلوب برنامج يعيد الاعتبار لمنظمة التحرير ومؤسساتها على أسس ديمقراطية، ويكرس الشراكة الوطنية، ويحارب الفساد والمحسوبية، ويعيد بناء غزة، ويحمي حقوق أهلها، ويحافظ على استقلالية القرار الوطني، ويعيد القضية الفلسطينية إلى موقعها الطبيعي بوصفها قضية تحرر وطني.
ولا شك أن خصوم هذا التقارب سيراهنون على التناقضات القديمة لإفشاله، وسيعملون على استدعاء ذاكرة الصدام بين دحلان وحماس. لكن السياسة لا تُبنى على تجميد التاريخ، وإنما على استخلاص دروسه والاستجابة لمتطلبات الحاضر.
لقد دفع الشعب الفلسطيني ثمنًا باهظًا للصراع الداخلي والانقسام، وربما تكون إحدى أهم خلاصات هذه التجربة أن الوطن أكبر من التنظيم، وأن الشراكة، مهما كانت صعبة، تبقى أقل كلفة من الاستفراد والإقصاء.
كفاية للتفرد
أتمنى أن تكون الانتخابات القادمة، رغم تحفظاتي على ظروف إجرائها، فرصة يقول فيها الشعب الفلسطيني كلمته بحرية: كفاية للتفرد، وكفاية لتحويل المؤسسات الوطنية إلى أدوات حزبية، وكفاية لإدارة السياسة الفلسطينية بمنطق «ما أريكم إلا ما أرى».
إن تحالفًا انتخابيًا بين دحلان وحماس، إذا قام على برنامج وطني جامع وانفتح على الآخرين، يمكن أن يكون أكثر من مجرد قائمة انتخابية؛ يمكن أن يصبح مؤشرًا على نضج جديد في السياسة الفلسطينية، تتجاوز فيه القوى الرئيسية مرارات الماضي لمواجهة أخطار الحاضر.
فالمرحلة القادمة لا تحتمل العودة إلى معارك الأمس، ولا تسمح لأي فصيل أو شخص بالاستفراد بالمشهد. فلسطين بحاجة إلى قيادة جماعية، وإلى مؤسسات منتخبة، وإلى شراكة تعترف بالجميع وتحترم إرادة الناس.
وإذا جرت الانتخابات، وكان تحالف دحلان وحماس جزءًا من تحالف وطني أوسع، فإن صندوق الاقتراع سيكون الحكم. وعندها قد تكون النتيجة بداية لاستعادة البوصلة الفلسطينية لمرجعيتها الوطنية، وفتح الطريق أمام عهد سياسي جديد عنوانه:
لا تفرد بعد اليوم، ولا شرعية تعلو على شرعية الشعب.