مقالات

الإتفاق حين يتحول من إدارة الصراع إلى إعادة بناء المجال الوطني

الإتفاق حين يتحول من إدارة الصراع إلى إعادة بناء المجال الوطني

في اللحظات التاريخية الكبرى لا تقاس الاتفاقات بعدد البنود التي تتضمنها وإنما بالبنية الفكرية التي تؤسس لها فالسياسة في جوهرها ليست إدارة للأزمات بقدر ما هي إعادة تشكيل للمجال السياسي الذي يتحرك فيه المجتمع وإذا كان المشروع الصهيوني قد سعى منذ عقود إلى تفكيك المجال الفلسطيني وتحويل الفلسطيني إلى مجرد فرد يبحث عن البقاء فإن أي اتفاق يعيد الاعتبار للإرادة الوطنية الجامعة يصبح جزءا من معركة الوجود وليس مجرد وثيقة سياسية.

ومن هذه الزاوية فإن الاتفاق المرتقب لا ينبغي قراءته باعتباره اتفاقا لفصيل مع قوة احتلال وإنما باعتباره محاولة لإعادة تعريف المصلحة الوطنية الفلسطينية في لحظة بلغت فيها الحرب حدودها القصوى ولم يعد ممكنا استمرار الاستنزاف المفتوح دون أفق سياسي واضح فالمصلحة الوطنية ليست شعارا أخلاقيا وإنما مفهوم سياسي يعيد ترتيب الأولويات ويقدم بقاء المجتمع الفلسطيني على أي اعتبارات أخرى.

وأول ما يلفت الانتباه في الاتفاق أنه يسعى إلى إنتاج إجماع وطني يتجاوز الانقسام التقليدي بين الفصائل فالاحتلال طالما استثمر في تقديم كل استحقاق سياسي باعتباره اتفاقا مع طرف فلسطيني دون غيره لأن ذلك يسمح له بإعادة إنتاج الانقسام وإضعاف الشرعية الوطنية أما حين يصبح الاتفاق محل توافق وطني فإن الاحتلال يفقد واحدة من أهم أدواته في تفتيت البنية الفلسطينية ولذلك فإن صدور مواقف مستقلة عن القوى والفصائل المختلفة لا يمثل مجرد تفصيل إعلامي بل هو جزء من معركة تثبيت الشرعية الوطنية للاتفاق أمام الداخل والخارج.

ولا يقل أهمية عن ذلك المشهد الشعبي الذي سيرافق الإعلان عن الاتفاق فالصورة ليست مجرد انعكاس للواقع وإنما هي جزء من صناعة الواقع نفسه إذ إن فرحة الناس بعد شهور طويلة من القتل والتجويع والنزوح تحمل رسالة سياسية تتجاوز بعدها الإنساني فهي تؤكد أن المجتمع الفلسطيني ما زال يمتلك طاقة الحياة وأنه يبحث عن أفق للخروج من دائرة الإبادة وهو ما يعيد توجيه الرأي العام العالمي نحو حقيقة أن الفلسطيني لا يرفض السلام وإنما يرفض الاستسلام.

وفي الجانب الأمني تبدو اللغة المستخدمة في الاتفاق ذات دلالة عميقة لأن المصطلحات ليست حيادية وإنما تعكس ميزان القوى والرؤية السياسية فالحديث يدور حول السلاح الثقيل وليس حول السلاح بصورة مطلقة كما أن النص لا يستخدم تعبير تسليم السلاح وإنما يعتمد مفهوم حصر السلاح الثقيل وتخزينه وهذا الفارق ليس لغويا بل يعكس انتقال النقاش من مفهوم التجريد الكامل إلى مفهوم التنظيم المؤقت ضمن ترتيبات وطنية متفق عليها.

وتزداد هذه الدلالة وضوحا عندما ينص الاتفاق على أن الجهة المشرفة على عملية التخزين هي جهة وطنية فلسطينية بما ينفي أي تصور يتعلق بنقل أدوات القوة الفلسطينية إلى سلطة خارجية فالمسألة هنا ليست نزع عناصر القوة من المجتمع الفلسطيني وإنما إدارتها ضمن إطار وطني يحفظ السيادة الفلسطينية ويمنع استخدامها خارج التوافق الوطني.

كما أن الاتفاق لا يبدأ من نقطة الصفر وإنما ينطلق من تجربة سابقة شهدت محاولات إسرائيلية متكررة للتنصل من الالتزامات لذلك فإنه يربط بصورة واضحة بين تنفيذ المرحلة الأولى والانتقال إلى المرحلة الثانية وهو ربط يمنع تحويل الاتفاق إلى مجرد أداة لكسب الوقت أو إعادة إنتاج سياسة المماطلة التي اعتمدتها الحكومات الإسرائيلية في محطات عديدة.

ولا يقتصر الاتفاق على معالجة النتائج الإنسانية للحرب وإنما يعيد إدراج القضية الفلسطينية في إطارها السياسي الطبيعي من خلال النص على إقامة الدولة الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وهو ما يعني أن الاتفاق لا يقدم هدنة بلا أفق وإنما يسعى إلى ربط وقف الحرب بمسار سياسي يعالج أصل الصراع وليس مظاهره فقط.

وفي ملف الإعمار يتجاوز الاتفاق منطق الإغاثة المؤقتة إلى منطق إعادة بناء المجتمع فالإعمار ليس إعادة تشييد الحجر فحسب وإنما إعادة إنتاج المجال الإنساني الذي حاولت الحرب تدميره ولذلك جاء الحديث عن مرحلتين تبدأ الأولى بالترميم العاجل وإعادة الخدمات الأساسية ثم تنتقل إلى إعادة إعمار قطاع غزة بصورة شاملة بما يعيد الحياة إلى المجتمع ويمنع تحويل الدمار إلى حالة دائمة.

كما يحتل الانسحاب الكامل من قطاع غزة موقعا مركزيا في بنية الاتفاق لأن أي وجود عسكري دائم يعني بقاء الاحتلال قادرا على إعادة إنتاج الحرب متى شاء أما الانسحاب الكامل فإنه يؤسس لمرحلة جديدة تختلف في طبيعتها عن إدارة الاحتلال المباشرة وتفتح المجال أمام ترتيبات سياسية وأمنية أكثر استقرارا.

أما القوة الدولية فإن دورها كما تحدده النصوص لا يقوم على إدارة القطاع أو الحلول محل الفلسطينيين وإنما يقتصر على الفصل بين الجانبين وضمان تنفيذ الالتزامات وهو دور يرتبط بآليات التنفيذ أكثر مما يرتبط بإنتاج سلطة بديلة أو وصاية دولية على القرار الفلسطيني.

ولعل أكثر ما يمنح الاتفاق بعده السياسي هو ما يتعلق بتشكيل اللجنة الفلسطينية لإدارة المرحلة المقبلة فهذا البند يحمل رسالة تتجاوز الجانب الإداري إذ يؤكد أن إدارة الحكم ليست هدفا في ذاتها وأن الأولوية هي لوجود إدارة فلسطينية وطنية قادرة على تحمل المسؤولية بصرف النظر عن انتمائها التنظيمي وهو ما يعزز فكرة أن المشروع الوطني أوسع من أي تنظيم وأن قوة الفاعل السياسي تقاس بقدرته على تقديم المصلحة العامة على المصلحة التنظيمية.

وعندما ننظر إلى هذه البنود مجتمعة فإننا لا نجد مجرد اتفاق لوقف الحرب وإنما محاولة لإعادة بناء المجال الوطني الفلسطيني بعد أن استهدفته آلة الحرب الإسرائيلية بصورة غير مسبوقة فالرهان الحقيقي لن يكون على توقيع الاتفاق وحده وإنما على قدرة الفلسطينيين على تحويله إلى لحظة لاستعادة وحدتهم السياسية وإعادة بناء مشروعهم الوطني على قاعدة الشراكة والإجماع وإدراك أن معركة التحرر لا تنتصر بالبندقية وحدها وإنما أيضا بوحدة المجتمع وصلابة الإرادة وحسن إدارة اللحظة التاريخية التي يصنعها الشعب قبل أن تصنعها الوثائق السياسية.

ولعل من العناصر التي تستحق التوقف عندها في هذه المرحلة ما كشف عنه سمير المشهراوي من أن محمد دحلان أجرى اتصالات مع جاريد كوشنير في إطار السعي إلى تذليل العقبات التي واجهت مسار الاتفاق وإذا صحت هذه المعطيات فإنها تعكس إدراكا بأن الصراعات الكبرى لا تحسم داخل غرف التفاوض وحدها وإنما تحتاج إلى توظيف مختلف قنوات التأثير القادرة على تقليص فجوات الخلاف ودفع الأطراف نحو نقاط الالتقاء وفي لحظة يتعرض فيها المجتمع الفلسطيني إلى محاولة تفكيك غير مسبوقة فإن أي جهد سياسي يسهم في إزالة العوائق أمام اتفاق يخفف معاناة الناس ويقود إلى وقف الحرب وإعادة الإعمار يندرج في إطار الفعل الوطني الذي ينبغي تقديره بمعيار نتائجه الوطنية لا بمنطق الاصطفافات السياسية الضيقة لأن السياسة الرشيدة هي التي تجعل من العلاقات والأدوات وسيلة لخدمة القضية الوطنية لا غاية مستقلة عنها.

وفي المقابل فإن القراءة الموضوعية لبنية الاتفاق تكشف قدرا ملحوظا من المرونة التي أبدتها حركة حماس في مقاربة ملفات كانت توصف في السابق بأنها من القضايا الأكثر حساسية إذ إن القبول بإدارة فلسطينية توافقية وعدم التمسك بإدارة الحكم والقبول بترتيبات وطنية تتعلق بالسلاح الثقيل ضمن إشراف فلسطيني إضافة إلى الانخراط في صيغة تقوم على الشراكة الوطنية كلها مؤشرات تعكس انتقالا من منطق إدارة التنظيم إلى منطق إدارة المصلحة الوطنية فالفاعلون السياسيون تقاس قيمتهم التاريخية بقدرتهم على إعادة تعريف أولوياتهم عندما تتعرض مجتمعاتهم لتهديد وجودي وحين يصبح الحفاظ على المجتمع مقدما على الحفاظ على مواقع السلطة فإن ذلك يمثل تعبيرا عن نضج سياسي يضع بقاء القضية الفلسطينية واستمرار المشروع الوطني فوق الاعتبارات الفصائلية ويؤسس لمرحلة يكون فيها التوافق الوطني أحد أهم عناصر القوة في مواجهة المشروع الاستعماري الصهيوني.