أخبار

حرب الاستنزاف في أوكرانيا: لماذا يراهن بوتين على الوقت رغم الخسائر؟

حرب الاستنزاف في أوكرانيا: لماذا يراهن بوتين على الوقت رغم الخسائر؟

موسكو: رغم تباطؤ الاقتصاد الروسي، وارتفاع الخسائر البشرية، وتعثر التقدم العسكري في أوكرانيا، لا يُظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أي استعداد جدي للدخول في مفاوضات تنهي الحرب، إذ لا يزال مقتنعًا بأن استنزاف أوكرانيا وحلفائها سيمنحه في النهاية موقعًا أفضل لفرض شروطه. هذه هي الخلاصة التي توصل إليها ثلاثة باحثين من مركز كارنيغي لروسيا وأوراسيا في برلين، في تحليل نشرته مجلة Foreign Affairs في 31 يوليو/تموز 2026.

وبحسب التقرير، فإن بوتين دخل عام 2025 معتمدًا على ثلاث رهانات رئيسية: استمالة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للضغط على كييف، أو انتظار تراجع الدعم الأمريكي لأوكرانيا، أو تحقيق حسم عسكري يفرض وقائع جديدة على الأرض. إلا أن الباحثين يرون أن هذه الرهانات الثلاثة إما فشلت أو وصلت إلى طريق مسدود.

ويشير التقرير إلى أن مساعي الرهان على إدارة ترامب لم تحقق النتائج التي توقعتها موسكو، إذ لم تنجح الاتصالات السياسية ولا جهود المبعوثين الأمريكيين في دفع كييف إلى قبول تسوية بالشروط الروسية، كما حافظت واشنطن على العقوبات واستمرت قنوات الدعم العسكري والاستخباراتي لأوكرانيا، وإن بصيغ مختلفة وبمساهمة أوروبية أكبر.

وعلى الصعيد العسكري، يرى معدو الدراسة أن الرهان على تحقيق اختراق ميداني حاسم تعثر بصورة واضحة. فبعد أن سيطرت القوات الروسية على نحو 1600 ميل مربع خلال عام 2025، انخفض معدل التقدم خلال النصف الأول من عام 2026 إلى نحو 250 ميلًا مربعًا فقط، نتيجة تعزيز الدفاعات الأوكرانية واتساع استخدام الطائرات المسيّرة، التي جعلت خطوط القتال أكثر كلفة بالنسبة للقوات الروسية.

ويضيف التقرير أن الخسائر الروسية ارتفعت إلى نحو 30 ألف قتيل وجريح شهريًا، في وقت تراجع فيه عدد المجندين الجدد إلى نحو 27 ألفًا شهريًا، وهو ما يثير تساؤلات حول قدرة موسكو على مواصلة العمليات الهجومية بالوتيرة نفسها.

اقتصاديًا، يؤكد الباحثون أن الحرب بدأت تفرض أعباء متزايدة على روسيا، بعد الضربات الأوكرانية التي استهدفت منشآت الطاقة والبنية التحتية ومنافذ التصدير، ما أدى إلى توقف نحو ثلث طاقة تكرير النفط الروسية، وتراجع توقعات النمو الاقتصادي لعام 2026 إلى 0.4%، مع اتساع عجز الموازنة إلى مستويات أعلى من التقديرات الرسمية.

كما يلفت التقرير إلى تراجع شعبية بوتين من نحو 80% إلى 66% خلال عام 2026، إلا أن الكرملين ما يزال، بحسب الباحثين، قادرًا على احتواء الضغوط الداخلية عبر أدوات الرقابة والقمع، إضافة إلى ما يسمونه “تأثير الالتفاف حول العلم”، الذي يعزز التأييد الشعبي كلما تعرضت روسيا لضغوط خارجية أو لهجمات أوكرانية.

ورغم هذه التحديات، يرى التقرير أن بوتين لا يشعر بأن الوقت يفرض عليه تقديم تنازلات، بل يعتقد أنه ما يزال يمتلك وسائل لإطالة أمد الحرب، تشمل زيادة إنتاج القنابل الانزلاقية والصواريخ الباليستية، واستغلال النقص الأوكراني في منظومات الدفاع الجوي، وإمكانية العودة إلى التجنيد الإجباري بصورة أقل إثارة للرأي العام، فضلًا عن تكثيف الهجمات الهجينة ضد أوروبا بهدف زيادة الضغوط السياسية داخلها.

ويخلص الباحثون إلى أن بوتين لا ينظر إلى الدعوات الغربية لوقف إطلاق النار باعتبارها فرصة للتسوية، وإنما يعدّها محاولة لمنح أوكرانيا مزيدًا من الوقت لإعادة بناء قدراتها العسكرية، وهو ما يجعله مستمرًا في استراتيجية الاستنزاف، مع قناعة بأن ميزان الوقت والقدرة التدميرية لا يزال يصب في مصلحة روسيا، حتى وإن كانت الحرب أصبحت أكثر كلفة وتعقيدًا.