أخبار

العقوبات تعيد تشكيل اقتصاد الفصائل المسلحة في العراق بدلًا من إضعاف نفوذها

العقوبات تعيد تشكيل اقتصاد الفصائل المسلحة في العراق بدلًا من إضعاف نفوذها

بغداد: تكشف الضغوط الأميركية المتزايدة على شبكات تمويل الفصائل المسلحة في العراق عن تحول عميق في اقتصادها السياسي، إذ لم تؤدِ القيود والعقوبات المفروضة على المصارف والأفراد والشركات المرتبطة بهذه الفصائل بالضرورة إلى إضعاف نفوذها، بقدر ما دفعتها إلى إعادة هيكلة مصادر دخلها والاعتماد بصورة أكبر على موارد محلية وشبكات نفوذ متجذرة داخل مؤسسات الدولة.

ويطرح علي حسين الخفاجي، نائب رئيس مؤسسة الفراهيدي للحوار والتنمية، في مقال تحليلي نشره برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس في 19 أغسطس/آب 2026، فرضية مفادها أن الفصائل المسلحة العراقية تتكيف مع الضغوط المالية عبر الانتقال تدريجيًا من شبكات التمويل الخارجية والأنشطة الاقتصادية غير المباشرة إلى نموذج أكثر رسوخًا، يقوم على النفوذ المؤسسي والعقود الحكومية والسيطرة على قطاعات اقتصادية ومعابر حدودية.

من النفوذ السياسي إلى السيطرة المؤسسية

لم تقتصر استجابة الفصائل للضغط الأميركي على إيجاد مصادر بديلة للإيرادات، بل تزامنت مع توسيع حضورها داخل مؤسسات الدولة والقطاعات الاقتصادية ذات العائد المرتفع.

وبحسب التحليل، عزز الاندماج المتنامي لهذه الفصائل في العملية السياسية، وارتفاع تمثيلها البرلماني وحصتها من المناصب الحكومية، ولا سيما عقب انتخابات 2025، قدرتها على التأثير في توزيع المناصب والموارد العامة وتوجيه النشاط الاقتصادي بما يخدم مصالحها.

ويمثل ذلك انتقالًا من مرحلة الاستفادة غير المباشرة من الاقتصاد المحلي إلى ممارسة دور أكثر مباشرة في إدارة بعض موارده واستغلالها، بما يجعل الحدود بين النفوذ السياسي والمصالح الاقتصادية للفصائل أقل وضوحًا.

النفط.. من شبكات التهريب إلى السيطرة المباشرة

يبرز قطاع النفط باعتباره أحد أهم الأمثلة على هذا التحول. فقد مثّل تهريب النفط منذ سنوات مصدرًا مهمًا لإيرادات الفصائل المسلحة، وكان يعتمد بصورة أساسية على واجهات تجارية وشبكات من الوسطاء، من بينها معامل الإسفلت التي يُسوّق من خلالها زيت الوقود الثقيل.

لكن هذه الآليات تطورت، وفق المقال، إلى ترتيبات أكثر مباشرة مستفيدة من النفوذ المتنامي داخل مؤسسات الدولة والسيطرة على بعض المصافي وحقول النفط.

ويشير التحليل إلى ادعاءات وقرارات صادرة عن السلطات العراقية ووزارة الخزانة الأميركية تفيد بأن بعض الشبكات المرتبطة بالفصائل استغلت مواقع مؤسسية لتسهيل عمليات تهريب النفط أو الاستفادة من عائداتها. وإذا صحت هذه الادعاءات، فإنها تعني أن النفوذ المؤسسي لم يعد يُستخدم فقط لحماية الأنشطة الاقتصادية غير المشروعة، وإنما أصبح أداة لتسهيلها من داخل مؤسسات الدولة نفسها.

وتشير بعض التقديرات التي يستشهد بها المقال إلى أن هذه الأنشطة يمكن أن تدر عائدات تصل إلى نحو مليار دولار سنويًا، وهو رقم يعكس الأهمية المتزايدة للنفط في البنية الاقتصادية للفصائل المسلحة، مع ضرورة التعامل معه بوصفه تقديرًا وليس رقمًا موثقًا رسميًا.

العقود الحكومية تتحول إلى مصدر تمويل

يمتد نفوذ الفصائل كذلك إلى المشاريع العامة والمشتريات الحكومية والاستثمار العام. فبعد أن كان نموذج الاستفادة يقوم في السابق على اقتطاع عمولات تتراوح بين 5 و30 في المئة من قيمة العقود الممنوحة لشركات خاصة، أصبحت بعض الفصائل، وفق التحليل، قادرة في حالات عديدة على توجيه العقود مباشرة إلى شركات تملكها أو إلى واجهات تجارية مرتبطة بها.

وبذلك تتحول العقود الحكومية نفسها من فرصة للحصول على عمولات إلى مصدر تمويل مستدام، قائم على قدرة الفصائل على التأثير في عملية توزيع الموارد العامة.

ولا يقتصر الأمر على العقود. إذ يشير المقال إلى استفادة الفصائل من ابتزاز بعض قطاعات الاقتصاد الخاص التي تعاني ضعف الحماية القانونية، ومن السيطرة على بعض المعابر الحدودية وتهريب السلع وفرض رسوم على سائقي الشاحنات.

ويورد التحليل تقديرات متداولة تضع قيمة الإيرادات المرتبطة بتهريب البضائع والابتزاز عند المعابر عند نحو 12 مليار دولار سنويًا، إلا أن المصدر نفسه يشدد على أن هذا الرقم يستند إلى تقديرات واسعة التداول وليس إلى بيانات رسمية موثقة.

اقتصاد يصعب استهدافه بالعقوبات

تكمن أهمية هذا التحول في أنه يجعل سياسة العقوبات أكثر تعقيدًا. فحين تعتمد الفصائل على شبكات تمويل خارجية أو شركات ووسطاء محددين، يمكن استهداف تلك الشبكات من خلال العقوبات المالية وتقييد التحويلات وحركة الأموال.

أما عندما ينتقل اقتصاد الفصائل إلى نموذج يعتمد على النفوذ داخل مؤسسات الدولة وتوجيه العقود والموارد العامة والسيطرة على قطاعات من الاقتصاد المحلي، فإن استهداف مصادر التمويل التقليدية يصبح أقل قدرة على تقويض البنية الاقتصادية التي يقوم عليها نفوذها.

وبذلك قد تنجح العقوبات في تغيير الطريقة التي تحصل بها الفصائل على الأموال، لكنها لا تؤدي بالضرورة إلى تقليص قدرتها السياسية والاقتصادية، بل ربما تدفعها إلى المزيد من الاندماج في مؤسسات الدولة.

القوة العسكرية لحماية اقتصاد النفوذ

يتجاوز هذا التحول البعد الاقتصادي إلى طبيعة استخدام القوة المسلحة نفسها. فالقوة العسكرية لم تختفِ من استراتيجية الفصائل، لكنها أصبحت، وفق التحليل، إحدى الأدوات المستخدمة لحماية الشبكات المؤسسية التي تحافظ على مكانتها السياسية والاقتصادية.

ومع تعمق هذه الشبكات، يصبح الفصل بين مصالح الفصائل ومصالح المؤسسات التي تتغلغل فيها أكثر صعوبة.

ولا يعني ذلك تراجع احتمالات الصراع المسلح بين الفصائل. فالقوة يمكن أن تستخدم لحماية النفوذ السياسي والاقتصادي أو إعادة توزيعه عندما تتغير موازين القوى، ولذلك لا يستبعد المقال تكرار مواجهات شبيهة بما شهده العراق في أغسطس/آب 2022 أو يوليو/تموز 2025 إذا تعرضت شبكات النفوذ أو ترتيبات تقاسم الموارد للتهديد.

ما وراء العقوبات

يخلص التحليل إلى أن مواجهة اقتصاد الفصائل تتطلب الانتقال من التركيز على العقوبات المالية وحدها إلى معالجة البيئة المؤسسية التي تسمح بتحويل موارد الدولة إلى مصادر للقوة والنفوذ.

ويشمل ذلك إصلاح منظومة المشتريات الحكومية، واعتماد منصات إلكترونية تنشر تفاصيل المشاريع وتكاليفها ومواصفاتها الفنية، وإلزام الشركات بالكشف عن المالكين المستفيدين منها للحد من استخدام الشركات الواجهية.

كما يتطلب الأمر إخضاع التعيينات في القطاع العام لمعايير الجدارة والرقابة المؤسسية، بما يقلص تأثير المحسوبية والولاء السياسي في توزيع المناصب والموارد، إلى جانب تعزيز الرقابة على المعابر الحدودية، وحماية القطاعات الأكثر تعرضًا للابتزاز، واستعادة احتكار الدولة لتوفير الأمن.

إجراءات حكومية وحدود المواجهة

يشير المقال إلى أن الحكومة العراقية الجديدة برئاسة علي الزيدي اتخذت مجموعة من الإجراءات الرامية إلى تقليص نفوذ الفصائل المسلحة. وإلى جانب جهود دفعها نحو نزع السلاح، أطلقت الحكومة في 28 يونيو/حزيران 2026 حملة لمكافحة الفساد استهدفت تعطيل الشبكات المالية التي تسهم في استدامة نفوذ الفصائل، وركزت على قطاعات مرتبطة بالفساد والمحسوبية، من بينها وزارتا النفط والكهرباء.

كما تحركت السلطات لإغلاق مكاتب يُزعم ارتباطها بقوات الحشد الشعبي وتعمل من دون ترخيص رسمي.

لكن المشكلة الأساسية، وفق التحليل، أن الفصائل أصبحت أكثر تجذرًا في الاقتصاد السياسي للدولة، ما يجعل مواجهتها مسألة تتجاوز تعطيل حسابات مصرفية أو معاقبة شركات وأفراد.

فالتحول الجاري يعني أن مصادر القوة لم تعد موجودة فقط خارج الدولة أو على هامشها، وإنما بات جزء منها مرتبطًا بقدرة الفصائل على الوصول إلى المؤسسات والموارد والعقود والمناصب العامة.

ومن هنا، فإن الضغط المالي قد ينجح في إعادة تشكيل اقتصاد الفصائل المسلحة وتغيير أدواته ومساراته، لكنه لن يكون كافيًا بمفرده لكبح نفوذها. فالمواجهة الفعلية، بحسب خلاصة التحليل، تتطلب معالجة البنى المؤسسية والسياسية التي تنتج هذا النفوذ وتسمح باستدامته.