أخبار

العلاقة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية أمام تحول تاريخي: من المساعدات إلى التكامل الاستراتيجي

العلاقة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية أمام تحول تاريخي: من المساعدات إلى التكامل الاستراتيجي

عواصم: تدخل العلاقة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل مرحلة إعادة صياغة قد تكون الأعمق منذ ثلاثة عقود، مع بدء المفاوضات بشأن تجديد مذكرة التفاهم التي تنظم المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، بالتزامن مع تغيرات سياسية واستراتيجية داخل البلدين، وتصاعد الحديث الإسرائيلي عن الانتقال من نموذج المساعدات المالية المباشرة إلى شراكة أكثر تشابكًا في مجالات الدفاع والتكنولوجيا والاستخبارات والتصنيع العسكري.

ويستند هذا التقرير إلى تحليل صادر عن مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group) في 12 أغسطس/آب 2026، لخصه وحلله مركز MENA IntelBrief، ويرى أن المذكرة المقبلة، إذا جرى التوصل إليها، قد تكون آخر مذكرة تفاهم بالشكل التقليدي الذي حكم العلاقة العسكرية بين واشنطن وتل أبيب طوال العقود الماضية.

مذكرة جديدة في بيئة سياسية مختلفة

بدأت المفاوضات بشأن مذكرة تفاهم جديدة في يونيو/حزيران 2026، قبل عامين من انتهاء الاتفاق الحالي في 2028، لكن المفاوضات تجري في بيئة مختلفة جذريًا عن تلك التي أحاطت بالاتفاقات السابقة.

فالعلاقة الثنائية تعرضت خلال السنوات الأخيرة لضغوط متراكمة، من بينها صور الدمار في غزة نتيجة العمليات العسكرية الإسرائيلية التي استخدمت أسلحة أمريكية، والحرب مع إيران، وتصاعد عنف ميليشيات المستوطنين في الضفة الغربية، إلى جانب التراجع الملحوظ في التأييد الشعبي الأمريكي لإسرائيل. ولم يعد هذا التراجع مقتصرًا على الديمقراطيين، بل بات ظاهرًا أيضًا بين قطاعات جمهورية تعارض المساعدات الخارجية والانخراط العسكري الأمريكي في الخارج.

ويضيف التحليل أن المحادثات تعثرت على الأرجح بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران والغموض المحيط بشكل الاتفاق المقبل. وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يأمل في إنجاز المفاوضات قبل الانتخابات البرلمانية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول، إلا أن ذلك بات بعيد المنال، فيما يضيف عدم القدرة على التنبؤ بمواقف الرئيس دونالد ترامب مزيدًا من الغموض.

ثلاثة عقود من المساعدات العسكرية

شكلت مذكرات التفاهم طوال نحو ثلاثة عقود أحد أهم أعمدة العلاقة الأمريكية الإسرائيلية. وتتميز المساعدات المقدمة لإسرائيل ليس فقط بحجمها، وإنما أيضًا بالشروط الاستثنائية التي صاحبتها.

وتقدم غالبية المساعدات في صورة منح من خلال برنامج التمويل العسكري الخارجي FMF، الذي يلزم الدول المستفيدة عادة بشراء الأسلحة من الشركات الأمريكية. إلا أن إسرائيل تمتعت باستثناء جزئي سمح لها بإنفاق جزء من هذه الأموال على صناعتها الدفاعية المحلية، ما أسهم في تعزيز تنافسية شركات السلاح الإسرائيلية. كما استفادت من آلية تمويل تتيح توزيع المدفوعات على سنوات، وهو ما ساعدها في شراء منظومات ومقاتلات أمريكية متقدمة.

ووقعت مذكرة التفاهم الأولى عام 1999 بين الرئيس بيل كلينتون ورئيس الوزراء إيهود باراك، فيما غطت المذكرة الثانية الفترة بين 2009 و2018 ورفعت إجمالي المساعدات إلى 30 مليار دولار، بمعدل ثلاثة مليارات دولار سنويًا.

أما المذكرة الحالية، التي أبرمتها إدارة باراك أوباما عام 2016 وتغطي الفترة من 2019 إلى 2028، فهي الأكبر حتى الآن، إذ توفر لإسرائيل 3.8 مليار دولار سنويًا، منها 3.3 مليار دولار ضمن منح التمويل العسكري الخارجي و500 مليون دولار للبرامج المشتركة للدفاع الصاروخي. وجاء الاتفاق آنذاك في سياق التوتر الإسرائيلي الأمريكي بشأن الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، وكان أحد أهدافه طمأنة إسرائيل بشأن استمرار الالتزام الأمني الأمريكي تجاهها.

نتنياهو يريد إنهاء المساعدات.. ولكن ليس العلاقة

التحول الأبرز في النقاش الحالي يتمثل في رغبة نتنياهو في تقليص الاعتماد المباشر على المساعدات المالية الأمريكية، وهي فكرة تعود لديه إلى سنوات طويلة. فخلال خطاب أمام الكونغرس عام 1996 تحدث بالفعل عن خفض تدريجي للمساعدات الاقتصادية.

وبعد الحرب الإسرائيلية الإيرانية التي استمرت اثني عشر يومًا في يونيو/حزيران 2025، عاد نتنياهو إلى الفكرة بصورة أكثر وضوحًا، داعيًا إلى إنهاء تدريجي لمنح التمويل العسكري الخارجي بحلول نهاية مذكرة التفاهم المقبلة.

وفي خطاب سبتمبر/أيلول 2025 الذي عُرف بخطاب “سبارطة”، قدم نتنياهو رؤيته لإسرائيل قادرة على تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي في مواجهة احتمال العزلة الدولية. ثم دعا لاحقًا إلى تخفيف المساعدات العسكرية الأمريكية تدريجيًا خلال العقد المقبل واستبدالها بنموذج يقوم على البحث والتطوير المشترك في الأسلحة والدفاع الصاروخي والتقنيات المتقدمة، باستثمارات متكافئة من الجانبين.

ولا يعني ذلك، وفق التحليل، أن إسرائيل تريد فك ارتباطها العسكري بالولايات المتحدة، بل العكس؛ إذ تسعى إلى استبدال علاقة “المانح والمتلقي” بعلاقة أكثر تعقيدًا وترابطًا يصعب تفكيكها مستقبلًا.

المساعدات تفقد أهميتها المالية وتحتفظ بقيمتها السياسية

أحد المتغيرات المهمة هو تراجع الوزن النسبي للمساعدات الأمريكية مقارنة بحجم الاقتصاد والإنفاق العسكري الإسرائيلي. فمع تجاوز الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي 700 مليار دولار، ووصول الإنفاق الدفاعي إلى نحو 40 مليار دولار، أصبح من الأصعب تبرير الحاجة الاقتصادية إلى 3.3 مليار دولار إضافية سنويًا.

ولهذا طلب نتنياهو، بحسب ما ينقله التحليل عن تقارير إسرائيلية، تخصيص مليارات الدولارات الإضافية للموازنة الدفاعية خلال العقد المقبل، بما يسمح بتمويل مشتريات عسكرية أمريكية في حال تراجع واشنطن عن تمويلها.

لكن القيمة الأهم لمذكرة التفاهم لا تزال تكمن في كونها ضمانة سياسية واستراتيجية طويلة الأمد للعلاقة. فالاتفاق الممتد لعشر سنوات يسمح لإسرائيل بالتخطيط العسكري بعيد المدى ويحد من تعرض العلاقة الأمنية للتقلبات المرتبطة بالمناقشات السنوية داخل الكونغرس.

ومن هنا تظهر المفارقة في استراتيجية نتنياهو: تقليل الاعتماد المالي على الولايات المتحدة مع زيادة الترابط العسكري والتكنولوجي معها.

من “المساعدة” إلى شراكة دفاعية متكاملة

يبحث المسؤولون الإسرائيليون بصورة متزايدة عن مذكرة جديدة تركز على البحث والتطوير المشترك، والأمن السيبراني، والأنظمة المستقلة، والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة.

ويشير التحليل إلى مبادرة التعاون التقني الدفاعي الأمريكي الإسرائيلي التي أقرها مجلس النواب الأمريكي في نهاية يوليو/تموز ضمن قانون التفويض الدفاعي الوطني، بينما لم يكن مجلس الشيوخ قد صوت عليها بعد عند إعداد التحليل.

ويعني هذا الاتجاه أن العلاقة قد تنتقل تدريجيًا من المساعدات المالية إلى تكامل أعمق بين المؤسستين العسكريتين والصناعات الدفاعية وأجهزة الاستخبارات والقطاعات التكنولوجية في البلدين.

لكن هذا النموذج يحمل ثمنًا لإسرائيل أيضًا؛ إذ إن توسيع المشاريع المشتركة سيمنح واشنطن بالضرورة دورًا أكبر في القرارات المتعلقة بالتكنولوجيا والتطوير والتشغيل العسكري، ما قد يقلص جزءًا من حرية الحركة التي حرصت إسرائيل تاريخيًا على الاحتفاظ بها.

حرب إيران كنموذج للعلاقة المقبلة

بحسب مجموعة الأزمات الدولية، قدمت الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران نموذجًا مصغرًا لما قد تصبح عليه العلاقة العسكرية مستقبلًا. فقد شهدت الحرب مستوى غير مسبوق من التعاون العسكري، نقل العلاقة من التنسيق والدعم إلى العمل المشترك المباشر في ساحة المعركة، وربما أسس لنمط من التكامل الاستراتيجي والعملياتي بين البلدين.

كما أعادت الحرب فتح نقاش كان حساسًا تاريخيًا داخل إسرائيل: احتمال وجود عسكري أمريكي دائم على الأراضي الإسرائيلية.

فالولايات المتحدة تخزن بالفعل أسلحة داخل إسرائيل ولديها منشآت حساسة، بينها رادار للإنذار المبكر في صحراء النقب، فيما توسع الحضور الأمريكي منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. ويشير التقرير إلى تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في 28 يوليو/تموز 2026 بأن الولايات المتحدة نفذت ضربات ضد إيران انطلاقًا من قواعد إسرائيلية.

غير أن إنشاء قواعد دائمة تضم قوات أمريكية نشطة سيشكل تحولًا بالغ الحساسية؛ ففي الولايات المتحدة سيعتبره منتقدو العلاقة تعميقًا للتورط العسكري مع إسرائيل، بينما قد ينظر إليه داخل إسرائيل باعتباره قيدًا محتملًا على استقلال القرار العسكري.

حدود فكرة “سبارطة العظمى”

رغم خطاب الاعتماد على الذات، يرى التحليل أن السنوات الأخيرة كشفت حدود قدرة إسرائيل على تحقيق استقلال عسكري حقيقي عن الولايات المتحدة.

فخلال نحو ثلاثة أعوام من الحرب شبه المتواصلة تعرضت إسرائيل لنحو 1200 صاروخ أرض-أرض وأكثر من 70 ألف مسيرة أطلقت من مناطق مختلفة في الشرق الأوسط. وأظهرت الحروب الطويلة أن المسألة لا تتعلق فقط بامتلاك قوة قتالية متقدمة، بل أيضًا بالقدرة على الاحتفاظ بمخزونات ضخمة من الذخائر وتجديدها باستمرار.

كما تواجه الصناعة الدفاعية الإسرائيلية قيودًا مرتبطة بنقص العمالة والمواد الخام ومحدودية خطوط الإنتاج وارتفاع تكلفة توسيعها. ولذلك يخلص التحليل إلى أن إسرائيل تستطيع زيادة إنتاجها ومخزوناتها، لكنها لا تستطيع عمليًا الاستغناء عن الولايات المتحدة إذا أرادت الاحتفاظ بقدرتها على خوض حروب طويلة ومتعددة الجبهات.

علاقة أقوى عسكريًا وأكثر هشاشة سياسيًا

تبدو المفارقة الأساسية في مستقبل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية أن الترابط العسكري والتكنولوجي بين البلدين مرشح لأن يصبح أعمق، في الوقت الذي يصبح فيه الأساس السياسي والشعبي للعلاقة أكثر هشاشة.

وسيتوقف شكل مذكرة التفاهم الجديدة على مجموعة متغيرات، أبرزها مستقبل نتنياهو السياسي، وتركيبة الكونغرس الأمريكي المقبل، ومدى استعداد أعضائه للاستمرار في تمويل إسرائيل، وما إذا كان التكامل العملياتي الذي ظهر خلال الحرب مع إيران سيتحول إلى ترتيبات مؤسسية دائمة.

لكن التحدي الأكثر أهمية على المدى الطويل قد لا يكون عسكريًا أو ماليًا، وإنما سياسي داخل الولايات المتحدة نفسها. فبحسب مسؤول إسرائيلي سابق نقلت عنه مجموعة الأزمات الدولية، بات القلق من تحول الرأي العام الأمريكي تجاه إسرائيل أكبر حتى من القلق من المواقف الأوروبية، بسبب صعوبة استعادة التأييد الشعبي الأمريكي بعد فقدانه.

وبذلك قد تنجح واشنطن وتل أبيب في بناء إطار أمني جديد يقوم على التصنيع والبحث والتطوير والعمليات المشتركة، وربما يكون أكثر تشابكًا من أي وقت مضى، لكن هذا الإطار لن يكون قادرًا بمفرده على إعادة بناء الإجماع السياسي والشعبي الأمريكي الذي قامت عليه مذكرات التفاهم السابقة.

وعليه، فإن التحول الجاري لا يشير إلى نهاية التحالف العسكري الأمريكي الإسرائيلي بقدر ما يشير إلى نهاية النموذج القديم لهذا التحالف: مساعدات مالية أمريكية كبيرة مقابل ضمان التفوق العسكري الإسرائيلي. أما النموذج الذي يجري تشكيله فيتجه نحو علاقة أكثر تكاملًا في التكنولوجيا والصناعة والاستخبارات والعمليات، وأقل اعتمادًا على المنح المباشرة، لكنها في الوقت نفسه أكثر عرضة لتقلبات السياسة والرأي العام داخل الولايات المتحدة.