مقالات

الخارطة السياسية في إسرائيل: صعود آيزنكوت وتغذية الجبهات في معركة انتخابية مفتوحة

الخارطة السياسية في إسرائيل: صعود آيزنكوت وتغذية الجبهات في معركة انتخابية مفتوحة

تبدو الخارطة السياسية والحزبية في إسرائيل أكثر وضوحاً بعد سلسلة الاستطلاعات التي نشرتها وسائل الإعلام وقنوات التلفزة الإسرائيلية خلال الأيام الماضية. وإذا كان كل استطلاع يقدم صورة جزئية للحظة السياسية، فإن جمع النتائج يكشف اتجاهاً أكثر أهمية: تراجع هيمنة نتنياهو من دون أن يعني ذلك نشوء بديل سياسي متكامل، وصعود غادي آيزنكوت باعتباره المستفيد الأكبر من الرغبة في التغيير، مقابل استمرار قوة اليمين وقدرته على إعادة النقاش العام إلى الأمن والحرب.

في استطلاع "كان 11" الأخير، حصل حزب "يَشار" بقيادة آيزنكوت على 24 مقعداً، متقدماً بمقعدين على الليكود، فيما حصل تحالف نفتالي بينيت "بِياحد"، الذي يضم يائير لبيد، على 14 مقعداً، وحصلت الأحزاب العربية مجتمعة على 12 مقعداً. والأهم أن آيزنكوت وبينيت يتفوقان على نتنياهو في سؤال الأنسب لرئاسة الحكومة.

تؤكد هذه النتائج ما بدأت تظهره الاستطلاعات السابقة: الليكود لم يعد بالضرورة الحزب المهيمن، ونتنياهو لم يعد الخيار التلقائي لرئاسة الحكومة حتى لدى جزء من الجمهور الذي اعتاد النظر إليه باعتباره السياسي الأكثر خبرة في المجال الأمني.

لكن صعود آيزنكوت لا يعني أن إسرائيل انتقلت إلى الوسط أو اليسار. فهو، في نهاية المطاف، يميني من داخل المنظومة الأمنية الإسرائيلية، ويحاول مواجهة نتنياهو وكسب أصوات اليمين، شأنه شأن قادة الأحزاب الصهيونية في الوسط وما يسمى "معسكر التغيير" ولذلك فإن ما تعكسه الاستطلاعات حتى الآن هو أزمة في قيادة نتنياهو أكثر مما هي تحول أيديولوجي في المجتمع الإسرائيلي.

بديل لنتنياهو وليس بالضرورة بديلاً لسياساته، وهنا تكمن المفارقة الأساسية. آيزنكوت يقدم نفسه بديلاً لنتنياهو، لكن السؤال الذي سيصبح أكثر إلحاحاً كلما اقتربت الانتخابات هو: بديل في ماذا؟

في إدارة الحرب؟ في العلاقة مع الجيش والمؤسسة الأمنية؟ في السياسة الخارجية؟ في العلاقة مع الولايات المتحدة؟ أم في العلاقة مع الفلسطينيين؟

حتى الآن، لا تبدو المعارضة الإسرائيلية قادرة على تقديم إجابة واضحة عن السؤال الأخير. وقد ظهر ذلك بوضوح في ردود الفعل على تصريحات منصور عباس بشأن الاعتراف بدولة فلسطينية. فبدلاً من أن تتحول إلى مناسبة لنقاش إسرائيلي جدي حول مستقبل الصراع، تحولت سريعاً إلى اختبار ولاء سياسي، واضطر آيزنكوت إلى التنصل منها خشية دفع ثمن انتخابي.

وهذا يكشف حدود التغيير المحتمل: هناك جزء من الجمهور الإسرائيلي يريد تغيير نتنياهو، لكنه لا يبدو مستعداً بالضرورة لتغيير السياسات التي حكمت الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي. المعارضة تعرف جيداً ما الذي تعارضه: نتنياهو، وإدارة الحرب، وإخفاق 7 أكتوبر، وطريقة إدارة الدولة والعلاقات الخارجية. لكنها لم تحسم بعد ما الذي ستفعله في اليوم التالي، وخصوصاً في الملف الفلسطيني.

لذلك لا ينبغي قراءة صعود آيزنكوت باعتباره انتقالاً إسرائيلياً نحو حل سياسي، بل باعتباره، في هذه المرحلة، بحثاً عن قيادة أخرى داخل المنظومة الأمنية والسياسية نفسها.

في المقابل، يتحرك نتنياهو في الاتجاه المعاكس. فبدلاً من خفض مستوى التوتر، نشهد تغذية للنيران في أكثر من جبهة: غزة، وسوريا، والضفة الغربية والقدس، إلى جانب التصعيد في الخطاب تجاه إيران.

ولا يعني ذلك أن كل عملية عسكرية تُنفذ حصراً لدوافع انتخابية. لكن إسرائيل، بعد 7 أكتوبر، رسخت عقيدة أمنية وعسكرية أكثر عدوانية، وأصبحت تستخدم القوة بصورة أوسع في المنطقة. ومع ذلك، فإن التوقيت السياسي وطريقة توظيف هذه الأحداث في الخطاب الداخلي لا يمكن فصلهما عن المعركة الانتخابية.

فنتنياهو يعرف أن الأمن هو المجال الذي يستطيع من خلاله إعادة بناء صورته السياسية بسرعة. ولذلك يمكن لتعدد الجبهات أن يؤدي وظيفة سياسية مزدوجة: إشغال الجمهور بالخطر الخارجي، وإعادة النقاش إلى السؤال الذي يجيده نتنياهو انتخابياً: من يستطيع حماية إسرائيل؟

وهنا يصبح السؤال: هل يدفع تراجع نتنياهو في الاستطلاعات إلى التهدئة، أم إلى مزيد من التصعيد لاستعادة موقعه؟ تبدو قصة الطائرات الورقية في غزة مثالاً واضحاً على ذلك. فالمسألة ليست في الطائرة الورقية نفسها، وإنما في توسيع تعريف أي جسم يخرج من غزة باعتباره تهديداً أمنياً، بما يسمح بتحويل حادث محدود إلى ذريعة لتصعيد عسكري أوسع، في وقت تتواصل فيه الاستهدافات والاغتيالات والقصف اليومي لمنشآت وخيام ومنازل النازحين، إلى جانب أوامر الإخلاء شبه اليومية في مختلف مناطق القطاع، وسقوط شهداء وجرحى يومياً، بينهم أطفال. وبذلك لا تبدو هذه التطورات منفصلة عن استمرار الحرب، بل امتداداً لها، وعن التنصل من تفاهمات العلمين وخارطة الطريق التي يفترض أن تقود إلى خفض التصعيد والانتقال إلى ترتيبات سياسية جديدة في غزة.

وعندما تدخل حتى الطائرات الورقية التي يصنعها الأطفال في الخطاب الأمني، فإن ذلك يكشف إلى أي مدى أصبح هامش استخدام القوة واسعاً، وكيف يمكن تحويل أبسط الأحداث إلى جزء من سردية الحرب.

وفي سوريا، تكشف الضربات الإسرائيلية الأخيرة والتوتر مع تركيا عن رغبة في إظهار أن إسرائيل ما زالت تمسك بزمام المبادرة الأمنية، رغم تعقيد الساحة الإقليمية وتداخل المصالح الأميركية والتركية والسورية والإيرانية.

وهنا يمكن فهم ما يصفه مراقبون إسرائيليون بأنه نوع من "إظهار العضلات" في الخارج. فالمشهد لا يتعلق بسوريا وحدها، بل أيضاً بمحاولة تعويض غياب الإنجاز السياسي وإعادة إنتاج صورة الحكومة باعتبارها صاحبة اليد العليا أمنياً، في وقت تتراجع فيه مكانة نتنياهو وحزبه في استطلاعات الرأي.

أما الضفة الغربية والقدس، فقد تكونان الجبهتين الأكثر قابلية للانفجار مع اقتراب الانتخابات. فالانتخابات التمهيدية داخل الليكود أظهرت حجم المنافسة على إرضاء القاعدة اليمينية والمستوطنين، بينما يقر مسؤولون أمنيون بضعف سلطة القانون والردع في أجزاء من الضفة.

في مثل هذه الظروف، تتحول التصريحات المتطرفة إلى جزء من المنافسة الانتخابية. وكلما اقترب موعد الانتخابات، يصبح هناك حافز لدى السياسيين لإظهار مزيد من التشدد، ليس فقط في مواجهة المعارضة، بل داخل اليمين نفسه.

قرار نتنياهو ضمان مكان متقدم لإسرائيل كاتس في قائمة الليكود ينسجم مع هذه الصورة. فهو ليس مجرد دعم لشخص كاتس، بل جزء من إدارة نتنياهو لتوازنات الحزب ومنع تشكل مراكز قوة داخلية يمكن أن تتحول لاحقاً إلى تحدٍ لقيادته.

كاتس حاول تقديم نفسه باعتباره وزير دفاع شديد الحزم، لكن تصريحاته الاستفزازية تجاه إيران وبعض مقاطع الفيديو التي استخدم فيها الذكاء الاصطناعي تكشف أيضاً ضغط المنافسة داخل اليمين، حيث يحتاج السياسي إلى إثبات تشدده أكثر من إثبات قدرته على إنتاج حل سياسي أو أمني مستدام.

إذا جمعنا اتجاهات الاستطلاعات مع التطورات السياسية والأمنية، فإن إسرائيل تدخل مرحلة انتخابية مفتوحة.

آيزنكوت يتقدم، لكنه لم يقدم بعد مشروعاً سياسياً متكاملاً. وبينيت يحتفظ بوزن مهم، لكنه لا يمثل قطيعة أيديولوجية واضحة مع اليمين. والأحزاب العربية تملك رقماً مهماً، لكن قدرتها على التأثير في تشكيل الحكومة ستبقى مرتبطة بمواقف الأحزاب الصهيونية منها. أما الليكود، فرغم تراجعه في بعض الاستطلاعات، فلا يزال قوة مركزية، ويمكن لنتنياهو استعادة جزء من قوته إذا نجح في إعادة ترتيب المعركة حول الأمن والحرب.

لذلك فإن السؤال لم يعد فقط: من يتصدر الاستطلاع؟ بل: من يستطيع تحويل التقدم في الاستطلاعات إلى مشروع سياسي قادر على كسر معادلة نتنياهو؟

وهنا لا تزال الإجابة غير محسومة. فالمعركة الانتخابية الإسرائيلية قد لا تُحسم فقط بصناديق الاقتراع، بل أيضاً بالأحداث التي ستسبقها: غزة، وسوريا، وإيران، والضفة والقدس.

وهذا يجعل تعدد الجبهات أكثر من مجرد نتيجة للفشل في إنتاج تسوية سياسية؛ فقد يتحول إلى جزء من المناورة السياسية والانتخابية نفسها. والتناقض المركزي في إسرائيل اليوم هو أن جزءاً من الجمهور يبحث عن بديل لنتنياهو، بينما لا تزال المنظومة السياسية والأمنية نفسها تنتج السياسات التي تسمح له بالبقاء.

وربما لهذا السبب تحديداً، فإن صعود آيزنكوت مهم انتخابياً، لكنه لا يمثل حتى الآن تحولاً سياسياً حقيقياً في إسرائيل.