مقالات

قفازات انتخابية ام برنامجية

قفازات انتخابية ام برنامجية

من المؤكد أن الحملات الانتخابية الإسرائيلية عشية الانتخابات العامة لها استحقاقاتها السياسية والعسكرية الأمنية والاقتصادية المالية، وتدفيع الثمن الإضافي من دم ومصالح وحقوق الشعب العربي الفلسطيني وقيادته وكيانيته، واستشراء واستعار وتعاظم العنف والإرهاب الدولاني الإسرائيلي ضد الكل الفلسطيني، أي كان اسمه ولونه وديانته وهويته السياسية في عنصرية إبادوية. لأن الهوية والشخصية الوطنية والأرض والمصالح الفلسطينية هي المستهدفة وتتنافس القيادات والأحزاب والائتلافات الصهيونية من الموالاة والمعارضة والعصابات الاستيطانية النازية على الإيغال في استباحة الدم والحقوق الوطنية جملة وتفصيلا.

ورغم الادراك لطبيعة هذه اللحظة السياسية في المشهد الإسرائيلي، الا أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة عموما وحكومات بنيامين نتنياهو خصوصا تسعى للاستفادة القصوى من الحملات الانتخابية في تعظيم جرائم حربها على الشعب الفلسطيني، وتعميق فرض الوقائع وإعادة تشكيل الهندسة الديمغرافية والجيوسياسية وتوسيع وزيادة عمليات التهويد والمصادرة للأرض الفلسطينية، وإعلان الاف العطاءات للبناء في المستعمرات المقامة، وإقامة البؤر والمستعمرات والطرق الالتفافية الجديدة، وابتداع أساليب أكثر وحشية في الاعتداءات والاجتياحات والاعتقالات وعمليات القتل لأبناء الشعب الفلسطيني، وبالتالي ما يمكن افتراضه أنه آني ومؤقت في الحملات الانتخابية، يصبح جزءً من المشروع الاستراتيجي، لأن ما تم بناءه ومصادرته والسيطرة عليه لا يمكن إعادته أو التخلي عنه لاحقا، بل أمسى واقعا قائما ويتم ترسيمه وتشريعه وفقا للرؤية البرنامجية الإسرائيلية. وأن حدث في لحظة سياسية بعينها تراجع عن انتهاك أو احتلال أجرامي استعماري في الضفة الغربية بما فيها القدس العاصمة الفلسطينية وقطاع غزة، يكون تراجع مؤقت ولحظي نتيجة تدخل عامل موضوعي أُرغمت عليه هذه الحكومة أو تلك، لكن الحكومات اللاحقة تسعى بالوسائل كافة لاستعادة السيطرة وفرض الواقع الذي كان، مع توسيعه وتعميقه، إن تمكنت من ذلك، وانتفى العامل الذي فرض التراجع أو الانسحاب الجزئي هنا أو هناك.

ما ورد أعلاه، له علاقة بتصريح نتنياهو في جلسة الحكومة الإسرائيلية أول أمس الاحد 9 آب / أغسطس 2026، الذي قال فيه: "إسرائيل ترفض وثيقة النقاط الخمس عشرة بشأن غزة. الجيش الإسرائيلي لن ينسحب من قطاع غزة قبل نزع سلاح حماس بشكل حقيقي، نزع سلاح حماس يعني التخلص من جميع الأسلحة، الثقيلة والأقل ثقلا." وأضاف "ما دمت رئيسا للحكومة، لن تقوم دولة فلسطينية لا في غزة ولا في الضفة الغربية." وتابع "إسرائيل تجري محادثات مع الولايات المتحدة بشأن نزع سلاح حماس، بعض الأفكار الأميركية مقبول لإسرائيل وبعضها غير مقبول." هذا الموقف لرئيس الوزراء الإسرائيلي ليس تصريحا استهلاكيا، ولا مرهونا بالحملة الانتخابية الراهنة، انما هو موقف ثابت في سياسة الحكومة منتهية الولاية. لأن القيادة الإسرائيلية ليست معنية بوقف الإبادة الجماعية على الشعب في قطاع غزة ولا في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، وسعت وتسعى لإدامة الحرب والمحافظة على سيطرتها الكاملة على قطاع غزة، وإعادة الاستيطان الاستعماري فيه، لأنها لم تحقق أي من اهداف "النصر الكامل"، سوى الإبادة الجماعية وحرب التجويع والامراض والمزيد من عمليات الهدم والتدمير للأحياء والوحدات السكانية والبنى التحتية، وعدم ادخال المساعدات الإنسانية كافة الا بحدودها الدنيا، وعدم السماح لعودة النازحين الى مدنهم ومخيماتهم المدمرة أو شبه المدمرة أصلا، وتعميق عوامل الطرد لمقومات الحياة.

مع ان موقع "اكسيوس" الأميركي نقلا عن مصادر أميركية، أشار أمس الاثنين 10 أغسطس الحالي، أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ليست قلقة من رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي خطة السلام في غزة. وهذا ما أكده الصحفي باراك رافيد على شبكة "اكس" بالقول: "أبلغني مسؤول أميركي كبير أن البيت الأبيض "غير قلق" بشأن تصريح نتنياهو حول خطة غزة، ويعتبرها جزءً من موسم الانتخابات في إسرائيل". وأضاف وفقا للمسؤول "تحدث نتنياهو مع المبعوث الخاص للرئيس ترمب جاريد كوشنير الأسبوع الماضي، ووعد بإعطاء خطة ال 15 نقطة فرصة، على الرغم من شكوكه، وكذلك الحد من الضربات على غزة لفسح المجال لعملية نزع السلاح." وختم المسؤول الأميركي قائلا "نحن نفهم احتياجات نتنياهو السياسية، لا نمانع طالما استمر في فعل ما نطلبه، خاصة فيما يتعلق بالحد من الهجمات على غزة."، ويعلم اركان إدارة ترمب أن رئيس الائتلاف الإسرائيلي الحاكم يناور، ويحاول الالتفاف على الضغوط الأميركية تفاديا لمزيد من الضغوط، لأن خياره مواصلة الإبادة الجماعية، وإبقاء نيران الحرب مشتعلة في زمن الحملة الانتخابية وما بعدها، إن قُدر له العودة لكرسي الحكم، لأنه خيار استراتيجي وليس تكتيكيا. وبالتالي قفازات نتنياهو ليست انتخابية، بل لها صميم العلاقة بالرؤية البرنامجية لحكومة الائتلاف النازي بقيادة الحاكم بأمره. وحتى لو لم يعد هو وائتلافه، فقد يقوم بذلك اركان الحكومة الجديدة، لا سيما وان أشخاصا مثل نفتالي بينت أكثر تطرفا من نتنياهو.