الرأسمالية المعاصرة وتحديات التكنولوجيا راهنا.....
رأسمالية اليوم التي تشمل العالم بأسره والتي طرأت عليها تغيرات نوعية، لم تعد هي ذاتها حتى مقارنة بما كانت عليه في بداية القرن العشرين.
إذ أن الرأسمالية المعاصرة وعبر سنوات طويلة شهدت تحولات نوعية نتيجة اندماج الاحتكارات بالدولة، وإنتاج رأسمالية الدولة الاحتكارية التي جمعت جبروت العلم فيها لتطوير مجالات الإنتاج وإدارته وعززت من دور الدولة البرجوازية وتدخلها في الاقتصاد والحياة الاجتماعية، وطورت دور البرمجة والتخطيط في الإنتاج والحياة الاجتماعية، وقد شهدت الرأسمالية في العقود الأخيرة عملية واسعة للعولمة والتدويل، شملت تدويل رأس المال وعولمة الإنتاج والعلاقات الإنتاجية والسوق والمعلومات والاتصالات و العمل، الى جانب التطور الهائل للثورة العلمية- التقنية التي بادرت لها الرأسمالية المعولمة وقطعت أشواطاً واسعة استطاعت أن تجدد نفسها وتتكيف مع التطورات العالمية الكاشفة عن امتلاكها لاحتياطات كبيرة للإسهام في التقدم الاجتماعي والتغلب على أزماتها العميقة والمتلاحقة، وقد أدى ذلك التطور التقني الى تراجع البروليتاريا الصناعية كطبقة مهيمنة نقيض بعد ان قامت معظم المصانع في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان بالاستغناء عن البروليتاريا الصناعية لحساب تشغيل الروبوتات بعد أزمة 2008 وتزايد هيمنة رأس المال المالي في ظل المتغيرات التكنولوجية النوعية الهائلة، حيث بدأت تتشكل الطبقة العاملة العالمية عموما وفي البلدان الصناعية المتقدمة خصوصاً، بصور تتكيف وتتوافق مع تلك المتغيرات، الى جانب تراجع حجم البروليتاريا العاملة في المصانع الى 30% من القوى العاملة العالمية، وتحول معظمها الى قطاع الخدمات الذي يبدو أنه يشكل اليوم 60% من تلك القوى العاملة العالمية، الأمر الذي يستدعي السؤال عن مستقبل الصراع الطبقي ..الى أين ؟ واعتقد ان من الصعب الإجابة المؤكدة أو النهائية على هذا السؤال، ليس بسبب المتغيرات النوعية في عملية الصراع الطبقي في الأنماط او التشكيلات الاقتصادية منذ المرحلة العبودية ثم الاقطاع وصولا الى الرأسمالية عموما، وما جرى من تحولات ثورية تكنولوجية ومعلوماتية في أواخر القرن العشرين، ما زالت ممتدة متفاعلة ونشطة خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والتراجعات اليمينية الي اصابت العديد من أحزاب اليسار الشيوعي في العالم التي بادرت بالتخلي عن اسمها وفكرها وبالتالي التخلي عن الماركسية ومنهجها أو اللجوء الى صيغ وبرامج انتهازية عززت ازمة القوى اليسارية في المراكز الرأسمالية عموما وفي بلدان الأطراف خصوصاً، الأمر الذي يفرض على كافة أحزاب وفصائل اليسار الماركسي في العالم، ان تتداعى للقاء حواري يستهدف طرح رؤى وبرامج ومخططات سياسية وفكرية وتنظيمية أممية تتصدى لمجابهة الامبريالية المعولمة المسيطرة على مقدرات البلدان والشعوب الفقيرة في اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية
بالطبع، لا بد من الإشارة الى ان هذه المتغيرات أصابت مفهوم الصراع الطبقي كما عبر عنه في سبعينات القرن الماضي هربرت ماركيوزة، الذي تنبأ بتراجع الدور الثوري للبروليتاريا الصناعية بل وانتقال ذلك الدور- كما يقول ماركيوزة – للزنوج والطلاب والبروليتاريا الرثة، وهو تحليل نقيض لجوهر الماركسية ومنهجها، ولا علاقة له بالرؤى الموضوعية بقدر انعكاسه للرؤية الانتهازية لماركيوزة صاحب كتاب " الانسان ذو البعد الواحد ".
وإذ نأخذ هذه التغييرات النوعية بعين الاعتبار، فإنه لابد من إعادة النظر في استنتاجات ماركس ومن بعده لينين عن قرب احتضار الرأسمالية وقرب اندلاع الثورة الاشتراكية فيها.وبالتالي فإن هناك ضرورة لمراجعة النظرية عن الامبريالية كأعلى وآخر طور للرأسمالية وعشية الثورة الاشتراكية والتدقيق فيما قيل عن تعفنها، رغم أن مظاهر التعفن ما تزال قائمة في الرأسمالية لكنها ليست المظهر الرئيسي في الوقت الراهن.
من ناحية ثانية، لا شك أن تقدم الرأسمالية المعاصرة، في إطار العولمة الامبريالية الراهنة، يجد أحد أسبابه يتمظهر بوضوح في نهب ثروات العالم الثالث عبر الاستيلاء على فائض القيمة لشعوبه، وربط دوله بعجلة الاقتصاد الرأسمالي عبر آليات متجددة للتبعية وإعادة الإنتاج التابع في بلدان العالم الثالث، حيث عمق النهب الإمبريالي للعالم الثالث من الهوة بين المركز الامبريالي وبلدان الأطراف، الأمر الذي ولد تناقضاً حاداً أصبح يؤثر على مسار البشرية بأسرها. ونتيجة هذا الأمر ولأسباب عديدة أخرى استمرت قضايا التخلف والتبعية والفقر مستفحلة في العالم الثالث، وأضيفت إليها معضلات جديدة كالتصحر وتلوث البيئة، واستنزاف الموارد والمديونية وغيرها، وقد ناءت شعوب العالم الثالث تحت وطأة وثقل توحش العولمة إلى جانب الدكتاتوريات الحاكمة في تلك البلدان، حيث لم تفلح كافة محاولات التنمية فيها، فاستمر تشوه اقتصادها وتخلف قواها المنتجة، وباتت معضلة الديمقراطية –وما تزال- في هذا الجزء من العالم مسألة تفصيلية على درجة كبيرة من الأهمية.
في هذ الجانب، أشير الى أن التناقض بين العالم الثالث والمراكز الامبريالية مرشح اليوم لمزيد من التفاقم وتعمق الفجوات بين بلدان الأطراف وتلك المراكز، بما سيؤثر تأثيراً كبيراً ليس على مصير الرأسمالية فحسب، بل أيضا على مصائر العالم والتقدم الاجتماعي باتجاه الاشتراكية كنقيض تاريخي راهن ومستقبلي للرأسمالية.
هنا تتجلى ضرورة الحديث عن تجديد الماركسية، وأعني به تجديدا يجب أن يعني استيعاب الماركسية لواقع بلداننا وبلدان العالم الثالث وخصوصيته والتطورات التي شهدها ارتباطاً بالمتغيرات العالمية الراهنة، الأمر الذي يفرض على كافة الماركسيين في الوطن العربي والعالم الثالث، الاستفادة من خبرة التجربة التاريخية السابقة للعمل على إنتاج الماركسية وتطبيقها وفق خصوصية الواقع في هذا البلد أو ذاك، وذلك عبر الكشف المتصل عن القوى ذات المصلحة في التحرر والتقدم الاجتماعي والتنمية المستقلة المعتمدة على الذات، وعليهم ايضا النضال من أجل الديمقراطية الحقيقية بأبعادها السياسية الاجتماعية والاقتصادية، ومراكمة كل اشكال الوعي الثوري المنظم ( الحزب) عبر الممارسة اليومية المتصلة مع الجماهير الشعبية من العمال والفلاحين الفقراء وكل الكادحين والمضطهدين لمراكمة عوامل التغيير السياسي الديمقراطي والتحولات النوعية الثورية الكفيلة بتحطيم بنية التبعية والاستبداد والتخلف والاستغلال الطبقي في بلادنا وتأسيس النظام الديمقراطي الشعبي بآفاقه الاشتراكية، وهنا بالضبط يمكن الحديث بثقة عن بداية انهيار الرأسمالية على الصعيد العالمي.
وإذ نأخذ التغييرات النوعية بعين الاعتبار فإنه لابد من إعادة النظر في استنتاجات ماركس ومن بعده لينين عن قرب احتضار الرأسمالية وقرب اندلاع الثورة الاشتراكية فيها، حيث أن هناك ضرورة لمراجعة النظرية عن الامبريالية كأعلى وآخر طور للرأسمالية وعشية الثورة الاشتراكية والتدقيق فيما قيل عن تعفنها.
في إطار هذه الضرورة، ووعينا لها، علينا تبني الماركسية كمنهج للتحليل وكنظرية في التغيير الثوري، خاضعة للتطور والاغتناء ارتباطاً بالمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في بلدان وطننا العربي وكافة بلدان العالم الثالث.
وإذا كنا نسلم بأن الحركة الشيوعية العالمية تعيش اليوم أزمتها. ترى ما هي طبيعة هذه الأزمة؟ هل هي من أمراض الموت؟ أم من أمراض النمو؟ يجيب المناضل الراحل نبيل الهلالي بقوله: في تقديرنا أن أزمة الاشتراكية من أمراض النمو، لأن النظام الاشتراكي العالمي بحسابات التاريخ لا يزال حديث الولادة، بالمقارنة بالنظام الرأسمالي العالمي الذي احتاج أربعة قرون لتثبيت أقدامـه على أرض الواقع. لذلك ليس شاذاً أن يتعرض النظام الاشتراكي العالمي لأزمة نمو بعد انقضاء 70 عاماً فقط على تأسيس أول دولة اشتراكية في التاريخ. وليس نشازاَ في عرف التاريخ أن تنتكس الثورة الاشتراكية، لأن الثورات الاجتماعية عمليات طويلة معقدة مركبة، والتطور الاجتماعي لا يسير في اتجاه واحد. ولم يعرف تاريخ البشرية حتى الآن ثورة اجتماعية واحدة محصنة ضد الارتداد. فالثورة البرجوازية في فرنسا ارتدت أكثر من مرة واحتاجت إلى ثلاث ثورات متوالية لتحقيق انتصارها النهائي على الإقطاع.
فالثورات الاجتماعية كالبحار يحكمها قانون المد والجزر، ومهما اشتد أو امتد الجزر، فهو لا يعني نضوب مياه البحر، ولذلك فإن إخفاق النموذج السوفيتي للاشتراكية لا يبرر الشطب بالقلم الأحمر على الماركسية اللينينية. تماماً كما أن موت المريض داخل غرفة للعمليات بسبب خطأ الجراح لا يبرر إلغاء علم الجراحة.
حقاً إن الأوضاع والظروف السائدة، لا تبشر بفرص ثورية في الأمد المنظور، ولكن ها هي وقائع الحياة تؤكد لنا أن هناك أسساً موضوعية لإعادة بناء حركة معادية للرأسمالية على النطاق العالمي. وأن هناك إمكانيات واقعية لتحقيق مكاسب جزئية متزايدة في عملية طويلة معقدة عبر مراحل وسيطة متعددة، وهنا أعتقد أن من المفيد التأكيد بقوة على أن جزءاً مما حدث من تدمير لأكثر من 80% من مباني وانشاءات قطاع غزة واستشهاد وفقد وجرح ما لا يقل عن ربع مليون نسمة، الى جانب ما جرى ويجري في لبنان وايران وفنزويلا ...الخ هو في حقيقته انعكاس للتواطؤ والشراكة والدعم الامبريالي الأمريكي للصهيونية، الذي يدعوني للتذكير بقول كارل ماركس "حول المسألة اليهودية" (1843)، لا يتحرر البشر الا اذا تحرروا من الرأسمالية، ولا يتحرروا من الرأسمالية الا اذا تحرروا من اليهود، والمثال الساطع على دور اليهود الصهاينة يتجلى بوضوح في الدور التاريخي والراهن الذي تقوم به اسرة روتشيلد في محاولة السيطرة على الاقتصاد العالمي بالتوافق الكامل مع الغرب الرأسمالي عموما والامبريالية الامريكية خصوصا.
وقد لا نختلف اليوم – في ظروف العولمة والتحالف الامبريالي الصهيوني - أن البشرية في عالمنا اليوم لا زالت تعاني من: التفاوت الطبقي، الاستغلال الطبقي، القهر الطبقي، ولم يحدث في تاريخ البشرية أن بلغ الاستغلال والقهر الاجتماعي والإفقار المستوى الذي وصل إليه اليوم، وهو يزداد تعمقاً بفعل العولمة ويصبح تناقضاً بين الرأسمال الدولي والطبقة العاملة العالمية، والماركسية هي النظرية العلمية الوحيدة القادرة على مساعدة البشرية في حل هذا التناقض وإرشاد البشرية في كفاحها للخلاص من الاستغلال الرأسمالي، ما يعني بوضوح أن الاشتراكية اليوم ضرورة حتمية لاستمرار الحضارة البشرية، وضمان لا غنى عنه لبقاء الجنس البشري.
وعلى هذا الأساس فان الحفاظ على الماركسية ومتابعة رسالتها الإنسانية لا يكمن في الدفاع اللاهوتي أو الدوجمائي عن تعاليمها، وإنما بالنقد الدائم لأفكارها وتجديدها ارتباطا بمعطيات الممارسة الاجتماعية، فهذه الممارسة هي المنطلق والمعيار لصحة الأفكار، إذ أن الماركسية ومنظومة المعارف التي طرحتها لا تشكل هدفا بحد ذاتها، وإنما هي الأداة والوسيلة العملية لقراءة الواقع وتغييره، وهذا الموضوع يمثل، من وجهة نظر ماركس نفسه، المنطلق الأول والأخير في صياغة الأفكار التقدمية.
واليوم ونحن نسعى الى إعادة قراءة الماركسية ومنهجها، والاهتمام بمتابعة بعض موضوعات الإنتاج الفكري العالمي والعربي الذي أسهم في إغنائها وتطويرها، فإنني اهدف من وراء ذلك إلى الاسهام قي تعميق الوعي بها لمن يريد من الرفاق في الوطن العربي، بما يمكننا من التحليل الموضوعي وسبل التغيير المطلوبة لواقعنا – السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي عرباً وأكراد وأمازيغ ونوبيين وغيرهم - بكل مكونات ذلك الواقع وجوانبه السياسية والمجتمعية على ضوء امتلاكنا بهذه الدرجة أو تلك- للمنهج المادي الجدلي والوضوح النظري المعرفي بالماركسية وحقائقها ومصيرها وأزمتها ودلالاتها في مجتمعاتنا وفي عصرنا.
لذا يجب أن نعمل من أجل أن تستعيد الحركة الماركسية دورها التغييري التقدمي الديمقراطي في بلادنا عبر دور طليعي متميز على طريق الحوار الجاد لتأسيس الحركة الماركسية العربية…. هذه هي المهمة الراهنة، وهذا هو الهدف الاستراتيجي المركزي في لحظة تفاقم التناقضات التناحرية مع دولة العدو الإسرائيلي والتحالف الامبريالي إلى جانب تفاقم التناقضات الطبقية مع كافة قوى اليمين والقوى الرجعية وقوى الاسلام السياسي وكافة مظاهر وادوات الاستغلال الطبقي والاستبداد والقهر، وهنا بالضبط تتجلى ضرورة الترابط في مسيرة النضال بين الأهداف التحررية والديمقراطية بالمعنى المطلبي ومن المنظور الطبقي .
وفي هذا السياق، لا يمكننا- كقوى يسارية - تجاهل بعض مظاهر الانكفاء والتراجع التي أصابت الماركسية ووصلت ذروتها في سبعينات القرن العشرين، شهدت سبعينيات القرن العشرين نقطة تحول جذري في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي العالمي مع انتشار الليبرالية الجديدة (النيوليبرالية) كنموذج اقتصادي مهيمن، ولا سيما عقب الأفكار التي طرحها اقتصاديون مثل ميلتون فريدمان. وازدادت هذه الهيمنة رسوخاً بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، مما أدى إلى عولمة رأسمالية شاملة ترافقت مع ثورة معلوماتية وتطورات تكنولوجية هائلة (الأتمتة والثورة الصناعية الرابعة)، كما فرضت النيوليبرالية تراجع دور الدولة في التدخل المباشر في الاقتصاد، وإلغاء الدعم المقدم للفئات الشعبية لصالح الحرية الكاملة لآليات السوق والرأسمالية.
وفي بلدان العالم الثالث، انعكس ذلك بشكل حاد على شكل إلغاء وتصفية للقطاع العام، مما أدى إلى تزايد الفجوة الطبقية وإضعاف الحركة النقابية التقليدية التي كانت تستمد قوتها من تمركز العمال في القطاعات العامة والصناعية الكبرى وانتشار حركات الإسلام السياسي في ضوء عزلة او ضعف أحزاب وفصائل اليسار.
وقد واجهت الأحزاب الشيوعية والاشتراكية في جميع أنحاء العالم أزمة وجودية وفكرية كبرى نتيجة لهذه المتغيرات: فقدان القاعدة الاجتماعية التقليدية: مع تفتت وبنية الطبقة العاملة الصناعية التقليدية، فقدت هذه الأحزاب ركيزتها الأساسية.
فبفعل قسوة الصدمة، أو بدافع من الانتهازية والوصولية، هناك من غرق في الإحباط وهناك من فقد الاتجاه، وهناك من تنصل من ماضيه، وهناك من هجر الماركسية، وهناك من هرول إلى الخندق المضاد عبر التحاقها في صفوف السلطة الفلسطينية والأنظمة البيروقراطية التابعة، الحاكمة، أو في صفوف الأحزاب الليبرالية الجديدة، أو عبر اللجوء إلى تأسيس إحدى المنظمات غير الحكومية تحت غطاء الليبرالية الجديدة وشعاراتها الهادفة إلى تزييف الوعي وتخفيف بشاعة ممارسات بلدان المركز الرأسمالي، مثل حقوق الإنسان والحكم الصالح والتنمية المستدامة والجندر...الخ، وهي كلها اعتبارات هامة لابد من أخذها في الحسبان في الفكر التحرري، غير انها تتحول الى سلاح ايديولوجي غايته إجهاض النضال التحرري ذاته عندما يُصار إلى رفعها إلى مستوى البدائل عن الوعي الطبقي.
لكن يخطئ كل الخطأ من يعتبر الماركسية قد اندثرت، كما يخطئ كل الخطأ من يحكم على مستقبل الاشتراكية على ضوء حاضرها المأزوم، وسوف تثبت الأيام أن عاجلاً أو آجلاً، أن أزمة الماركسية مجرد لحظة عابرة في تاريخ البشرية.
لذلك فان المطلوب ماركسية عصرية عبر تجديدها وتطويرها على ضوء الواقع المعاصر بحيث تستجيب لمتطلبات الزمن الذي نعيش فيه، ولكي لا تكون الدعوة للتجديد صيحة حق يراد بها باطل ولكي نضمن أن يأتي التجديد: تطويراً في الماركسية لا تطويحاً بالماركسية، وإغناء للماركسية لا استغناء عن الماركسية واجتهاداً في الماركسية لا ارتدادا عن الماركسية.
إنّ البحث في الماركسية يجب أن يبتدئ من التخلّص من إرث الأفكار البالية الرجعية والمتخلفة والشوفينيّة وكل أدوات الاستبداد الداخلي ومظاهره، أو تقديس القيادة وعبادة الأفراد، وامتلاك الوعي بالمنهج الجدلي المادي وتطبيقاته على الاقتصاد والمجتمع والثقافة، كما على كل جوانب الواقع عبر الممارسة التنظيميّة والنضاليّة في أوساط الجماهير، كما أتمنى على كافة الرفاق في مغرب ومشرق الوطن العربي، بل أطالبهم بأن يمارسوا مراكمة وعيهم ونضالهم الكفاحي والسياسي والديمقراطي، انطلاقًا من قناعتهم بأنّ أحزاب وفصائل اليسار الماركسيّ العربيّ وحدها التي تملكُ الرؤية الاستراتيجيّة النقيضة للوجود الإمبرياليّ الصهيونيّ في بلادنا، ولكلّ قوى اليمين الليبرالي والرجعيّ، وهي وحدها أيضًا التي تملكُ الرؤية الاستراتيجيّة الكفيلة بإنهاء كل مظاهر التبعيّة والاستغلال والقهر الطبقيّ وتحقيق الديمقراطيّة والعدالة والمساواة من منظور الثورة الوطنيّة الديمقراطيّة... وهي من ثَمَّ وحدها التي تمثّلُ المستقبل لشعوب بلداننا عمومًا، وجماهيرها الشعبيّة من العمّال والفلاحين الفقراء خصوصًا، ينصهرون في وحدةٍ سياسيّةٍ طبقيّةٍ مجتمعيّةٍ واحدةٍ تلغي التمايزات الشوفينيّة الإثنيّة كافّةً بين عربيٍّ وكرديٍّ وأمازيغيٍّ وأرمني... الخ، يعيشون ويبنون واقعهم ومستقبلهم معًا، تحت راية التقدّم والديمقراطيّة والاشتراكيّة.