الأبارتهايد الإسرائيلي أمام محكمة التاريخ
بعد عقود طويلة من الصراع العربي الإسرائيلي ومن تراكم الوقائع السياسية والقانونية والإنسانية التي أحاطت بمسألة الاحتلال والاستيطان والضم والتمييز، تبدو القضية الفلسطينية اليوم أمام لحظة قانونية وسياسية مختلفة في طبيعتها عن كثير من المحطات السابقة. فحين تدخل ممارسات دولة ما إلى دائرة التقييم القضائي الدولي وتخضع لمفاهيم قانونية من قبيل الاحتلال غير المشروع والضم والتمييز العنصري والفصل العنصري فإن المسألة لا تعود مجرد خلاف سياسي بين طرفين متنازعين وإنما تصبح اختبارا لمنظومة الشرعية الدولية نفسها وقدرتها على تطبيق قواعدها بصورة متساوية. ومن هنا فإن وصف بعض الممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بأنها ترقى إلى نظام فصل عنصري لا يعني بحال من الأحوال أن محكمة العدل الدولية لم تعد تعترف بإسرائيل كدولة أو أنها أسقطت صفتها القانونية كدولة. هذه نقطة ينبغي تصحيحها بدقة لأن قوة الموقف الفلسطيني لا تحتاج إلى معلومات غير دقيقة كي تكون مقنعة. المحكمة الدولية تنظر في المسؤولية القانونية عن أفعال وسياسات محددة ولا تملك ببساطة إصدار قرار يلغي وجود دولة أو يسحب الاعتراف الدولي بها. لكن الأهم من ذلك أن إخضاع بنية الاحتلال وسياساته لمعيار القانون الدولي يفتح مسارا أكثر خطورة على إسرائيل من مجرد معركة إعلامية عابرة لأن المعركة تنتقل من سؤال من يملك القوة إلى سؤال كيف تستخدم القوة وتحت أي غطاء قانوني.
وهنا تظهر أهمية الزمن السياسي. فالدول التي تستطيع لعقود طويلة تأجيل الاستحقاق القانوني اعتمادا على فائض القوة والدعم السياسي والحصانة الدبلوماسية قد تكتشف في لحظة معينة أن الزمن الذي استخدمته لحماية وضع قائم تحول إلى عامل يعمل ضدها. فكل مستوطنة تصبح واقعة قانونية وكل عملية ضم تصبح سابقة وكل نظام تمييز يصبح مادة في ملف قضائي وكل انتهاك موثق يتحول من حادثة منفردة إلى جزء من نمط سياسي متكامل. وهذه هي إحدى أكثر قواعد الصراع قسوة. القوة تستطيع فرض الوقائع لكنها لا تستطيع بالضرورة منح تلك الوقائع شرعية دائمة. وقد تتمكن دولة من السيطرة على الأرض سنوات طويلة لكنها لا تستطيع بالسهولة نفسها السيطرة على السجل القانوني والتاريخي الذي يتراكم حول تلك السيطرة. وفي الحالة الفلسطينية فإن المشكلة الإسرائيلية لا تتمثل فقط في خصم سياسي أو مقاومة مسلحة وإنما في تراكم ملف قانوني دولي بات أكثر اتساعا وتعقيدا من قدرة الخطاب السياسي التقليدي على احتوائه.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه إسرائيل ليس قرارا دوليا واحدا وإنما تحول النظرة إليها داخل المؤسسات الدولية وفي المجتمعات الغربية ومنظمات حقوق الإنسان والجامعات والنقابات والبرلمانات. فالشرعية السياسية ليست وثيقة واحدة وإنما شبكة من الاعترافات والمصالح والتصورات. وحين يبدأ جزء من هذه الشبكة في الانحلال تصبح تكلفة الدفاع عن السياسات الإسرائيلية أعلى من السابق. وهذا لا يعني انهيار إسرائيل كدولة ولا يعني أن المجتمع الدولي قرر محوها من الخريطة كما يروّج البعض وإنما يعني أن صورة إسرائيل بوصفها دولة ديمقراطية تخوض صراعا أمنيا استثنائيا تواجه اختبارا متزايدا أمام سردية قانونية مضادة ترى أن هناك نظاما بنيويا من السيطرة والتمييز والاحتلال. والفرق بين الروايتين ليس أخلاقيا فقط بل استراتيجي أيضا لأن الرواية التي تنتصر في المؤسسات الدولية قد تعيد تعريف طبيعة الصراع كله.
من منظور قانوني فإن القضية الأهم ليست المصطلح وحده بل النتائج التي يمكن أن تترتب على التوصيفات القضائية الدولية. فالقانون الدولي لا يكتفي بوصف الانتهاك وإنما يرتب عليه التزامات ومسؤوليات. وإذا ثبت أن دولة تنتهك قواعد آمرة في القانون الدولي فإن المسألة قد تتحول إلى مسؤولية دولية تتجاوز حدود العلاقة الثنائية بينها وبين الفلسطينيين. وهنا تظهر مفاهيم عدم الاعتراف بالوضع غير المشروع وعدم تقديم العون أو المساعدة في استمراره والتزامات الدول الأخرى تجاه احترام القانون الدولي. وهذه النقطة يمكن أن تكون ذات أثر سياسي بالغ لأنها تضع الدول الحليفة أمام معادلة أكثر تعقيدا. فالدعم السياسي والعسكري والاقتصادي لإسرائيل لم يعد قابلا للقراءة فقط باعتباره تحالفا استراتيجيا بل أصبح في بعض الحالات موضع مساءلة حول مدى توافقه مع الالتزامات القانونية الدولية. وكلما اتسعت هذه المساءلة ازدادت تكلفة الحماية الدبلوماسية.
والأكثر أهمية أن إسرائيل تواجه معضلة استراتيجية صنعتها سياساتها نفسها. فكلما توسعت المستوطنات تعقد حل الدولتين وكلما اتسع الاستيطان تراجعت إمكانية الفصل الجغرافي بين الإسرائيليين والفلسطينيين وكلما استمرت السيطرة العسكرية والإدارية على الأراضي الفلسطينية أصبح من الصعب تقديم الاحتلال باعتباره حالة مؤقتة. وهنا يتحول الزمن من حليف إلى خصم. الاحتلال الذي كان يمكن تسويقه في بداياته باعتباره وضعا أمنيا مؤقتا يصبح مع مرور العقود بنية سياسية واقتصادية وقانونية متكاملة. وعندما تصبح البنية أكثر رسوخا يصبح السؤال الدولي أكثر إلحاحا. هل نحن أمام احتلال مؤقت أم أمام نظام دائم للسيطرة؟ وهل يمكن لدولة أن تحتفظ بالسيطرة على شعب وأرض لعقود ثم تطلب من العالم التعامل مع الأمر باعتباره حالة استثنائية لا تخضع للقواعد المعتادة؟
وفي هذه اللحظة تحديدا ينبغي للفلسطينيين أن يتعاملوا مع المسار القانوني باعتباره أحد ميادين الصراع الاستراتيجي لا بديلا عن السياسة والمقاومة الشعبية والدبلوماسية. المعركة القانونية تحتاج إلى توثيق منهجي للانتهاكات وبناء ملفات قضائية متماسكة وتفعيل الدبلوماسية متعددة الأطراف وملاحقة المسؤولية الفردية حيث يسمح القانون الدولي بذلك وتعزيز الاعتراف بالدولة الفلسطينية واستخدام المؤسسات الدولية لتثبيت مبدأ عدم شرعية الاحتلال والاستيطان والضم. كما تحتاج إلى خطاب سياسي منضبط لا يخلط بين نقد دولة وسياساتها وبين استهداف شعب أو دين. فالقضية الفلسطينية تزداد قوة حين تقدم نفسها باعتبارها قضية حقوق وحرية وتقرير مصير ومساءلة قانونية لا باعتبارها معركة هوية مغلقة.
إن أخطر وهم استراتيجي يمكن أن تقع فيه إسرائيل هو الاعتقاد بأن التفوق العسكري يستطيع إلى الأبد تعطيل القانون والتاريخ. التجربة الدولية تثبت أن أنظمة السيطرة قد تبقى قوية لسنوات ثم تبدأ فجأة في فقدان شرعيتها السياسية والأخلاقية والقانونية بصورة متسارعة. وحين يتغير تعريف المشكلة يتغير ميزان القوة نفسه. فالقضية لم تعد فقط كيف تستطيع إسرائيل السيطرة على الأرض وإنما كيف تستطيع إقناع العالم بأن هذه السيطرة قابلة للاستمرار ضمن قواعد النظام الدولي. وهذا سؤال أصعب بكثير من أي معركة عسكرية.
لذلك فإن الحديث عن الأبارتهايد لا ينبغي أن يتحول إلى شعار عاطفي منفصل عن الدقة القانونية. والأدق أن يقال إن مؤسسات قضائية دولية وتقارير حقوقية متعددة درست سياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين وخلصت في حالات مختلفة إلى توصيفات تتعلق بالفصل العنصري أو التمييز المنهجي بحسب نطاق الدراسة والأساس القانوني المستخدم. أما القول إن محكمة العدل الدولية أعلنت أنها لم تعد تعترف بإسرائيل كدولة فهو غير صحيح. لكن المفارقة أن تصحيح هذه المعلومة لا يضعف القضية الفلسطينية بل يقويها. لأن المعركة الحقيقية ليست إسقاط دولة بمجرد حكم قضائي وإنما تحويل الاحتلال من واقع سياسي محمي بالقوة إلى مسألة قانونية دولية لا يمكن تطبيعها أو إخفاؤها أو التعامل معها باعتبارها أمرا أبديا.
وهنا يصبح التاريخ أكثر خطورة من الجغرافيا. فقد تستطيع إسرائيل التحكم في الأرض بقوة السلاح لكنها لا تستطيع وحدها التحكم في المعنى الذي سيمنحه العالم لهذه السيطرة. وإذا انتقلت القضية الفلسطينية من هامش السياسة إلى مركز القانون الدولي فإن قواعد اللعبة تتغير. وعندما يصبح الاحتلال نفسه موضع مساءلة يصبح الزمن الذي اعتمدت عليه إسرائيل لترسيخ الوقائع سلاحا ذا حدين. فقد تكون أخطر هزيمة سياسية لدولة ليست خسارة معركة عسكرية وإنما فقدان القدرة على إقناع العالم بأن ما تفعله طبيعي وقانوني وقابل للاستمرار. عند تلك النقطة يبدأ التحول الحقيقي من صراع على الأرض إلى صراع على الشرعية ومن معركة القوة إلى معركة الرواية والقانون والتاريخ.