مقالات

لماذا تتواصل واشنطن والوسطاء مع حركة حماس؟

لماذا تتواصل واشنطن والوسطاء مع حركة حماس؟


لماذا تتواصل واشنطن والوسطاء مع حركة حماس؟
الجواب الذي يتبادر للذهن لأن الأمر يتعلق بمفاوضات حول وقف إطلاق النار
في قطاع عزة وحركة حماس طرف في الحرب واتفاق وقف إطلاق النار وهي الحاضرة
في الميدان ولا بد من التفاوض والحوار معها، ولكن في رأيي أن الأمور أبعد
وأعمق من ذلك وهناك أسباب أخرى تتجاوز حسابات الميدان إلى نظرة سياسية
واقعية لكل الحالة الفلسطينية.
فمنذ سنوات وقبل الحرب الحالية، وفي محاولة لفهم سبب شعبية حركة حماس
وفصائل المقاومة في فلسطين وخارجها، وتراجع شعبية حركة فتح والسلطة،
وجدتُ ثلاثة أسباب مفسرة لذلك:
الأول: صعود جماعات الإسلام السياسي وانتشار الثقافة الدينية التي تتناسب
مع خطاب حماس السياسي .
والسبب الثاني: أن الناس عموماَ يقارنون بين جماعة تقاتل الاحتلال، وتقتل
من جنوده، وتقدم الشهداء، وجماعة أخرى—وهي حركة فتح—راهنت على السلام معه
وتوقفت عن العمل المسلح ولا يعنيهم الغوص في تفاصيل الخلافات الفلسطينية
الداخلية .
والثالث: قوة وتماسك حركة حماس تنظيمياَ، ووجود قرار ومرجعية واحدة،
مقابل الانقسامات والصراعات داخل حركة فتح، وتضارب المواقف والتصريحات،
وعدم احترام قرارات القيادة.
وجرى ما جرى بسبب ممارسات حماس وطوفانها، وتَمَّ قتل أغلب قادتها، ومع
ذلك لم يتغير إلا قليلاَ التفاوتُ في شعبية الحزبين داخلياَ وخارجياَ؛
ليس لأن نهج حماس صحيح—خصوصاَ بعد أن أبدت استعدادها للتخلي عن السلاح
وما تسببت به من موت ودمار في قطاع غزة —بل لأن حركة فتح لم تستغل أخطاء
حماس ومأزق الفصائل المسلحة لتطوير نفسها وإثبات حضورها، خصوصاَ في قطاع
غزة، بل ازدادت انقساماَ وتشرذماَ بعد مؤتمرها الثامن حتى داخل اللجنة
المركزية للحركة حتى بات المواطن لا يعرف ماذا تريد حركة فتح ومن ينطق
باسمها؟.
لم يقف الأمر عند نظرة الناس العاديين لحماس وحركة فتح، بل حتى دول عربية
وإقليمية، وحتى واشنطن—وبالرغم من رفضها للنهج المسلح لحماس وما قامت به
في 7 أكتوبر—ما زالت تتعامل مع حماس أكثر من تعاملها مع حركة فتح
والسلطة، وتحديداَ في قطاع غزة. والسبب في رأيي هو أن حركة فتح همّشت
نفسها، وقبلت أن تعيش على هامش الحياة في القطاع، وتقبل بعلاقة الدونية
ليس فقط مع حماس بل مع كل القوى الفاعلة في القطاع ليس تواضعا منها بل
لغياب قيادات وازنة يمكن أن يثق بها الشعب، فضلاً عن عدم فاعليتها في
الضفة الغربية وتحملها كل أوزار السلطة.
قد يقول قائل—وأنا منهم—إن واشنطن وإسرائيل تتعاملان مع حماس حتى تحافظا
على الانقسام، وأن حماس والإخوان صنيعة لهما وهذه حقيقة، ولكن ماذا
بالنسبة لمصر وتركيا وقطر؟ هل هم أيضًا شركاء في المؤامرة على الشعب
الفلسطيني؟
ما يفسر لنا استمرار هذا الحضور لحماس—كما تعكسه استطلاعات الرأي الأخيرة
حتى وإن كان فيها مبالغة—وما يفسر لقاء كوشنير بحماس في القاهرة قبل 3
أيام هو أن السياسة الواقعية للدول في تعاملها مع الأحداث التي تمس
مصالحها لا تُؤسس على مفاهيم الشرعيات التاريخية وحتى القانونية الرسمية
ولا على وطنية الأحزاب والكيانات السياسية، بل تتعامل مع من يملك القوة
والتأثير على مجريات الأمور حتى وإن كانت تختلف معهم. وفي ظل غياب حركة
فتح والسلطة وتهلهل منظمة التحرير، فإن حركة حماس—حتى كقوة متهمة
بالإرهاب وسببت الدمار والموت لأهالي القطاع ولكل القضية—هي الطرف الأقوى
والأكثر حضوراَ في قطاع غزة المدمر خصوصاَ بعد تشكيل تحالف مع فصائل
عديدة مثل الجبهتين الشعبية والديمقراطية والمبادرة المنشقين عن منظمة
التحرير الفلسطينية والتيار الإصلاحي المنشق عن حركة فتح وقوى أخرى،
وحركة حماس مستعدة للتعامل بما يسميها البعض (براغماتية) مشوهة مع كل ما
تطرحه واشنطن وتل أبيب، وعلى هذا الأساس تتعامل هذه الأطراف الدولية معها
حتى وهم يعلمون أن هذا التعامل لن يكون لصالح الشعب الفلسطيني.