بين الوساطة والتصعيد: حدود المناورة الإسرائيلية تجاه قطر
خطوط حمراء وحسابات ردع..
عواصم: تتصاعد حدة الخطاب الإسرائيلي تجاه قطر مع اقتراب الانتخابات، وسط دعوات إلى إعادة تعريف العلاقة مع الدوحة وتصنيفها «دولة عدو»، إلا أن شبكة المصالح والاعتماد المتبادل التي تشكلت بين الطرفين على مدى عقود تجعل الانتقال من الخصومة السياسية إلى العداء الرسمي أمرًا أكثر تعقيدًا.
وبحسب مقال تحليلي نشرته مجلة Foreign Policy في 13 أغسطس 2026، للباحث روب غايست بينفولد، محاضر الأمن الدولي في كينجز كوليدج لندن، فإن إسرائيل وقطر، رغم تصاعد العداء العلني بينهما، لا تزالان بحاجة إلى بعضهما البعض، خصوصًا في الملفات المرتبطة بقطاع غزة وحركة حماس ومستقبل الترتيبات الإقليمية المحيطة به.
قطر في قلب الانتخابات الإسرائيلية
أصبحت العلاقة مع قطر واحدة من القضايا الحاضرة بقوة في موسم انتخابي إسرائيلي محتدم. فقد دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت، الذي يسعى إلى إزاحة بنيامين نتنياهو في انتخابات أكتوبر، إلى تصنيف قطر «دولة عدو»، في وقت تحولت فيه علاقات الدوحة بحماس إلى إحدى القضايا القليلة التي تجمع قطاعات واسعة من مؤيدي نتنياهو ومعارضيه على حد سواء.
لكن بينفولد يرى أن الخطاب السياسي لا يعكس بالضرورة حقيقة المصالح القائمة. فإسرائيل استخدمت الدوحة لأكثر من عقد قناة اتصال مع حماس، بينما تحتاج قطر بدورها إلى إبقاء قنواتها مع إسرائيل مفتوحة، على الأقل على مستوى النخب السياسية والأمنية، إذا أرادت الاحتفاظ بدورها في مستقبل غزة.
علاقة تعود إلى التسعينيات
العلاقة القطرية-الإسرائيلية لم تبدأ مع ملف غزة أو حماس. ففي تسعينيات القرن الماضي كانت قطر من أكثر دول الخليج انفتاحًا على إسرائيل، وسمحت عام 1995 بافتتاح مكتب تجاري إسرائيلي، قبل أن يزور رئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيريز الدوحة في العام التالي.
ورغم تراجع العلاقات بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، استمرت الاتصالات، ووصلت إلى حد مشاركة وزيرة الخارجية الإسرائيلية آنذاك تسيبي ليفني في مؤتمر بالدوحة عام 2008، في إطار محاولات إسرائيل بناء علاقات مع ما كانت تصفه بـ«الدول العربية المعتدلة».
حماس غيّرت مسار العلاقة
شكّلت سيطرة حماس على قطاع غزة عام 2007 نقطة تحول رئيسية. ففي حين نظرت واشنطن وإسرائيل إلى التطور باعتباره أزمة أمنية وسياسية، تعاملت قطر معه باعتباره فرصة لتوسيع دورها الدبلوماسي والإقليمي.
وأصبح أمير قطر آنذاك أول زعيم يزور قطاع غزة بعد سيطرة حماس، قبل أن تتحول الدوحة إلى أحد أكبر الممولين الخارجيين لإعادة إعمار القطاع وتقديم الدعم الإنساني، خصوصًا بعد حربي 2012 و2014.
ويشير المقال إلى أن مسؤولين قطريين يؤكدون أن أكثر من مليار دولار استثمرتها الدوحة في غزة لم تُحوّل مباشرة إلى حماس، وأن قطر عملت لاحقًا على تغيير آليات إيصال الأموال من الحقائب النقدية إلى التحويلات المصرفية بعد اتهامات للحركة باقتطاع جزء من المبالغ.
غير أن النقطة الأكثر أهمية، وفق الكاتب، تتمثل في أن الدور القطري جرى بعلم وموافقة كل من إسرائيل والولايات المتحدة. فقد وافقت قطر عام 2012 على استضافة القيادة السياسية لحماس في المنفى بطلب من إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، كما أرسل نتنياهو رئيس الموساد آنذاك يوسي كوهين إلى الدوحة عام 2020 لإقناع القطريين بمواصلة المدفوعات إلى غزة.
7 أكتوبر يهدم قواعد اللعبة
أدت هجمات 7 أكتوبر 2023 إلى انهيار الافتراضات التي قامت عليها هذه المعادلة. فقد تخلت إسرائيل عن فكرة إمكانية احتواء حماس، في حين تعرض الافتراض القطري بأن الانخراط مع الحركة قد يدفعها نحو الاعتدال إلى ضربة قوية.
ومع ذلك، أظهرت الحرب اللاحقة في الوقت نفسه القيمة العملية لعلاقات قطر بحماس. فمصداقية الدوحة وقنوات اتصالها مع الحركة، إلى جانب علاقاتها مع إسرائيل والولايات المتحدة، أتاحت لها لعب دور دبلوماسي محوري ساهم، وفق المقال، في التوصل إلى وقفي إطلاق نار.
«قطرغيت» وضربة الدوحة
دخلت العلاقات مرحلة أكثر توترًا مع تفجر فضيحة «قطرغيت» مطلع عام 2025، بعد تقارير إعلامية إسرائيلية أفادت بأن عددًا من مساعدي نتنياهو تلقوا أموالًا من قطر للترويج لصورتها ومصالحها خلال عملهم في مكتب رئيس الوزراء، وهي اتهامات تنفيها الدوحة.
وربطت القضية بين ملفات الفساد المحيطة بنتنياهو والعلاقات مع ممولين أجانب، وبين سياسة حكومته تجاه دولة ترتبط بعلاقات وثيقة مع حماس.
وفي سبتمبر 2025 وصلت الأزمة إلى ذروتها عندما نفذت إسرائيل ضربة في الدوحة استهدفت قادة من حماس كانوا مجتمعين، بحسب المقال، لمناقشة مقترح لوقف إطلاق النار.
ضربة لم تنه العلاقة
على الرغم من الطبيعة غير المسبوقة للضربة، فإنها لم تؤد إلى قطع العلاقة بصورة نهائية. فلم تنفذ قطر تهديداتها بإنهاء دورها كوسيط، وبعد نحو شهر أعلن المفاوضون خطة سلام خاصة بغزة.
وفي الداخل الإسرائيلي، لم تنجح أيضًا محاولة تحويل العداء السياسي إلى سياسة رسمية شاملة، إذ هُزم في الكنيست اقتراح لتصنيف قطر «دولة عدو». ويعتبر الكاتب أن ذلك يعكس استمرار ما يصفه بـ«الغموض البنّاء» الذي حكم العلاقات القطرية-الإسرائيلية تاريخيًا.
خصومة لا تلغي الحاجة المتبادلة
يخلص بينفولد إلى أن أي حكومة إسرائيلية مقبلة ستواجه رأيًا عامًا أكثر عداءً لقطر، لكنها ستجد في الوقت ذاته صعوبة في التخلي عن الحوار معها، بالنظر إلى الدور الذي تلعبه الدوحة في عدد من الملفات الإقليمية، وفي مقدمتها غزة، إلى جانب لبنان وسوريا.
وفي المقابل، تحتاج قطر إلى إبقاء قنواتها مع إسرائيل مفتوحة إذا أرادت المحافظة على موقعها في الترتيبات السياسية والدبلوماسية المتعلقة بمستقبل غزة.
وبذلك تبدو العلاقة بين الطرفين محكومة بتناقض أساسي: فكلما ازداد الخطاب السياسي عدائية، بقيت المصالح العملية تدفع باتجاه استمرار قنوات الاتصال. ومن وجهة نظر الكاتب، فإن هذه الحاجة المتبادلة هي السبب الأساسي الذي يجعل تحول قطر إلى «دولة عدو» بالنسبة لإسرائيل احتمالًا مستبعدًا، حتى في ظل واحدة من أكثر مراحل العلاقة توترًا.