مقالات

ظل الشوارع الخلفية: كيف تدير طهران عمليات الإرهاب العابر للحدود عبر عصابات الجريمة المنظمة؟

ظل الشوارع الخلفية: كيف تدير طهران عمليات الإرهاب العابر للحدود عبر عصابات الجريمة المنظمة؟

تشكّل محاولات الاختراق الأمني العابرة للحدود التي تستهدف الدول الأوروبية تحولاً جذرياً في طبيعة الصراعات الاستراتيجية المعاصرة، حيث لم تعد المواجهة محصورة بين أجهزة الاستخبارات التقليدية، بل تجاوزتها لتتداخل مع شبكات الجريمة المنظمة العابرة للقارات، مما يفرض إعادة نظر شاملة في مفاهيم الردع والأمن القومي.

أبعاد التحول الاستراتيجي في العقيدة الأمنية

في سياق تفكيك البنية الهيكلية للسياسات الإقليمية التي تتبعها طهران، تبرز التقارير والمتابعات الدولية المستقلة، ومنها تحليلات السياسي البارز ستروان ستيفنسون، لتسلط الضوء على تحول خبيث في استراتيجية العنف العابر للحدود. فعوضاً عن الاعتماد الحصري على العناصر الدبلوماسية الرسمية أو الوحدات الاستخباراتية المكشوفة، عمد النظام الإيراني إلى تفويض العنف واستغلال العصابات الجنائية وشبكات تجارة المخدرات في الساحة الأوروبية. وتتجلى هذه الاستراتيجية بوضوح في قضية الشاب النرويجي يوهانيس ناتلاند، الذي أُدين بالتآمر لتنفيذ عملية اغتيال مأجورة في المملكة المتحدة لصالح شبكة "فوكستروت" الإجرامية السويدية المرتبطة بطهران، وهو ما يعد دليلاً قاطعاً على نقل إرهاب الدولة إلى الشوارع الأوروبية عبر وسطاء جنائيين محترفين.

شبكات الوكالة الجنائية وسجل العمليات العابرة للحدود

لا يمكن قراءة هذه الحوادث باعتبارها قضايا جنائية معزولة أو انحرافات فردية، بل تندرج ضمن سجل متصاعد من العمليات الإرهابية المنظمة التي رصدتها الأجهزة الأمنية الغربية. ويشهد على ذلك محاولة اغتيال أليخو فيدال كوادراس، النائب السابق لرئيس البرلمان الأوروبي والمدافع البارز عن حقوق الإنسان، أمام منزله في مدريد عبر شبكة إجرامية مرتبطة بطهران. كما تتطابق هذه المنهجية مع مؤامرة الدبلوماسي أسد الله أسدي، الذي أدين بنقل متفجرات على متن طائرة تجارية لاستهداف تجمعات المعارضة قرب باريس مستغلاً حصانته الدبلوماسية. إن هذه الوقائع تثبت استخدام ما يُعرف بـ دبلوماسية الرهائن وافتعال الابتزاز السياسي، حيث تُستغل قضايا الأجانب وأصحاب الجنسيات المزدوجة كأوراق ضغط ومقايضة لإطلاق سراح العناصر الإرهابية المدانة في الغرب.

التضليل الإعلامي واختراق المجتمعات المضيفة

إلى جانب العمليات الميدانية، تواجه الدول الأوروبية حرباً سياسية وتضليلاً إعلامياً ممنهجاً تهدف طهران من خلاله إلى اختراق مراكز الفكر والجامعات ووسائل الإعلام الغربية، بغية تشويه البديل الديمقراطي وطمس الحقائق. وقد أشارت تقارير الاستخبارات البريطانية إلى إحباط أكثر من عشرين مؤامرة مدعومة من طهران منذ عام 2022، مما يجعلها أحد أكبر التهديدات الأمنية الوطنية المباشرة للمملكة المتحدة. هذا الواقع الاستخباراتي والسياسي المعقد يضع العواصم الأوروبية أمام اختبار حقيقي يتطلب تجاوز سياسات الاحتواء التقليدية والانتقال إلى مرحلة المواجهة الحاسمة.

آفاق الردع الاستراتيجي والخطوات الحاسمة

إن مواجهة هذه التهديدات المتشعبة تستوجب منظومة ردع متكاملة تتجاوز الإجراءات الروتينية. وفي هذا السياق، تبرز مطالبات جادة وحاسمة تتلخص في ضرورة حظر حرس النظام الإيراني كمنظمة إرهابية دولية وتفكيك شبكاته المالية المعقدة التي تتغذى عليها عصابات الجريمة المنظمة. كما تشمل الإجراءات الواجبة إغلاق السفارات المتورطة في التجسس والدعم العملياتي وطرد الدبلوماسيين الذين يثبت تورطهم في أعمال خارجة عن الأعراف الدولية. علاوة على ذلك، يظل تأسيس تعاون استخباري أوروبي وثيق أمراً لا غنى عنه لمواجهة القمع العابر للحدود، وحماية المعارضين والأنشطة الديمقراطية، وصيانة الأمن القومي الأوروبي من خطر تمدد شبكات الوكالة الإجرامية.