مقالات

أصداء الميادين العابرة للحدود: تدويل القضية الإيرانية ومحاصرة الاستبداد

أصداء الميادين العابرة للحدود: تدويل القضية الإيرانية ومحاصرة الاستبداد

تشهد الساحة الدولية في المرحلة الراهنة حراكاً سياسياً وحقوقياً غير مسبوق تقوده الجاليات الإيرانية وأنصار المعارضة في كبرى العواصم الغربية، متزامناً بصورة مباشرة مع تصاعد الانتفاضة الداخلية وحملات العصيان المدني المستمرة ضد ماكينة الإعدامات التي تدار بأوامر عليا. ولا يقتصر هذا الحراك الواسع على مجرد إحياء الذكرى الثامنة والثلاثين لمجزرة عام 1988 التي راح ضحيتها ثلاثون ألف سجين سياسي فحسب، بل يمتد ليمثل ضغطاً استراتيجياً متكاملاً يعري هشاشة نظام الولي الفقيه ويقوض شرعيته أمام الرأي العام العالمي، مما يعكس تحولاً جذرياً في ديناميات الصراع القائم بين الشارع الإيراني الثائر وسلطة القمع المطلق.

ذاكرة الدم وحصانة الرفض: إحياء مجزرة عام 1988 أوروبياً

شهدت العواصم الأوروبية، وفي مقدمتها باريس ومدن إسكندنافية كبرى مثل كوبنهاغن وستوكهولم وغوتنبرغ، تظاهرات حاشدة ومعارض توثيقية نظمتها الجاليات ومؤيدو المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية. ركزت هذه الفعاليات النوعية على تسليط الضوء على جرائم الإعدام التعسفية، واستهداف الشباب في الميادين، فضلاً عن الانتهاكات الجسيمة بحق المعتقلين داخل السجون، بمشاركة لافتة من برلمانيين وحقوقيين دوليين وممثلين عن مختلف التيارات السياسية. وقد أجمعت هذه التجمعات على أن الإعدام خارج نطاق القضاء يعد جريمة حرب لا تسقط بالتقادم، مطالبة بتشكيل محاكم دولية مستقلة لمحاسبة المسؤولين عن الجرائم ضد الإنسانية في طهران، ومؤكدة على وحدة كافة القوميات الإيرانية في مواجهة الترسانة القمعية لـ أجهزة حرس النظام الإيراني.  

اختراق الحصار الدبلوماسي: محطة تورونتو وتوسيع جبهة التضامن

على الصعيد الدبلوماسي في القارة الأمريكية، احتضنت مدينة تورونتو الكندية تجمعاً حاشداً شارك فيه وزراء سابقون وخبراء بارزون في القانون الدولي وحقوق الإنسان، أشادوا بالاعتراف الرسمي الصادر عن البرلمان الكندي بمجزرة عام 1988 كجريمة ضد الإنسانية. طالب المشاركون الأمم المتحدة والحكومات الغربية باتخاذ عقوبات اقتصادية وقانونية صارمة لكسر جدار الإفلات من العقاب الذي يتمتع به قادة النظام، معلنين تأييدهم التام لـ خطة النقاط العشر التي طرحها المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية بوصفها الإطار الحقوقي والديمقراطي الأمثل لبناء مستقبل حر وآمن يحترم سيادة القانون ويفصل الدين عن الدولة بشكل تام.

إسناد الداخل وكسر التعتيم الإعلامي

لم تقتصر هذه الفعاليات المتنوعة على التظاهرات السياسية والمهرجانات الخطابية فحسب، بل امتدت لتشمل حملات تضامن ميدانية واسعة دعماً لشبكة سيماي آزادي الفضائية المستقلة بهدف كسر الحصار الإعلامي الممنهج المفروض على المجتمع الإيراني، بالتوازي مع تنظيم معارض توعوية وعرائض موجهة للأمم المتحدة في سويسرا وبريطانيا. وتتزامن هذه الجهود المضنية مع استمرار الأسبوع الثالث والثلاثين بعد المئة من حملة ثلاثاءات لا للإعدام داخل مختلف السجون الإيرانية، مما يثبت بما لا يدع مجالاً للشك تكامل النضال الميداني في الداخل مع التحركات الدبلوماسية الخارجة عن سيطرة أجهزة الرقابة الحكومية.

أفق البديل الديمقراطي وسقوط خيارات الاستبداد

يؤكد هذا التناغم العابر للحدود نضج الحراك المناهض للاستبداد وقدرته التنظيمية على حشد الدعم الدولي لتشكيل طوق سياسي عازل لنظام الولي الفقيه. إن الرفض القاطع لكل من الاستبداد الديني ومحاولات إعادة إنتاج النظام البهلوي البائد، إلى جانب التفاف مختلف القوميات حول مشروع بديل ديمقراطي غير نووي، يبرهن على أن سياسة المشانق لم تنجح في ترهيب الداخل أو كسر إرادة التغيير. وتؤكد هذه المعطيات الاستراتيجية المتكاملة أن دماء شهداء الانتفاضات ومجزرة عام 1988 باتت بوصلة موحدة تفكك منظومة القمع وتؤسس لحتمية الانتقال نحو جمهورية ديمقراطية تكفل حقوق الجميع.