انجذاب أمريكا القاتل نحو الحرب: لماذا يسهل على واشنطن بدء الحروب ويصعب عليها إنهاؤها؟
واشنطن: تجادل الباحثة الأمريكية إيما آشفورد بأن المشكلة في ميل الولايات المتحدة المتكرر إلى خوض الحروب لا تكمن بالضرورة في شخصية الرئيس الموجود في البيت الأبيض أو في توجهاته الأيديولوجية، بقدر ما ترتبط ببنية سياسية ومؤسسية تراكمت على مدى عقود، وجعلت اللجوء إلى القوة العسكرية خياراً سهلاً للرؤساء الأمريكيين، فيما جعلت إنهاء الحروب أكثر صعوبة وتعقيداً.
وفي مقال تحليلي نشرته مجلة Foreign Affairs في 12 أغسطس/آب 2026 بعنوان «انجذاب أمريكا القاتل نحو الحرب»، ترى آشفورد، الزميلة الأولى في برنامج الاستراتيجية الكبرى بمركز ستيمسون، أن حرب إيران تمثل أحدث مثال على هذا الخلل البنيوي، إذ تكشف الفجوة بين الخطاب الأمريكي الداعي إلى تقليص التدخلات الخارجية وبين الحوافز السياسية والعسكرية التي تدفع الإدارات المتعاقبة إلى التورط في صراعات جديدة.
من تقليص الالتزامات إلى حرب جديدة
تنطلق آشفورد من مفارقة أساسية تتعلق بإدارة الرئيس دونالد ترامب. فقد جاءت استراتيجية الأمن القومي الأمريكية لعام 2025 بخطاب مختلف نسبياً عن الاستراتيجيات السابقة، إذ أقرت بأن مصالح الولايات المتحدة محدودة وينبغي ترتيبها وفق الأولوية، وذهبت إلى حد الإعلان أن زمن هيمنة الشرق الأوسط على السياسة الخارجية الأمريكية قد انتهى.
لكن التطورات اللاحقة، بحسب المقال، أظهرت أن واشنطن لم تتمكن من الالتزام بهذه الرؤية طويلاً، إذ وجدت نفسها مجدداً منخرطة في حرب إقليمية واسعة ضد إيران، في نموذج يعكس صعوبة ترجمة خطاب تقليص الالتزامات الخارجية إلى سياسة عملية.
وبعد ستة أشهر من عملية «الغضب الملحمي»، تشير آشفورد إلى أن النظام الإيراني لا يزال قائماً، فيما توسعت قدرة طهران على تهديد الملاحة في مضيق هرمز، واستُنزف جزء كبير من مخزون الولايات المتحدة من الذخائر الدقيقة، كما تعرضت قواعد أمريكية في المنطقة لأضرار.
وترى الكاتبة أن هذه النتيجة تكشف مشكلة متكررة في السياسة الأمريكية: القدرة على تحقيق نجاحات عسكرية وتكتيكية سريعة لا تعني بالضرورة القدرة على تحويلها إلى نتائج استراتيجية مستدامة.
لماذا يسهل على الرئيس الأمريكي بدء الحرب؟
تحدد آشفورد مجموعة من العوامل التي تجعل النظام السياسي الأمريكي مهيأً لاستخدام القوة العسكرية.
في مقدمتها تراجع الدور الفعلي للكونغرس في قرارات الحرب. فبحسب المقال، لم يصدر الكونغرس تفويضاً جديداً لاستخدام القوة العسكرية منذ عام 2002، كما لم تعلن الولايات المتحدة حرباً رسمياً منذ الحرب العالمية الثانية، رغم أن الدستور يمنح الكونغرس سلطة إعلان الحرب.
ومع تراكم الممارسة التنفيذية خلال العقود الماضية، أصبحت السلطة الفعلية لبدء العمليات العسكرية أكثر تمركزاً في البيت الأبيض، الأمر الذي خفّض القيود السياسية والمؤسسية المفروضة على قرار استخدام القوة.
العامل الثاني يتمثل في الانتشار العسكري الأمريكي الواسع حول العالم. فشبكة القواعد والقوات المنتشرة في مناطق مختلفة تمنح الرئيس قدرة فورية على التدخل، لكنها في الوقت نفسه تخلق مبررات جديدة للتصعيد عندما تتعرض القوات الأمريكية للخطر.
وتشير آشفورد في هذا السياق إلى المفارقة التي تنشأ عندما يتحول وجود القوات الأمريكية في منطقة متوترة من وسيلة للردع إلى سبب إضافي للتدخل العسكري، بحيث يصبح الدفاع عن القوات المنتشرة مسبقاً مبرراً لتوسيع الصراع.
أما العامل الثالث، وفق تحليلها، فيتعلق بالبيئة السياسية والإعلامية الأمريكية، التي تميل خلال المراحل الأولى من الأزمات إلى مكافأة الحزم والتصعيد، فيما يمكن تصوير التراجع أو الانسحاب لاحقاً باعتباره ضعفاً أو هزيمة.
ويضاف إلى ذلك دور الحلفاء الإقليميين الذين قد تكون لديهم مصالح خاصة في دفع واشنطن نحو مواجهة خصومهم، مستفيدين من علاقاتهم السياسية والأمنية مع الولايات المتحدة ومن الانتشار العسكري الأمريكي القريب منهم. ويجمع المقال هذه العناصر ضمن أربعة محركات بنيوية أساسية لانجذاب واشنطن المتكرر إلى الحروب.
عندما يصبح الخروج أصعب من الدخول
المشكلة، وفق آشفورد، لا تقتصر على سهولة بدء الحرب، بل تمتد إلى الآليات التي تجعل إنهاءها بالغ الصعوبة.
فالجدل السياسي الأمريكي يميل، بحسب المقال، إلى تفسير الإخفاقات العسكرية باعتبارها نتيجة نقص في الموارد أو خطأ في التكتيكات، بدلاً من التساؤل عما إذا كانت الأهداف السياسية الأصلية للحرب قابلة للتحقيق أساساً.
وتستخدم الكاتبة حرب العراق مثالاً على ذلك، مشيرة إلى أن جزءاً من الخطاب الأمريكي حمّل انسحاب إدارة باراك أوباما مسؤولية صعود تنظيم «داعش»، بدلاً من إعادة النظر في قرار غزو العراق عام 2003 وما ترتب عليه من انهيار سياسي وأمني.
ويظهر المنطق نفسه، وفق المقال، عندما ترفض الإدارات الأمريكية تسويات سياسية متاحة أملاً في تحقيق نتائج أكثر شمولاً عبر القوة العسكرية.
وفي حالة إيران، تقول آشفورد إن طهران قدمت قبيل اندلاع الحرب عرضاً يتضمن وقف التخصيب المحلي، ونقل مخزون اليورانيوم المخصب، والسماح بعودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلا أن الإدارة الأمريكية رفضت العرض وراهنت على تحقيق «نصر مطلق».
وبحسب الكاتبة، تكمن المشكلة هنا في أن السعي إلى نتيجة مثالية قد يؤدي إلى رفض تسوية أقل طموحاً لكنها قابلة للتحقيق، ثم تجد الإدارة نفسها لاحقاً أمام حرب أكثر تكلفة من الاتفاق الذي رفضته في البداية.
المواطن الأمريكي بعيد عن كلفة الحرب
تولي آشفورد أهمية خاصة للتغير الذي طرأ على العلاقة بين المجتمع الأمريكي والحروب الخارجية.
فمنذ الانتقال إلى جيش تطوعي بالكامل، ومع التطور التكنولوجي الذي يسمح بخوض عمليات عسكرية باستخدام أعداد أقل من الجنود الأمريكيين، أصبحت غالبية المواطنين أقل تعرضاً بصورة مباشرة لتكاليف الحرب البشرية.
وهذا يعني أن الحروب الخارجية لم تعد تفرض على المجتمع الأمريكي الأعباء المباشرة التي كانت تفرضها حروب كبرى مثل فيتنام، عندما كان التجنيد الإجباري يجعل قطاعات واسعة من المجتمع مرتبطة شخصياً بالحرب.
وفي حرب إيران، ترى الكاتبة أن أكثر الآثار الملموسة التي شعر بها المواطن الأمريكي تمثلت في الاقتصاد، ولا سيما التضخم، الذي يشير المقال إلى أنه ارتفع نقطتين مئويتين ليصل إلى 4.8% في مايو/أيار قبل أن يتراجع لاحقاً إلى 3.5%.
وتعتبر آشفورد أن هذا الانفصال بين حجم الحرب في الخارج وحجم تأثيرها المباشر في حياة الأمريكيين يضعف قدرة الرأي العام على تشكيل قوة سياسية رادعة للتدخلات العسكرية.
ومع ذلك، تظهر مؤشرات على تراجع التأييد الشعبي. إذ يستشهد المقال باستطلاع أجرته واشنطن بوست وإبسوس في يوليو/تموز، أظهر أن حرب إيران أصبحت غير شعبية لدى الأمريكيين بمستوى يقارن بعدم شعبية حرب فيتنام في عامها السادس.
التكلفة الأكبر قد تكون في آسيا
لا تحصر آشفورد مخاطر هذا النمط في الشرق الأوسط، بل تربطه بالمنافسة الاستراتيجية الأوسع للولايات المتحدة مع الصين وروسيا.
فالحروب التي تبدو محدودة جغرافياً تستهلك ذخائر ومنظومات وموارد مالية وعسكرية كان يمكن تخصيصها لأولويات استراتيجية أخرى.
ويبرز المقال بصورة خاصة استنزاف مخزون الذخائر الدقيقة، محذراً من أن استمرار استخدام الموارد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط يمكن أن يقلص قدرة واشنطن على التعامل مع أزمة محتملة في شرق آسيا.
وتذهب آشفورد إلى حد القول إن الجدل الأمريكي حول الدفاع عن تايوان قد يُحسم عملياً بفعل استنزاف القدرات العسكرية، وليس نتيجة قرار سياسي واعٍ بشأن ما إذا كان ينبغي للولايات المتحدة الدفاع عن الجزيرة أم لا.
وبهذا المعنى، تصبح تكلفة الحروب الهامشية أكبر من نتائجها المباشرة، لأنها تقيد حرية الولايات المتحدة في تحديد أولوياتها المستقبلية وتفرض عليها خيارات استراتيجية لم تتخذها بصورة متعمدة.
كيف يمكن كسر الحلقة؟
لا تكتفي آشفورد بتشخيص المشكلة، بل تقترح مجموعة من الإصلاحات المؤسسية التي تعتقد أنها يمكن أن تعيد التوازن إلى عملية اتخاذ قرار الحرب.
ومن بين هذه الإجراءات تقليص بعض القواعد العسكرية الأمامية، واستعادة الكونغرس لدوره في الرقابة على استخدام القوة عبر رفض التمويل الطارئ للحروب الجديدة، وتشديد الرقابة على تعيين مسؤولين شاركوا في قرارات تدخل عسكري سابقة.
كما تقترح حظر تداول أعضاء الكونغرس لأسهم شركات الصناعات الدفاعية، ووضع قيود على ظاهرة «الباب الدوار» التي ينتقل من خلالها كبار المسؤولين العسكريين بين المناصب الحكومية وشركات الدفاع.
وتقوم الفكرة الأساسية وراء هذه المقترحات على إعادة توزيع الحوافز السياسية والاقتصادية المحيطة بقرار استخدام القوة، بحيث تصبح تكلفة بدء الحرب السياسية والمؤسسية أعلى مما هي عليه حالياً.
أزمة بنيوية تتجاوز هوية الرئيس
الخلاصة المركزية التي يقدمها مقال Foreign Affairs هي أن تفسير الحروب الأمريكية من خلال شخصية الرئيس وحدها يحجب المشكلة الأعمق.
فترامب، الذي قدم نفسه باعتباره رئيساً يسعى إلى إنهاء «الحروب الأبدية»، انتهى به الأمر، وفق قراءة آشفورد، إلى التورط في حرب جديدة، تماماً كما واجه رؤساء سابقون التناقض بين وعود تقليص التدخلات الخارجية ومتطلبات النظام السياسي والأمني القائم.
ومن هذا المنظور، فإن تبديل الرئيس أو الحزب الحاكم لا يكفي بالضرورة لتغيير السياسة الخارجية الأمريكية، لأن شبكة الحوافز المؤسسية والعسكرية والسياسية والإعلامية التي تجعل التدخل جذاباً لا تزال قائمة.
لكن هذه القراءة تمثل أيضاً موقعاً فكرياً محدداً داخل النقاش الأمريكي. فآشفورد تنتمي إلى مدرسة «ضبط النفس» في السياسة الخارجية، التي تدعو إلى تقليص الانتشار العسكري الأمريكي والحد من التدخلات الخارجية، في مواجهة مدارس أخرى ترى أن استمرار الحضور العسكري الأمريكي الواسع ضروري للردع وحماية الحلفاء والمحافظة على النظام الدولي.
لذلك، فإن أهمية المقال لا تكمن فقط في انتقاده حرب إيران، بل في طرحه سؤالاً أكثر اتساعاً: هل تستطيع الولايات المتحدة بالفعل اختيار الحروب التي تخوضها والأولويات التي تركز عليها، أم أن المؤسسات والحوافز التي بنتها خلال عقود أصبحت تدفعها إلى استخدام القوة حتى عندما تتعارض تلك الحروب مع أولوياتها الاستراتيجية بعيدة المدى؟