أخبار

صعود أنطوان صحناوي: إمبراطورية المال والإعلام والسياسة في مواجهة التحقيقات

صعود أنطوان صحناوي: إمبراطورية المال والإعلام والسياسة في مواجهة التحقيقات

بيروت: تكشف سلسلة التحقيقات الاستقصائية التي نشرتها صحيفة L’Orient-Le Jour، وأعدها الصحافيان كارولين حايك وسيريل نيم، صورة موسعة لأنطوان صحناوي، رئيس مجلس إدارة الشركة العامة للمصارف في لبنان (SGBL)، بوصفه أحد أبرز مراكز النفوذ في لبنان، عبر شبكة تمتد من القطاع المصرفي إلى الإعلام والسياسة والعلاقات الدولية، وصولًا إلى ملفات أثارت جدلًا واسعًا تتعلق بعلاقاته مع إسرائيل والولايات المتحدة. ويستند التقرير إلى عشرات الوثائق والشهادات التي جُمعت ضمن مشروع Forbidden Stories.

من وريث لعائلة مصرفية إلى مركز نفوذ مالي

تعود جذور عائلة صحناوي إلى أنطوان صحناوي الجد، الذي انتقل من ريف دمشق إلى بيروت خلال الانتداب الفرنسي، وأسّس البنك البلجيكي اللبناني عام 1953، كما شارك في تأسيس شركة “لبنان للطيران” واستثمر في قطاعات الإسمنت والكيميائيات، قبل أن يدخل الحياة السياسية نائبًا ووزيرًا للبريد والبرق والهاتف عام 1964.

بعد وفاته، انتقلت الإمبراطورية المالية إلى أبناء شقيقه نيقولا، وفي مقدمتهم نبيل وموريس صحناوي، قبل أن يخوض أنطوان صحناوي، نجل نبيل، صراعًا داخليًا انتهى بإعادة رسم موازين القوى داخل المجموعة بين عامي 2005 و2007، ليُنتخب في أكتوبر/تشرين الأول 2007 رئيسًا لمجلس إدارة SGBL وهو في الخامسة والثلاثين من عمره، بعدما أصبحت العائلة تسيطر على 81% من رأسمال المصرف.

حادثة “ميزون بلانش”.. بداية الجدل

تعتبر حادثة ملهى Maison Blanche في بيروت عام 2010 إحدى أبرز المحطات التي رافقت اسم صحناوي. فبحسب التحقيق، غادر صحناوي لبنان بطائرة خاصة بعد ساعات من إطلاق النار داخل الملهى، في وقت كانت مذكرة توقيف تستعد للصدور بحقه، قبل أن يعود بعد انتهاء مفعولها ويُخلى سبيله.

وتشير الرواية إلى أن إطلاق النار وقع بعد خلاف مع رجل الأعمال مازن زين، الذي أصيب بجروح خطيرة، فيما أثارت القضية ضجة سياسية دفعت النائب ميشال عون آنذاك إلى تشبيه الأجواء بـ”شيكاغو عام 1935”، مع تأكيده أنه لا يعتبر ما حدث من “طبع العائلة”.

توسع مصرفي دولي

مع ازدهار القطاع المصرفي اللبناني، توسعت SGBL خارج لبنان بصورة لافتة.

ففي عام 2017 استحوذ صحناوي على Pikes Peak National Bank في ولاية كولورادو الأمريكية، ثم اشترى في 2018 مصرفي Richelieu Banque في فرنسا وKBL Monaco، معلنًا تأسيس منصة مصرفية دولية جديدة باسم Compagnie Financière Richelieu (CFR) لإدارة شبكة أعماله المالية الدولية.

صفقة بنك لبنان الكندي

يخصص التحقيق مساحة واسعة لصفقة شراء أصول بنك لبنان الكندي (LCB) بعد اتهامه أمريكيًا عام 2011 بالمساهمة في غسل أموال مرتبطة بحزب الله.

وبحسب التقرير، اختار حاكم مصرف لبنان آنذاك رياض سلامة أنطوان صحناوي للاستحواذ على أصول البنك مقابل 580 مليون دولار. كما استعان صحناوي بوزير العدل الأمريكي الأسبق جون أشكروفت لإجراء تدقيق مستقل كشف نحو 200 حساب مشبوه، وهو ما لقي إشادة من مساعد وزير الخزانة الأمريكي دانيال غليزر، الذي أصبح لاحقًا مستشارًا لدى مجموعة صحناوي.

أرباح ضخمة من “الهندسات المالية”

خلال الهندسات المالية التي نفذها مصرف لبنان عام 2016، والتي تجاوزت قيمتها 12 مليار دولار، جاءت SGBL في المرتبة الثانية من حيث الأرباح، محققة نحو 1372 مليار ليرة لبنانية (ما يعادل قرابة 910 ملايين دولار وفق سعر الصرف الرسمي آنذاك)، بعد بنك عودة.

إمبراطورية ثقافية وإعلامية

إلى جانب نشاطه المصرفي، استثمر صحناوي في قطاع الإنتاج السينمائي، فأسس شركة Ezekiel Film Production في نيويورك، ثم استحوذ على غالبية شركة Rouge International الفرنسية.

كما موّل فيلم “القضية” (L’Insulte) للمخرج زياد دويري، الذي وصل إلى ترشيحات الأوسكار، وتدخل، بحسب التحقيق، عبر شبكة علاقاته السياسية بعد توقيف دويري في مطار بيروت عام 2017 بسبب تصويره السابق في إسرائيل.

وامتد دعمه إلى مؤسسات إعلامية وثقافية، بينها MTV، ومعرض الكتاب الفرنكوفوني، والجامعة اللبنانية الأمريكية، إضافة إلى مشاريع خيرية.

الانهيار المالي اللبناني

يرى التحقيق أن صحناوي كان لاعبًا رئيسيًا خلال أزمة القطاع المصرفي.

ويشير إلى أن مصرفه ضغط لمنع الدولة من إعلان التعثر عن سداد الدين، قبل أن تعلن الحكومة في مارس/آذار 2020 أول تخلف سيادي في تاريخ لبنان. كما يورد التحقيق تقديرات عن خروج مليارات الدولارات إلى الخارج في بدايات الأزمة، ويتناول قضايا مرتبطة بودائع مجمدة وقروض من مصرف لبنان، إضافة إلى ملف شركة مكتف والتحقيقات التي قادتها القاضية غادة عون، والتي رد عليها صحناوي باعتبارها ذات دوافع سياسية، ورفع دعاوى مضادة.

تحقيقات وقضايا خارج لبنان

بحسب التقرير، واجهت مجموعة صحناوي سلسلة ملفات قضائية خارجية، من بينها:

• أحكام صادرة في المملكة المتحدة لصالح مودعين.

• تحقيقات مالية في فرنسا ولوكسمبورغ بشأن تدفقات مالية بين المصرف وفروعه الأوروبية.

• شكاوى مقدمة من منظمة Sherpa الفرنسية تتعلق بشبهات غسل أموال وخيانة أمانة.

• دعاوى مدنية في نيويورك تتهم SGBL بتحمل مسؤوليات مرتبطة بملف بنك لبنان الكندي وتمويل شبكات مرتبطة بحزب الله، وهي دعاوى ما تزال منظورة ولم يصدر فيها حكم نهائي.

بناء نفوذ إعلامي وسياسي

يوثق التحقيق توسع صحناوي في الإعلام منذ نهاية التسعينيات، وصولًا إلى تأسيس منصة Ici Beyrouth عام 2021، وإطلاق نسخ بالعربية والإنجليزية، إضافة إلى شبكة واسعة من الشخصيات الإعلامية المرتبطة بمؤسساته، من بينها مارسيل غانم وحنين غدار، فضلًا عن علاقات مع وسائل إعلام فرنسية.

سياسيًا، يصف التحقيق صحناوي بأنه “صانع نواب”، إذ دعم مرشحين في انتخابات 2018 و2022، وارتبط اسمه بترشيحات داخل المؤسسات المالية، من بينها دعم كريم سهيل لحاكمية مصرف لبنان، كما يشير إلى حصول شركة 2K Integrity المرتبطة بشخصيات مقربة منه على عقد مع مصرف لبنان بقيمة تقارب 12 مليون دولار للمساعدة في إخراج لبنان من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي (FATF).

العلاقات مع إسرائيل

الحلقة الأخيرة من التحقيق تتناول أكثر الملفات إثارة للجدل.

وتشير إلى أن والده نبيل صحناوي كان من قادة تنظيم مسيحي خلال الحرب الأهلية، وأقام علاقات وثيقة مع مسؤولين إسرائيليين، بينهم ديفيد كيمحي وأرييل شارون، وأن أنطوان رافق والده في بعض تلك الزيارات عندما كان صغيرًا، وفقًا لروايات أوردها التحقيق.

كما يتناول التحقيق العلاقة التي ربطت أنطوان صحناوي بمورغان أورتاغوس، المسؤولة الأمريكية السابقة، ويشير إلى ظهورهما ضمن قائمة متبرعي متحف الهولوكوست في واشنطن، وإلى مشاركته في مبادرات أمريكية إسرائيلية، إضافة إلى حضوره توقيع الاتفاق الإطاري اللبناني الإسرائيلي عام 2026، ثم ظهوره في صورة نشرها الصحفي الإسرائيلي باراك رافيد إلى جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مناسبة في واشنطن.

ردود الفعل

أثار التحقيق ردود فعل سياسية وإعلامية داخل لبنان، من بينها تصريحات لوليد جنبلاط حول ما وصفه بـ”لوبي لبناني في واشنطن”، وشكوى قدمتها النائبة بولا يعقوبيان تتعلق بعلاقات مزعومة مع إسرائيل، قبل أن تُرفض لاحقًا وفق ما أوردته. كما أثار بث مقابلة مع السفير الإسرائيلي في واشنطن عبر منصة Beirut Is This جدلًا داخل المؤسسة الإعلامية نفسها.

تخلص سلسلة L’Orient-Le Jour إلى أن أنطوان صحناوي نجح في بناء شبكة نفوذ متعددة الأبعاد تجمع بين القطاع المصرفي والإعلام والسياسة والعلاقات الدولية، لكنها تؤكد أيضًا أن اسمه بات حاضرًا في عدد كبير من التحقيقات والملفات القضائية داخل لبنان وخارجه. وتشير السلسلة إلى أن جميع هذه القضايا، حتى تاريخ نشر التحقيق، لم تنتهِ بأي إدانة قضائية نهائية بحقه، وهو ما تؤكده الصحيفة في خاتمة تحقيقها.