لماذا غابت مصر عن "اتفاق مكة"؟ حسابات القاهرة بين التحالفات الإقليمية وحرية المناورة
القاهرة: أثار غياب مصر عن توقيع «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين السعودية وتركيا وباكستان تساؤلات حول أسباب ابتعاد القاهرة عن ترتيب أمني جديد شاركت، إلى جانب أطرافه الثلاثة، في التمهيد السياسي والدبلوماسي له خلال الحرب التي قادتها الولايات المتحدة ضد إيران، قبل أن تختار في اللحظة الأخيرة البقاء خارجه.
وتنص الاتفاقية، التي وقّعتها الدول الثلاث في مكة المكرمة، على اعتبار أي اعتداء مسلح خارجي على واحدة منها اعتداءً على الدول الثلاث مجتمعة، في صيغة توحي بانتقال التعاون بينها من التنسيق السياسي والأمني إلى مستوى أكثر تقدمًا من الالتزام الدفاعي المشترك.
وجاء الاتفاق بعد أشهر من التنسيق بين السعودية وتركيا وباكستان ومصر، في إطار الجهود الرامية إلى احتواء تداعيات الحرب على إيران، والتي شهدت استهداف طهران منشآت عسكرية وطاقية في دول الخليج بالصواريخ والطائرات المسيّرة، إلى جانب اضطرابات أصابت حركة شحن النفط والغاز.
لكن الرباعية الدبلوماسية تحولت عند توقيع الاتفاق إلى ثلاثية دفاعية، بعدما اختارت مصر عدم الانضمام.
وبحسب تقرير نشرته منصة «مدى مصر» في 9 أغسطس/آب 2026، بقلم إحسان صلاح وبمساهمة إضافية من نجيح داود، فإن القاهرة تلقت بالفعل دعوة للانضمام إلى الاتفاقية، وفق مصدر باكستاني مطلع، إلا أنها قررت عدم المشاركة، في موقف يرتبط بجملة من الحسابات السياسية والأمنية والإقليمية المتداخلة.
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أكد من جانبه رغبة أنقرة في توسيع الاتفاق ليشمل مصر في المستقبل، واصفًا القاهرة بأنها «شريك طبيعي»، ما يشير إلى أن باب الانضمام المصري لم يُغلق بصورة نهائية.
تحالف سياسي أكثر منه دفاعيًا
أحد المفاتيح الرئيسية لفهم الموقف المصري يتمثل في الطريقة التي تنظر بها القاهرة إلى طبيعة الاتفاقية نفسها.
فبحسب مسؤولين ودبلوماسيين مصريين، لا ترى القاهرة في اتفاقية مكة إطارًا دفاعيًا متكاملًا بالمعنى التقليدي، بقدر ما تعتبرها تكتلًا سياسيًا تقوده السعودية، ويمكن للانضمام إليه أن يفرض على مصر اصطفافات إقليمية لا تتناسب مع سياستها القائمة على الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من حرية الحركة.
ومن هذا المنظور، لا يتعلق التحفظ المصري بعلاقات القاهرة مع الدول الثلاث منفردة، وإنما بطبيعة الالتزام السياسي الذي يمكن أن ينشأ عن جمع هذه العلاقات داخل تحالف واحد.
وتتمتع مصر بعلاقات ثنائية مهمة مع السعودية وتركيا وباكستان، لكن تحويل هذه العلاقات إلى التزام جماعي ضمن تكتل دفاعي قد يحد، وفق القراءة المصرية التي يعرضها التقرير، من قدرة القاهرة على إدارة شبكة علاقاتها الإقليمية بصورة مستقلة.
هل الاتفاقية شبيهة فعلًا بحلف الناتو؟
تزداد التحفظات المصرية أهمية في ضوء الجدل بشأن الطبيعة العسكرية الفعلية لاتفاقية مكة.
فقد شبّه وزير الخارجية التركي الاتفاقية بالمادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي، التي تقوم على مبدأ اعتبار الاعتداء على دولة عضو اعتداءً على بقية أعضاء الحلف.
لكن مصادر تركية وعربية قلّلت من قوة هذا التشبيه، مشيرة إلى أن آلية تطبيق الاتفاقية تخضع للتصويت بين الدول الثلاث، وهو ما يجعل الالتزام العسكري أقل تلقائية مما توحي به المقارنة مع الناتو.
كما تشير التقديرات إلى أن أولى صور التعاون العملي بين الدول الموقعة لن تتمثل بالضرورة في عمليات عسكرية مشتركة، وإنما يُرجح أن تبدأ بتبادل المعلومات الاستخباراتية ومعطيات أنظمة الرادار والإنذار.
ويعزز ذلك الاعتقاد المصري بأن الاتفاق الجديد لا يمثل حتى الآن نظامًا أمنيًا متكاملًا يبرر بالنسبة للقاهرة الدخول في التزامات سياسية ودفاعية إضافية.
الرهان المصري ما زال على المظلة الأمريكية
يرتبط الموقف المصري أيضًا بقراءة القاهرة لطبيعة النظام الأمني في الخليج.
فمسؤولون مصريون يرون أن الولايات المتحدة ستظل الضامن الأمني الرئيسي لدول الخليج، وأن العلاقات الدفاعية التي يمكن أن تطورها هذه الدول مع تركيا أو باكستان أو مصر ستبقى ترتيبات إضافية ومكمّلة للمظلة الأمريكية، وليست بديلًا عنها.
ومن ثم، لا تبدو القاهرة مقتنعة بأن اتفاقية مكة تؤسس في المرحلة الحالية لتحول جذري في هندسة الأمن الإقليمي يستدعي إعادة تموضع مصر ضمن تحالف دفاعي جديد.
ويعكس ذلك حسابًا يقوم على المقارنة بين المكاسب العسكرية الفعلية التي يمكن أن تحصل عليها مصر من العضوية وبين القيود السياسية التي قد تفرضها عليها.
القاهرة تفضل الأطر الأقل إلزامًا
ولا يمثل هذا النهج تحولًا مفاجئًا في السياسة المصرية، إذ تفضل القاهرة العمل من خلال ترتيبات أمنية قائمة توفر لها مساحة أكبر من المرونة.
وتشارك مصر، على سبيل المثال، في تحالف البحر الأحمر الذي تقوده السعودية، لكن طبيعة المشاركة تقوم بدرجة أساسية على تبادل المعلومات والتشاور والتنسيق، وليس على التزام دفاعي تلقائي تجاه جميع الأطراف.
كما ترتبط مصر والسعودية أصلًا باتفاقية الدفاع العربي المشترك، وهو ما يطرح من وجهة النظر المصرية تساؤلًا حول القيمة المضافة التي يمكن أن تحصل عليها القاهرة من الانضمام إلى إطار دفاعي إضافي.
وبذلك يبدو الخيار المصري أقرب إلى تعزيز التعاون الأمني الثنائي ومتعدد الأطراف دون الانتقال إلى تحالفات يمكن أن تفرض التزامات سياسية أو عسكرية أكثر صرامة.
السعودية والإمارات.. معادلة لا تريد مصر الإخلال بها
هناك بعد آخر في الحسابات المصرية يتعلق بعلاقات القاهرة مع القوتين الخليجيتين الرئيسيتين، السعودية والإمارات.
فمصر تحرص على تجنب الانحياز الكامل إلى أحد الطرفين في ظل التنافس الإقليمي بين الرياض وأبوظبي، وتحافظ على علاقات مهمة مع الدولتين في الوقت نفسه.
ورغم وجود تقارب سياسي أوسع مع السعودية في عدد من الملفات، ومن بينها السودان والصومال، تظل الإمارات شريكًا استثماريًا بالغ الأهمية بالنسبة لمصر.
ومن شأن دخول القاهرة في تحالف إقليمي جديد تقوده السعودية أن يحمل دلالات سياسية تتجاوز البعد الدفاعي المباشر، وهو ما يفسر جانبًا من حرص مصر على إبقاء مسافة تسمح لها بالحفاظ على علاقاتها المتوازنة مع الرياض وأبوظبي.
تركيا وحسابات اليونان وقبرص
لا تتوقف التعقيدات عند حدود الخليج.
فانضمام مصر إلى تحالف دفاعي يضم تركيا يمكن أن تكون له انعكاسات على علاقاتها مع اليونان وقبرص، وهما دولتان ترتبط بهما القاهرة بعلاقات سياسية واستراتيجية مهمة.
ورغم تحسن العلاقات المصرية-التركية، فإن القاهرة مطالبة بموازنة هذا التقارب مع شبكة علاقاتها القائمة في شرق المتوسط.
وبالتالي، فإن الانتقال من تطوير العلاقات الثنائية مع أنقرة إلى الدخول معها في التزام دفاعي جماعي يمثل خطوة أكثر حساسية من مجرد استمرار التقارب السياسي والاقتصادي بين البلدين.
باكستان والهند.. قيد إضافي
وتبرز الهند باعتبارها عاملًا آخر في الحسابات المصرية.
فالقاهرة تعمل على تعزيز علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع نيودلهي، الأمر الذي يجعل الانضمام إلى تحالف دفاعي تشكل باكستان أحد أركانه مسألة أكثر تعقيدًا.
ولا يعني ذلك وجود اعتراض مصري على التعاون مع إسلام آباد، وإنما يعكس رغبة القاهرة في تجنب الدخول في ترتيبات قد تُقرأ باعتبارها انحيازًا في علاقات إقليمية شديدة الحساسية، خصوصًا في ظل التنافس التاريخي بين الهند وباكستان.
وبذلك تجد مصر نفسها أمام شبكة متداخلة من العلاقات: تركيا في مقابل حساسيات شرق المتوسط، وباكستان في مقابل المصالح المتنامية مع الهند، والسعودية في ظل ضرورة المحافظة على التوازن مع الإمارات.
غياب محسوب لا قطيعة مع التحالف
تكشف مجمل هذه العوامل أن غياب مصر عن اتفاقية مكة لا يعكس خلافًا مباشرًا مع السعودية أو تركيا أو باكستان، بقدر ما يمثل استمرارًا لنهج مصري يقوم على تجنب الالتزامات الجماعية التي قد تقلص مساحة المناورة السياسية.
فالقاهرة تستطيع التعاون أمنيًا مع السعودية، وتطوير علاقاتها مع تركيا، والمحافظة على علاقاتها مع باكستان، من دون أن تجمع هذه المسارات داخل تحالف دفاعي واحد يفرض عليها حسابات جديدة تجاه الإمارات واليونان وقبرص والهند.
كما أن الشكوك المصرية بشأن القيمة العسكرية الفعلية للاتفاق، واستمرار الاعتقاد بأن الولايات المتحدة ستظل الضامن الأمني الأساسي للخليج، تقللان من الحوافز التي يمكن أن تدفع القاهرة إلى تحمل الكلفة السياسية للانضمام.
وفي المقابل، فإن تصريحات وزير الخارجية التركي بشأن الرغبة في ضم مصر مستقبلًا تعني أن الاتفاقية قد تظل مفتوحة أمام القاهرة، وأن موقفها الحالي ليس بالضرورة رفضًا نهائيًا لمبدأ التعاون، وإنما تحفظ على الصيغة السياسية والدفاعية القائمة.
في المحصلة، يبدو أن قرار مصر البقاء خارج اتفاقية مكة تحكمه معادلة تقوم على موازنة المكاسب والقيود: فالقاهرة لا تعارض توسيع التعاون الأمني الإقليمي، لكنها تفضل أن يتم ذلك ضمن أطر مرنة لا تجبرها على الاختيار بين شركائها، ولا تقيد قدرتها على إدارة علاقاتها المتشابكة في الخليج وشرق المتوسط وجنوب آسيا.
وبهذا المعنى، فإن غياب مصر عن حفل التوقيع لا يعكس ابتعادها عن الدول الثلاث بقدر ما يكشف عن أولوية مختلفة في السياسة الخارجية المصرية: الاحتفاظ بحرية المناورة بدل الارتباط بتحالف دفاعي جديد لم تتضح بعد حدود التزاماته أو قدرته على تغيير معادلات الأمن الإقليمي.