النظام الامبريالي وحركات الاسلام السياسي
بدأ الاهتمام التاريخي للغرب الاستعماري عموما والبريطاني خصوصا بتفعيل الاسلام السياسي منذ عام 1928 عند تأسيس جماعة الاخوان المسلمين وامتد في مسيرته بالتعاون مع القوى الرجعية في الخليج والسعودية وصولا الى مرحلة العولمة الامبريالية الامريكية الاحادية الراهنة وعلاقتها بحركات الإسلام السياسي.
ان هذا التوجه الاستعماري والامبريالي المعولم يمكن تبريره بالنظر إلى عدة عوامل يأتي في مقدمتها إن منطقة الوطن العربي تحوي في باطنها أكثر المواد الخام الإستراتيجية في العالم ( النفط ولعنته )، فضلاً عن الأهمية الجيوبوليتيكية للمنطقة ، و ما يعنيه هذا كله بالنسبة للغرب و اهتماماته بأمن و استقرار هذه المنطقة حفاظاً على مصالحه الحيوية و الإستراتيجية، وبالتحالف الوثيق مع دولة العدو الصهيوني التي تمارس دورها الوظيفي في حماية تلك المصالح، وتفكيك وإضعاف الدولة الوطنية في النظام العربي علاوة على دورها في فرض شرعية المحتل الغاصب على الأرض والحقوق الفلسطينية معاً.
و ثانياً ، ربما الأكثر أهمية في تبرير تصاعد اهتمام الغرب بانبعاث الحركات الإسلامية السياسية ، هو أن هذه الظاهرة قد بدأت مع بداية صعود المد القومي و التحرري الذي عرفه العالم العربي في الخمسينيات و الستينيات من القرن الماضي، و هي الفترة التي شهدت محاولات لبناء الدول الوطنية المستقلة، و الشروع في وضع و تنفيذ مخططات تنموية تهدف إلى بناء اقتصاد وطني مستقل ، و محاولات جادة للحد من التبعية الاقتصادية ، و قد كان ذلك يعني دعم الصمود في مواجهة السيطرة و الهيمنة السياسية للقوى الامبريالية ، و لكن تأتي هزيمة يونيو 1967 لتعصف بالآمال و يبدأ عهد الانكسار و الجذر، و هو العهد الذي شهد بداية انهيار الدولة الوطنية بعد رحيل عبد الناصر في حين نجحت سياسات الاحتواء و الهيمنة الغربية .
لقد جرى إختراع الإسلام السياسي الحديث في الهند بداية القرن العشرين، على يد المستشرقين لخدمة السلطة البريطانية، ثم تبناه وبشر به المودودي الباكستاني بكامله . وكان الهدف هو (إثبات) أن المسلم المؤمن بالإسلام لا يستطيع العيش في دولة غير إسلامية - وبذلك كانوا يمهدون لتقسيم البلاد- لأن الإسلام لا يعترف بالفصل بين الدين والدولة حسب زعمهم.
وهكذا تبنى أبو العلاء المودودي فكرة الحاكمية لله ( مقابل ولاية الفقيه لدى الشيعة!)، رافضاً فكرة المواطن الذي يسن التشريعات لنفسه، وأن الدولة عليها أن تطبق قانون الشريعة الاسلامية الساري للأبد ، ورفض القوانين الوضعية .
وعلى هذا الأساس ، فإن الإسلام السياسي يرفض فكرة الحداثة المحرّرة، ويرفض مبدأ الديمقراطية ذاته -أي حق المجتمع في بناء مستقبله عن طريق حريته في سن التشريعات والقوانين بما يخدم مصاله ومستقبله.
أما مبدأ الشورى الذي يفترض الإسلام السياسي أنه الشكل الإسلامي للديمقراطية، فهو ليس كذلك، لأنه مقيد بتحريم الإبداع، حيث لا يقبل إلا بتفسير التقاليد (الاجتهاد)، فالشورى لا تتجاوز أياً من أشكال الاستشارة التي وجدت في مجتمعات ما قبل الحداثة، أي ما قبل الديمقراطية.
إن الإسلام السياسي في أحد أهم مكوناته هو مجرد تحوير للوضع التابع للرأسمالية الكومبرادورية، اما بالنسبة لشعار الاسلام هو الحل ، فالسؤال هنا : هل تتوفر لهذا الشعار أي إمكانية واقعية للتحقق في بلادنا باسم الخلافة الإسلامية أو غير ذلك من الأنظمة الدينية في اللحظة المعاصرة من القرن الحادي والعشرين ؟ وجوابنا كما يلي : إننا إذ نؤكد احترامنا لتراث شعوبنا الديني ، وللمشاعر الدينية، إلا أننا نرى أن هذه المنطلقات الدينية والتراثية ، خاصة في إطار الإسلام السياسي، لن تكون قادرة –وليست راغبة بالطبع - على مواجهة الأزمات السياسية الاجتماعية الاقتصادية والثقافية المستعصية في بلادنا، انطلاقاً من ضرورة التمييز بين الدين والدولة ، أو من منطلق الهوية القومية العربية أو حتى الهوية الوطنية والياتها الديمقراطية ، لأن تيار الإسلام السياسي ( سياسيا وطبقيا)هو تيار نقيض للقومية العربية وللمنطلقات الوطنية وهويتها لصالح هوية أكثر شمولاً لا حدود جغرافية لها ، هي الهوية الإسلامية ، وقد بنى أصحاب هذا التيار موقفهم على أساس عقيدي مؤداه أن القومية مقولة علمانية تناقض العقيدة والدين ، وأن أواصر الجنس والأرض واللغة والمصالح المشتركة إنما هي عوائق حيوانية سخيفة ، وأن الحضارة لم تكن يوماً عربية وإنما كانت إسلامية ، ولم تكن قومية وإنما كانت عقيدية (سيد قطب ) ، بينما اعتبر البعض الأخر موقفهم على أساس أن النزعة القومية مصدرها الاستعمار الصليبي ، وأن نصارى الشام هم الذين روجوا لها ( يوسف القرضاوي). وقد بلغ التطرف عند بعضهم إلى حد اتهام الدعوة إلى القومية العربية بالكفر الصريح ، وفي كل الاحول ، يبدو ان معظم الانظمة العربية عموما وانظمة البترودولار الرجعية العميلة خصوصا معنية – ضمن ارتباطها بالمخططات الامبريالية - بتكريس مظاهر التبعية والتخلف حفاظا على مصالحها الطبقية ، الى جانب ضعف تأثير وهشاشة القوى اليسارية والقومية التقدمية الأمر الذي مهد الطريق الى انتشار حركات الاسلام السياسي عموماً والحركات الاسلاموية المتطرفة خصوصاً مثل "داعش" و "النصرة" وغيرها، ومن ثم اشتعال الصراع الدموي في العديد من المجتمعات العربية عبر استغلال بساطة وعي الجماهير وعفويتها ، مما ادى الى تعزيز وتعميق اوضاع التخلف الاجتماعي والتبعية السياسية والاقتصادية والعمل على تبهيت القضية الفلسطينية وتأكيد مشروعية الكيان الصهيوني .
في ضوء ما تقدم ، فاننا نقول بكل الصراحة والوضوح : ان مجتمعاتنا بحاجة إلى ' تثوير ' فكري , لا مجرد تجديد , ونقصد بالتثوير – كما يقول المفكر الراحل نصر ابو زيد -تحريك العقول بدءا من سن الطفولة ، فقد سيطرت على أفق الحياة العامة في مجتمعاتنا سواء في السياسة أو الاقتصاد أو التعليم - حالة من ' الركود ' طال بها العهد حتي أوشكت أن تتحول إلى ' موت '، هذه الظاهرة مشهودة في أفق الحياة العامة بصرف النظر عن مظاهر حيوية جزئية هنا أو هناك في الفنون والآداب بصفة خاصة ، فستجد أن بؤر الحيوية تلك مثل بقع الضوء التي تكشف المساحات الشاسعة للظلمة . فإذا وصلنا إلى مجال الفكر , فحدث عن اغتراب الفكر وغربة المفكرين , إلا من يحتمي بمظلة سلطة سياسية أو إثنية أو دينية تحوله إلى بوق ينطق بما ينفخ فيه، وبالتالي فإن حالة ' مخاصمة ' الفكر تلك والتنكر له تنكرا تاما- كما يضيف نصر ابو زيد- "هي المسئولة عن شيوع نهج ' التكفير ' في حياتنا ، ولا أقصد التكفير الديني فقط وإن كان أخطر أنماط التكفير , ولكني أشير أيضا إلى التكفير السياسي والعرقي والثقافي , وكل أنماط الاستبعاد والإقصاء . إن ' التكفير ' هو النهج الكاشف عن مخاصمة ' التفكير ' والانقلاب ضده ".
على أي حال ان منهج التجديد يرتبط بالحاجة إلى الديمقراطية في سياقها التاريخي الاجتماعي السياسي والفكري، فالتجديد في أي مجال لا ينبع من رغبة شخصية أو هوى ذاتي عند هذا المفكر أو ذاك إنه ليس تحليقا في سماوات معرفية أو بالأحرى عرفانية منبتة عن أرض الحياة وطينها وعن عرق الناس وكفاحهم في دروب الحياة الاجتماعية .
من هنا يمكن القول إن ' التجديد ' ليس حالة فكرية طارئة , بل هو الفكر ذاته في تجاوبه مع الأصول التي ينبع منها ويتجاوب معها بوسائله الخاصة وفق قواعد ومفاهيم الديمقراطية والعلمانية والعدالة الاجتماعية .
أخيرا نقول : إن التأكيد على الصفة العلمانية الديمقراطية لنضال الأحزاب والفصائل اليسارية في الوطن العربي سيوفر للنضال الجماهيري، مجابهة كاملة وشاملة وجذرية لجميع جوانب التخلف في الحياة العربية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية ، وإن أي محاولة للتنكر لهذا الجانب الأساسي من الثورة الديمقراطية ، سيؤدي إلى خلق مجتمع هجين مشوه مزيف، قد يتقدم فيه الجانب الاقتصادي، في حين تبقى الجوانب الأخرى للمجتمع العربي راكدة ومهيأة لإعادة انتاج التخلف والتبعية من جديد.
إن الأساس الحداثي ، العلماني الديمقراطي التقدمي لعملية النضال السياسي، سيكون وحده الكفيل بالخلاص من الوجود الامبريالي وقوى اليمين بكل اطيافه ، بما يعزز مسار الثورة الوطنية الديمقراطية العربية المعاصرة ويحولها الى ثورة كلية، يتواكب فيها التغيير الوطني السياسي الديمقراطي التقدمي في جميع مستويات الحياة العربية وجوانبها.