تقرير: لماذا فشل الإصلاح الاقتصادي في تونس رغم عقد من الدعم الدولي؟
تونس: رغم أن تونس بدت بعد ثورة 2011 النموذج الأكثر قابلية لنجاح التحول الديمقراطي في العالم العربي، فإن عقدًا من المساعدات والقروض الدولية لم ينجح في معالجة الاختلالات الاقتصادية التي كانت في صلب الثورة، وانتهت التجربة في يوليو 2021 إلى أزمة سياسية عميقة مع تعليق الرئيس قيس سعيّد عمل البرلمان وتركيز السلطة في يده.
هذا الاستنتاج يشكل محور دراسة أعدتها الباحثة سابينا هينبرغ، ونشرها معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى ضمن سلسلة Policy Focus، العدد 183، في أغسطس 2026. وتفحص الدراسة تجربة تونس بين عامي 2011 و2021، مركزة على أداء أربع جهات رئيسية قادت الدعم الاقتصادي الغربي: البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي.
وترى الدراسة أن إخفاق التجربة لا يمكن تفسيره بنقص التمويل الدولي وحده، بل بتداخل ثلاثة عوامل: المشكلات البنيوية والسياسية داخل تونس، وسوء إدارة المجتمع الدولي للتوقعات والأولويات والأدوات المستخدمة لدفع الإصلاح، إضافة إلى صدمات خارجية متلاحقة أربكت الاقتصاد والمسار السياسي.
اقتصاد مثقل بالمشكلات قبل الثورة
لم تبدأ الأزمة الاقتصادية التونسية مع ثورة 2011. فمنذ الاستقلال، انتقلت البلاد من تجربة اشتراكية في الستينيات إلى سياسة انفتاح وتشجيع للصادرات والقطاع الخاص، لكن الدولة احتفظت بدور مركزي في قطاعات استراتيجية، فيما تركز جانب من النمو في صناعات منخفضة المهارة لم تكن قادرة على توفير الوظائف بالقدر المطلوب.
وفي عهد زين العابدين بن علي، حققت تونس معدلات نمو مستقرة نسبيًا، لكنها أخفت وراءها اقتصادًا يعاني المحسوبية وضعف المنافسة والتفاوت بين المناطق. واستفادت عائلة الرئيس والمقربون منه من القطاعات الأكثر ربحية، بينما حافظ النظام على التوظيف الحكومي والدعم الغذائي والطاقي، وتباطأ في الخصخصة خوفًا من التداعيات الاجتماعية.
وهكذا دخلت تونس ثورة 2011 وهي تحمل تناقضًا أساسيًا: مؤشرات اقتصادية كلية بدت مقبولة نسبيًا من الخارج، مقابل بطالة وتفاوت جهوي وفساد وشعور واسع بالإقصاء في الداخل. ولهذا ارتبطت المطالب الاقتصادية منذ البداية بالمطالب السياسية.
صدمة الثورة: السياحة والاستثمار في تراجع
كانت السنوات الأولى بعد سقوط بن علي شديدة الصعوبة اقتصاديًا. فقد انخفض عدد السياح في يناير 2011 بنحو 25 في المئة مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، وهبطت حجوزات الربع الأول بنحو 50 في المئة. كما تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 20 في المئة خلال العام نفسه، وغادرت البلاد ما لا يقل عن 80 شركة أجنبية.
وفي الوقت ذاته، واجهت البلاد اضطرابات سياسية وأمنية وصعوبات في بناء المؤسسات الجديدة. ورغم نجاح المجتمع المدني في قيادة الحوار الوطني الذي انتهى إلى دستور جديد وانتخابات رئاسية وبرلمانية، فإن الإنجاز السياسي لم يصاحبه تحول اقتصادي بالسرعة التي توقعها المواطنون.
هنا دخل المجتمع الدولي بقوة. فقد قدم البنك الدولي وصندوق النقد قروضًا، بينما أطلقت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي برامج للمساعدة والتنمية، وظهر مؤتمر دوفيل لمجموعة الثماني في مايو 2011 باعتباره تعبيرًا عن استعداد دولي واسع لمساندة الدول العربية الانتقالية.
لكن إحدى المشكلات التي ترصدها الدراسة كانت الفجوة بين حجم التعهدات المعلنة وما تحقق فعليًا، وهي فجوة رفعت سقف التوقعات لدى التونسيين قبل أن تتحول تدريجيًا إلى مصدر للإحباط وفقدان الثقة.
نجاح سياسي وجمود اقتصادي
دخلت تونس المرحلة الممتدة بين 2015 و2019 وهي تحمل صورة دولية إيجابية بعد الانتقال السلمي للسلطة والانتخابات والتوافق السياسي بين القوى الرئيسية. وأُقرت إصلاحات وقوانين اقتصادية، من بينها قانون الشركات الناشئة وإصلاح نظام التقاعد.
لكن هذه المرحلة تزامنت مع هجمات إرهابية استهدفت قطاع السياحة، خصوصًا هجومي متحف باردو ومنتجع سوسة عام 2015، ما فرض ضغوطًا إضافية على الاقتصاد. واستمرت المؤسسات المالية الدولية في الإقراض لتلبية الاحتياجات التمويلية وسداد الديون، بينما واصلت واشنطن والاتحاد الأوروبي تقديم برامج ومبادرات تنموية.
وبحلول انتخابات 2019، كانت المشاركة السياسية المنخفضة تعكس اتساع الفجوة بين نجاح المؤسسات الديمقراطية شكليًا وبين شعور قطاعات من التونسيين بأن النظام الجديد لم يحقق تحسنًا ملموسًا في مستوى معيشتهم.
لماذا تعثرت الإصلاحات؟
تحدد الدراسة مجموعة من المشكلات الداخلية التي أعاقت عملية الإصلاح، وفي مقدمتها ضعف قدرة الدولة ومؤسساتها على التنفيذ. فقد أدى التوسع في التوظيف الحكومي بعد الثورة إلى إدخال موظفين قليلي الخبرة وتعقيد خطوط المسؤولية، في وقت استقطبت فيه المنظمات الدولية وغير الحكومية بعض الكفاءات بعيدًا عن الإدارة العامة.
أما المشكلة الثانية فكانت الحاجة المستمرة إلى التوافق السياسي بين عدد كبير من الأحزاب الجديدة وقليلة الخبرة، وهو ما جعل اتخاذ القرارات الاقتصادية الصعبة أكثر تعقيدًا.
وجاء العامل الثالث من قوة جماعات المصالح المستفيدة من الوضع القائم، من رجال أعمال ارتبط بعضهم بمنظومة بن علي إلى النقابات العمالية القوية. وأصبحت إجراءات مثل تقليص كتلة أجور القطاع العام أو إصلاح الدعم والتقاعد شديدة الحساسية سياسيًا واجتماعيًا.
وهكذا اصطدمت وصفات الإصلاح الاقتصادي بمعضلة سياسية: كثير من الإجراءات المطلوبة لتحقيق الاستقرار المالي كانت تنطوي على كلفة اجتماعية فورية، في وقت كان فيه النظام الديمقراطي الجديد يحتاج إلى الاحتفاظ بثقة جمهور ينتظر نتائج اقتصادية سريعة.
خطأ المانحين: رفع سقف التوقعات
لا تلقي الدراسة المسؤولية على الجانب التونسي وحده. فقد أسهم المانحون أنفسهم في خلق توقعات أكبر من قدرتهم أو استعدادهم الفعلي على الوفاء بها.
وتعتبر الدراسة أن الطريقة التي جرى بها تقديم مؤتمر دوفيل عام 2011 باعتباره تعبئة دولية ضخمة لدعم التحول العربي رفعت سقف التوقعات إلى مستويات غير واقعية. وأدى التفاوت بين الوعود والنتائج إلى خيبة أمل متكررة، بل وإلى اعتقاد لدى بعض المواطنين بأن الأموال التي وُعدت بها البلاد ربما تعرضت للسرقة، وهو ما أسهم في تعميق انعدام الثقة بين الناخبين والطبقة السياسية بدل تعزيز الاعتقاد بأن الديمقراطية ستقود إلى تحسن اقتصادي.
كما تعامل المجتمع الدولي لفترة طويلة مع تونس باعتبارها “قصة نجاح”، ليس لأنها أنجزت إصلاحًا اقتصاديًا جذريًا، وإنما لأنها تجنبت السيناريوهات الأسوأ التي شهدتها دول عربية أخرى، مثل الحرب الأهلية أو العودة المباشرة إلى الحكم العسكري. وتعتبر الدراسة أن هذا التفاؤل حجب أحيانًا رؤية حجم المشكلات المتراكمة.
إصلاحات محدودة لم تكن كافية
لم يكن عقد الدعم الدولي خاليًا تمامًا من الإنجازات. فقد شهدت تونس إصلاح قانون الاستثمار وزيادة الإيرادات الضريبية، بما في ذلك رفع ضريبة القيمة المضافة بنقطة مئوية عام 2018، إلى جانب التحول التدريجي من الدعم الاجتماعي الشامل إلى تحويلات أكثر استهدافًا للفئات الضعيفة، وصلت عبر أدوات رقمية إلى نحو 600 ألف أسرة.
وفي عام 2019 أُقر إصلاح لنظام التقاعد رفع سن التقاعد من 60 إلى 62 عامًا وزاد الاشتراكات، لكنه واجه مقاومة شعبية وسياسية قوية.
تكشف هذه التجارب جوهر المشكلة: كانت الإصلاحات ممكنة عندما تكون محدودة أو أقل حساسية سياسيًا، لكنها تصبح أكثر صعوبة كلما اقتربت من المصالح الراسخة أو أجور القطاع العام أو منظومة الدعم أو التوازنات الاجتماعية.
من خيبة الأمل إلى قيس سعيّد
مع انتخاب قيس سعيّد رئيسًا في 2019، دخلت تونس المرحلة الأخيرة من العقد الانتقالي. ثم جاءت جائحة كوفيد-19 لتكشف الاختلالات الاقتصادية بصورة أشد، وتعمق غضب المواطنين من الفوضى السياسية وعدم انعكاس التحول الديمقراطي على حياتهم اليومية.
وفي 25 يوليو 2021، علّق سعيّد عمل البرلمان وركز السلطة في يده، لتصل التجربة التي اعتُبرت لسنوات النموذج الديمقراطي الأبرز للربيع العربي إلى نقطة تحول حاسمة.
وتشير الدراسة أيضًا إلى ظهور عامل إضافي خلال السنوات الأخيرة من المرحلة الانتقالية تمثل في التدخل الخارجي من قوى إقليمية سعت إلى حماية مصالحها المالية والأيديولوجية وتوسيع نفوذها في تونس. كما تلقت البلاد خلال العقد تمويلًا من دول خليجية تحركت وفق أجندات إقليمية متنافسة، خارج إطار الجهات الغربية الأربع التي تركز عليها الدراسة.
ما بعد 2021
لم تنته معضلة الإصلاح الاقتصادي بوصول سعيّد إلى السلطة. فبعد يوليو 2021 بدأ صندوق النقد الدولي مفاوضات بشأن برنامج تمويل جديد، وتوصل الجانبان إلى اتفاق على مستوى الخبراء في أكتوبر 2022، لكن البرنامج تعثر بعدما رفض سعيّد ما اعتبره “إملاءات أجنبية”.
وترى الدراسة أن الرئيس التونسي استطاع توظيف الغضب من المانحين الدوليين بالطريقة نفسها التي وظف بها الاستياء من الطبقة السياسية المحلية، في وقت واصلت فيه تونس الحصول على تمويل من جهات غير غربية والتعاون بصورة انتقائية مع البنك الدولي والاتحاد الأوروبي.
الدرس التونسي: المال وحده لا يصنع الإصلاح
تصل الدراسة في النهاية إلى نتيجة تتجاوز الحالة التونسية: المؤسسات الدولية لا تستطيع فرض تحول اقتصادي من الخارج إذا لم تتوافر ملكية سياسية واجتماعية محلية للإصلاح. وفي المقابل، يصعب على دولة تمر بانتقال ديمقراطي هش تطبيق إصلاحات اقتصادية مؤلمة من دون دعم خارجي.
ولهذا تقترح الدراسة خمس أولويات للمانحين والمقرضين: اعتماد رؤية طويلة الأمد قد تمتد إلى 10 أو 15 أو 20 عامًا؛ تقييم الأداء بواقعية بدل إعلان قصص نجاح مبكرة؛ تغيير الأدوات والاستراتيجيات عندما يتضح فشلها؛ استخدام شروط أكثر صرامة عندما تكون المرونة غير مجدية؛ والبناء على النجاحات المحدودة عبر خفض تكاليف الطاقة، وإحياء قطاعات مثل الفوسفات، وتعزيز قدرات الإدارة الاقتصادية للدولة.
وبذلك، لا تقدم التجربة التونسية، وفق الدراسة، قصة فشل اقتصادي منفصلة عن السياسة، بل تكشف العلاقة العضوية بينهما. فقد نجحت تونس بعد 2011 في بناء مؤسسات وانتخابات ودستور جديد، لكنها لم تستطع تحويل هذه الإنجازات إلى عقد اجتماعي اقتصادي يشعر المواطنون بفوائده. وفي الوقت نفسه، ضخ المانحون الأموال ووضعوا برامج الإصلاح من دون أن ينجحوا في بناء التأييد السياسي والاجتماعي اللازم لتنفيذها.
وكانت النتيجة أن الفجوة بين الديمقراطية الموعودة والازدهار المنتظر اتسعت عامًا بعد آخر، إلى أن تحولت الأزمة الاقتصادية من عنصر كان يفترض أن يعزز نجاح الانتقال الديمقراطي إلى أحد العوامل التي أسهمت في تقويضه.