أخبار

إخفاق الأهداف الاستراتيجية وراء فشل الحرب الأمريكية على إيران رغم التفوق التكتيكي

إخفاق الأهداف الاستراتيجية وراء فشل الحرب الأمريكية على إيران رغم التفوق التكتيكي

واشنطن: في الوقت الذي لم تنته فيه بعد تداعيات الحرب في إيران ومضيق هرمز، بدأت دوائر عسكرية واستراتيجية أمريكية في استخلاص الدروس من المواجهة، مركزة بصورة أساسية على أوجه القصور التي ظهرت في الجاهزية والقدرات اللوجستية والتكتيكية للولايات المتحدة. لكن المؤرخ الأمريكي بريت ديفرو يرى أن التركيز على هذه الثغرات قد يقود واشنطن إلى استخلاص الدروس الخاطئة، لأن المشكلة الأساسية لم تكن في أداء الجيش بقدر ما كانت في طبيعة الأهداف السياسية والاستراتيجية التي طُلب منه تحقيقها.

وفي مقال رأي نشرته مجلة Foreign Policy الأمريكية في 21 أغسطس/آب 2026، يجادل ديفرو بأن إدارة الرئيس دونالد ترامب وضعت أمام الجيش الأمريكي ثلاث مهام تكاد تكون مستحيلة عسكريًا: إسقاط النظام الإيراني بالقوة الجوية من دون غزو بري، والقضاء على القدرات الإيرانية الصاروخية والمسيّرة عبر الضربات الجوية، وتوفير مظلة دفاعية شبه كاملة تحمي القواعد الأمريكية والبنية التحتية لدول الخليج من الهجمات الإيرانية.

دروس تكتيكية تخفي المشكلة الأكبر

تركز المراجعات الأولية للحرب على مجموعة واضحة من نقاط الضعف الأمريكية، بينها عدم الاستعداد الكافي لاضطرابات شحن النفط والأسمدة، ومحدودية مخزونات الذخائر الدقيقة وصواريخ الاعتراض، وصعوبة التصدي للمسيّرات الرخيصة أحادية الاتجاه، فضلًا عن النقص في قدرات كسح الألغام البحرية.

ولا ينكر ديفرو أهمية معالجة هذه الثغرات، لكنه يرى أنها لا تفسر النتيجة الاستراتيجية للحرب. فحتى لو امتلكت الولايات المتحدة مخزونات أكبر من الصواريخ الاعتراضية والذخائر، واستعدادًا أفضل لمواجهة المسيّرات والألغام، فإن ذلك لم يكن، وفق منطقه، كافيًا لتحقيق الأهداف الأصلية للإدارة الأمريكية: تغيير النظام الإيراني، وتدمير قدرة طهران على توجيه ضربات بعيدة المدى، وإحداث تحول جذري في سياساتها النووية والإقليمية.

ومن هنا يميز المقال بين التفوق التكتيكي والنجاح الاستراتيجي. فقد يستطيع الجيش إلحاق خسائر ضخمة بالخصم وإظهار تفوق تكنولوجي وعملياتي واضح، من دون أن ينجح بالضرورة في تحويل ذلك إلى نتيجة سياسية تخدم أهداف الحرب.

المهمة الأولى: تغيير النظام من الجو

يعتبر ديفرو أن أول خطأ استراتيجي تمثل في الاعتقاد بإمكانية إحداث تغيير للنظام الإيراني باستخدام القوة الجوية وحدها ومن دون عمليات برية واسعة.

ويعود الكاتب إلى التاريخ العسكري الحديث ليقول إن هذه الفرضية أثبتت محدوديتها مرارًا منذ أن طرح المنظّر الإيطالي جوليو دوهيه في عشرينيات القرن الماضي تصوراته حول قدرة القصف الجوي على كسر إرادة المجتمعات وإجبار الحكومات على الاستسلام.

فالقصف الألماني للندن خلال الحرب العالمية الثانية لم يؤد إلى انهيار الإرادة البريطانية، بل ساهم في تعزيزها، كما أن إلقاء الحلفاء نحو 2.5 مليون طن من القنابل على ألمانيا لم يؤد وحده إلى إسقاط نظام أدولف هتلر. وفي فيتنام، ألقت الولايات المتحدة نحو ثمانية ملايين طن من القنابل من دون أن تحقق النتيجة السياسية المطلوبة، بل يرى الكاتب أن الحملة ربما ساهمت في إضعاف الموقف الأمريكي داخليًا.

وحتى الحالة التي يمكن اعتبارها الأقرب إلى نجاح استراتيجية من هذا النوع، وهي حملة حلف شمال الأطلسي ضد صربيا، لا توفر في رأيه دليلًا حاسمًا؛ إذ لم يسقط نظام سلوبودان ميلوشيفيتش مباشرة بفعل القصف، وإنما بعد أشهر من توقفه وتحت ضغط احتجاجات داخلية.

وبناءً على هذه السوابق، يرى ديفرو أن افتراض انهيار النظام الإيراني نتيجة الضربات الجوية وحدها كان منذ البداية رهانًا ضعيف الاحتمال.

المهمة الثانية: القضاء على الصواريخ والمسيّرات

أما المهمة الثانية فتمثلت في محاولة تحييد القدرات الإيرانية الصاروخية والمسيّرة بصورة شبه كاملة بواسطة القوة الجوية.

ويستحضر الكاتب سلسلة طويلة من التجارب التاريخية التي تكشف صعوبة تحقيق هذا الهدف. فقد فشلت الجهود البريطانية والأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية في وقف إطلاق صواريخ V-1 وV-2 الألمانية بصورة كاملة، كما أخفق التحالف الدولي خلال حرب الخليج في القضاء على منصات صواريخ سكود العراقية المتحركة.

ويشير المقال كذلك إلى التجربة الإسرائيلية، معتبرًا أن سنوات طويلة من العمليات الجوية لم تكن كافية وحدها لمنع إطلاق الصواريخ من جانب حماس وحزب الله من دون الحاجة إلى عمليات برية، فيما لم تتمكن الحملات العسكرية المختلفة من إنهاء القدرة الصاروخية للحوثيين بصورة كاملة.

وتزداد المشكلة تعقيدًا في الحالة الإيرانية بسبب اتساع الأراضي، وإمكانية توزيع منصات الإطلاق وتخزينها وإخفائها وتحريكها، ما يجعل القضاء الكامل على هذه القدرات من الجو هدفًا شديد الصعوبة، مهما بلغ التفوق الاستخباراتي والتكنولوجي للمهاجم.

المهمة الثالثة: مظلة دفاعية شبه مستحيلة

تتمثل المهمة الثالثة، بحسب المقال، في محاولة إقامة دفاع صاروخي شبه كامل فوق مساحة واسعة من الخليج لحماية القواعد والمنشآت والبنية التحتية التي تعتمد عليها القوات الأمريكية.

وهنا تظهر معضلة اقتصادية وعسكرية مختلفة: تكلفة إنتاج المسيّرات الهجومية وبعض الصواريخ يمكن أن تكون أقل كثيرًا من تكلفة اعتراضها، كما يمكن إنتاج وسائل الهجوم بوتيرة أسرع من إنتاج بعض أنواع الصواريخ الاعتراضية المتقدمة.

وبالتالي، فإن الدفاع لا يواجه فقط مشكلة تقنية تتمثل في القدرة على اكتشاف الأهداف وإسقاطها، وإنما أيضًا مشكلة استنزاف؛ إذ يستطيع الطرف المهاجم استخدام أعداد كبيرة من الوسائل الأقل تكلفة لإجبار الطرف المدافع على استهلاك ذخائر دفاعية باهظة الثمن ومحدودة المخزون. ويرى ديفرو أن محاولة توفير دفاع شبه كامل عن معظم منطقة الخليج في مثل هذه البيئة تمثل هدفًا غير واقعي.

تفوق عسكري لا يساوي انتصارًا سياسيًا

تكمن الفكرة المركزية للمقال في أن تقييم الحرب من خلال أعداد الأهداف المدمرة أو حجم الخسائر التي تكبدتها إيران يمكن أن يكون مضللًا إذا لم تتم مقارنة هذه النتائج بالأهداف السياسية الأصلية للحرب.

فالجيش الأمريكي، وفق ديفرو، أظهر قدرات تقنية وعملياتية لا تضاهيها معظم الجيوش الأخرى، وألحق بإيران خسائر بشرية ومادية كبيرة. لكن التفوق في ساحة المعركة لا يصبح نصرًا استراتيجيًا بصورة تلقائية.

بل إن الكاتب يذهب إلى أن النتيجة قد تكون معاكسة إذا خرجت إيران من الحرب محتفظة بقدرات تسمح لها بمواصلة برنامجها النووي، وبنفوذ أكبر على حركة الملاحة في مضيق هرمز، وبقدرة متزايدة على ممارسة الضغط على دول الخليج. وهذه، في تقديره، ستكون صورة واضحة للفشل الاستراتيجي مهما كان حجم النجاح التكتيكي الأمريكي.

المسؤولية تبدأ من البيت الأبيض

ومن هذا المنطلق، يرفض ديفرو تحميل وزارة الدفاع الأمريكية المسؤولية الأساسية عن النتيجة. فالحرب، بحسب تعبيره، لم تُخسر في أروقة البنتاغون بقدر ما بدأت مشكلتها في البيت الأبيض، عندما جرى تحديد أهداف سياسية لا تتناسب مع الأدوات العسكرية المخصصة لتحقيقها.

وينتقد الكاتب بشدة طريقة إدارة ترامب للقيادة العسكرية، كما يوجه انتقادات حادة إلى وزير الدفاع بيت هيغسيث، ويشير إلى تقارير تفيد بأن رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين حاول التنبيه إلى صعوبة المهمة قبل أن يطغى على تلك التحفظات التفاؤل الذي أبدته القيادة السياسية ووزارة الدفاع.

ويذهب المقال أبعد من ذلك بتحميل الناخب الأمريكي جزءًا من المسؤولية السياسية، معتبرًا أن التفوق العسكري الأمريكي، مهما بلغ، لا يستطيع حماية الولايات المتحدة من النتائج المترتبة على القرارات السياسية والانتخابية، خصوصًا عندما تقود الحرب إلى استنزاف الموارد وارتفاع أسعار الطاقة وتفاقم التداعيات الاقتصادية والاستراتيجية.

المعضلة الحقيقية: العلاقة بين الغاية والوسيلة

تكشف قراءة ديفرو للحرب عن قضية تتجاوز إيران نفسها، وتتعلق بواحدة من أقدم مشكلات الاستراتيجية العسكرية: هل تتناسب الوسائل المستخدمة مع الغايات السياسية المطلوبة؟

فالولايات المتحدة تستطيع امتلاك المزيد من الذخائر وكاسحات الألغام وأنظمة الدفاع الجوي، ويمكنها تطوير وسائل أرخص لمواجهة المسيّرات وزيادة مخزوناتها من الصواريخ الاعتراضية. وهذه كلها دروس مهمة من الناحية العسكرية.

لكنها لا تحل المشكلة الأساسية إذا استمرت القيادة السياسية في مطالبة القوة العسكرية بتحقيق أهداف لا تتناسب مع طبيعة تلك القوة وحدودها.

وهنا يصبح الدرس الأهم الذي يقترحه المقال مختلفًا عن النقاش الجاري حول المخزونات والذخائر والتكنولوجيا: المشكلة ليست دائمًا في أن الجيش لم يمتلك ما يكفي من الأدوات، وإنما قد تكون في أن السياسة طلبت منه تحقيق نتائج لا تستطيع تلك الأدوات إنتاجها أصلًا.

وبهذا المعنى، فإن الدرس الأوسع من حرب إيران ليس أن الولايات المتحدة تحتاج فقط إلى جيش أكثر استعدادًا، بل إنها تحتاج، قبل ذلك، إلى استراتيجية أكثر واقعية في تحديد ما تستطيع القوة العسكرية تحقيقه وما لا تستطيع تحقيقه. فالتفوق التكتيكي قادر على تدمير أهداف وإلحاق خسائر هائلة بالخصم، لكنه لا يستطيع وحده تعويض غياب الكفاءة الاستراتيجية.