أخبار

سلاح المسيّرات يطرح بديلًا تقليديًا ومستدامًا عن الترسانات النووية المكلفة

دراسة..

سلاح المسيّرات يطرح بديلًا تقليديًا ومستدامًا عن الترسانات النووية المكلفة

عواصم: تثير الحروب والأزمات الدولية الأخيرة مخاوف متزايدة من دخول العالم مرحلة جديدة من الانتشار النووي، في ظل تراجع الثقة بالضمانات الأمنية التقليدية، واستمرار البرنامج النووي الإيراني، والتلويح الروسي المتكرر بالسلاح النووي منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا. لكن قراءة مختلفة لهذه التطورات ترى أن الحروب نفسها قد تدفع دولًا إلى البحث عن أدوات ردع أقل كلفة وأكثر مرونة، وفي مقدمتها الطائرات المسيّرة.

هذه هي الأطروحة التي يقدمها كونستانتين شيندزيلورتس في مقال رأي نشرته مجلة Small Wars Journal في 14 أغسطس/آب 2026، إذ يجادل بأن تجربتي إيران وأوكرانيا لا تقودان بالضرورة إلى استنتاج أن مزيدًا من الدول سيسعى إلى امتلاك أسلحة نووية، بل قد تكشفان عن مسار بديل لتحقيق الردع بواسطة قدرات تقليدية متطورة.

مخاوف من موجة انتشار نووي

ينطلق المقال من تصاعد المخاوف بشأن مستقبل الانتشار النووي، مستشهدًا بعدة مؤشرات، من بينها التهديدات النووية الروسية، واستمرار البرنامج النووي الإيراني رغم تعرضه لضربات ألحقت به أضرارًا، والشكوك الأوروبية المتزايدة بشأن استدامة المظلة النووية الأميركية لحلف شمال الأطلسي.

وفي هذا السياق، يشير الكاتب إلى تصريحات سابقة لرئيس الوزراء البولندي دونالد تاسك بشأن احتمال حاجة بولندا إلى التفكير في خيارات نووية خاصة بها، إلى جانب التطورات المرتبطة بالتعاون النووي السعودي-الأميركي وإمكانية تخصيب اليورانيوم داخل المملكة.

تبدو هذه التطورات، للوهلة الأولى، مؤشرات على أن الدول قد تتجه بصورة متزايدة إلى اعتبار السلاح النووي الضمانة النهائية للسيادة وبقاء الدولة. غير أن شيندزيلورتس يرفض الاستنتاج بأن العالم يقف بالضرورة على أعتاب عصر من «الوفرة النووية»، معتبرًا أن دروس الحربين في إيران وأوكرانيا قد تقود إلى الاتجاه المعاكس.

إيران: الكلفة الباهظة للمسار النووي

يضع الكاتب التجربة الإيرانية في قلب حجته. فمن وجهة نظره، تكشف العقود التي أمضتها طهران في تطوير برنامجها النووي عن حجم التكاليف التي يمكن أن تتحملها دولة تسلك هذا الطريق.

فقد واجهت إيران عزلة دولية وعقوبات اقتصادية وضغوطًا سياسية وعسكرية متواصلة، وصولًا إلى الحرب الأخيرة. ويرى الكاتب أن حجم الجهد الذي اضطر النظام الإيراني إلى بذله من أجل الصمود اقتصاديًا وسياسيًا يطرح سؤالًا جوهريًا: هل ستكون دول أخرى مستعدة لتحمل كلفة مماثلة مقابل السعي إلى امتلاك قدرة نووية عسكرية؟

وبحسب هذه القراءة، فإن استمرار إيران في مسارها لا يعني بالضرورة أن هذا المسار يمثل نموذجًا جذابًا يمكن لدول أخرى تقليده. فقد يرتبط استمرار طهران بما يسميه الكاتب «التكاليف الغارقة»، فضلًا عن صعوبة التراجع داخليًا أمام الضغوط الأميركية بعد سنوات من الاستثمار السياسي والاقتصادي في البرنامج.

ومن ثم، قد تصبح التجربة الإيرانية في نظر حكومات أخرى تحذيرًا من كلفة السعي إلى السلاح النووي أكثر من كونها دليلًا على ضرورته.

المسيّرات تغير معادلة الردع

الدرس الثاني يستخلصه الكاتب من التحول الهائل الذي شهدته حرب الطائرات المسيّرة. فقد تحولت أوكرانيا، وكذلك إيران من نقطة انطلاق مختلفة تمامًا، إلى نموذجين بارزين لاستخدام المسيّرات في ساحات القتال وفي ضرب أهداف بعيدة داخل أراضي الخصوم.

ولم تعد وظيفة هذه الأسلحة تقتصر على الدعم التكتيكي للقوات، بل امتدت إلى استهداف البنية التحتية العسكرية والاقتصادية وخلق تكاليف استراتيجية لدى الخصم. ويشير المقال إلى قدرة المسيّرات الأوكرانية على الوصول إلى عمق الأراضي الروسية، بما في ذلك موسكو، في حين استخدمت إيران المسيّرات ضد قواعد عسكرية أميركية وإسرائيل وحلفاء واشنطن الخليجيين، مهددة البنية التحتية النفطية وغيرها من المنشآت الحيوية.

وهنا تظهر المفارقة التي يبني عليها الكاتب أطروحته: تطوير السلاح النووي عملية طويلة ومكلفة اقتصاديًا وسياسيًا، وقد تعرّض الدولة للعقوبات والعزلة وحتى الضربات العسكرية الاستباقية، بينما يمكن إنتاج الطائرات المسيّرة بسرعة أكبر وبتكاليف أقل وفي منشآت موزعة جغرافيًا يصعب القضاء عليها بالكامل.

ويستشهد المقال بأوكرانيا، التي يُرجح أن تنتج أكثر من خمسة ملايين طائرة مسيّرة خلال عام 2026، مع إمكانية رفع الطاقة الإنتاجية إلى نحو 20 مليونًا سنويًا، فيما قد لا تتجاوز تكلفة بعض الطائرات الاعتراضية من طراز «ستينغ» 2500 دولار للوحدة. ويشير إلى أن الطبيعة اللامركزية والمتنوعة للبنية الإنتاجية الأوكرانية جعلت من الصعب على روسيا إضعاف قدرة كييف على إنتاج المسيّرات بصورة مؤثرة.

من الردع النووي إلى «الردع بالعقاب»

لا يذهب المقال إلى حد القول إن المسيّرات تستطيع أداء جميع وظائف السلاح النووي، لكنه يستند إلى مفهوم «الردع بالعقاب» المرتبط بعالم الاستراتيجية توماس شيلينغ.

ويقوم هذا المفهوم على امتلاك قدرة موثوقة على إيقاع تكاليف بالخصم تتجاوز المكاسب التي يتوقع الحصول عليها من شن هجوم. ومن هذا المنطلق، يتساءل الكاتب عن سبب افتراض أن تحقيق هذا النوع من الردع يتطلب بالضرورة امتلاك أسلحة نووية.

فإذا كانت دولة قادرة على الوصول بصورة مستمرة إلى البنية التحتية الاقتصادية والعسكرية الحيوية لخصمها، وإلحاق خسائر كبيرة بها بواسطة آلاف أو ملايين المسيّرات، فإن هذه القدرة يمكن أن تصبح جزءًا أساسيًا من منظومة ردع تقليدية تقوم على التهديد بفرض كلفة لا يستطيع المعتدي تجاهلها.

كما أن المسيّرات لا تحتاج إلى البنية التحتية المعقدة اللازمة لضمان قدرة نووية على تنفيذ «ضربة ثانية»، مثل الصوامع المحصنة أو أساطيل الغواصات النووية، وهي إمكانات لا تتوافر بسهولة لكل دولة.

خيار محتمل أمام أوروبا

تكتسب هذه الأطروحة أهمية خاصة بالنسبة إلى الدول الأوروبية التي تتزايد لديها التساؤلات بشأن مستقبل المظلة النووية الأميركية. فبدلًا من الاتجاه إلى إنشاء ترسانات نووية وطنية جديدة، يرى الكاتب أن الاستثمار المكثف في القدرات التقليدية بعيدة المدى، وفي مقدمتها المسيّرات، يمكن أن يوفر خيارًا أقل كلفة وأقل خطورة سياسيًا.

ولا ينفي شيندزيلورتس فاعلية السلاح النووي بوصفه أداة للردع، لكنه يرى أن الردع بالعقاب باستخدام المسيّرات قد يحقق درجة كبيرة من الفاعلية من دون تحمل التكاليف السياسية والاقتصادية والمالية والمخاطر الاستراتيجية الملازمة للسعي إلى امتلاك السلاح النووي.

«الوفرة النووية» ليست حتمية

تقود المقارنة بين التجربتين الإيرانية والأوكرانية إلى خلاصة مغايرة للقراءة التي ترى في الحروب الأخيرة مقدمة لموجة عالمية من التسلح النووي.

فإيران تقدم، وفق المقال، نموذجًا للكلفة الاستراتيجية الهائلة التي قد تتحملها دولة خلال سعيها إلى بناء قدرة نووية، بينما تقدم أوكرانيا نموذجًا لسرعة بناء قدرة تقليدية واسعة ومنخفضة التكلفة نسبيًا تستطيع الوصول إلى العمق الاستراتيجي للخصم.

ومن هنا، لا يتوقع الكاتب أن يصبح العالم أكثر سلامًا بالضرورة، لكنه يرى أن التطورات التكنولوجية في الحرب التقليدية قد تمنح الدول خيارات ردع لم تكن متاحة سابقًا، بما يقلل جاذبية الخيار النووي.

وبذلك، قد لا تكون الحروب الأخيرة بداية «عصر الوفرة النووية» كما يخشى البعض، بل ربما تكشف عن تحول أوسع في مفهوم الردع نفسه: من الاعتماد الحصري على التهديد بالتدمير النووي إلى بناء قدرات تقليدية موزعة ورخيصة نسبيًا وقادرة على فرض تكاليف استراتيجية عميقة على الخصم. وإذا ترسخ هذا التحول، يرى الكاتب أن العالم قد يتمكن من تفادي موجة جديدة من الانتشار النووي، وتقليص مخاطر التصعيد أو الاستخدام النووي العرضي في الوقت نفسه.