ثقافى

عندما ينام العالم تخرج الوحوش

عندما ينام العالم تخرج الوحوش

يحيل عنوان كتاب "عندما ينام العالم: قصص، كلمات، وجروح فلسطينية مفتوحة" للكاتبة الإيطالية فرانشسكا ألبانيزي إلى رواية الكاتبة الفلسطينية سوزان أبو الهوى "بينما ينام العالم" الصادرة عام 2010، ويتأسس العملان على استعارة تحيل إلى لوحة الفنان الإسباني فرانسيسكو غويا بعنوان "نوم العقل ينتج وحوشاً" (1797)، حيث تم نقل العمل الفني من الواقعة الشخصية عند الرسام غويا، لتدل على شخصية شعب بكامله عند الكاتبتين. فعملت ألبانيزي على تعديل الاسم؛ ليتوافق وأفكار الكتاب وأهدافه، لتكمل في خاتمة الكتاب المعنى المضمر بقولها "عندما ينام العالم تخرج الوحوش"، إنها جملة مكثّفة تختصر الكتاب ورسالته الإنسانية البليغة.

لقد شغلت فرانشسكا ألبانيزي منصب المقررة الخاصة للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية بين عامي 2022-2025. وصدر الكتاب بطبعته الأولى باللغة الإيطالية عام 2023، وهي ما زالت على رأس عملها، وترجم إلى اللغة العربية، وصدر عام 2025، وفيه تروي قصتها، وما تعرضت له من مضايقات نتيجة هذه المهام الإنسانية.

في هذا العمل ذو السمات الفكرية والتحليلية والتوثيقية والسردية، تمزج المؤلفة بين ما هو شخصي وموضوعي وعقلي وعاطفي في تعاملها مع الظاهرة الاستعمارية في فلسطين، حيث يبدو "النوم" إحالة واضحة إلى التخدير الأخلاقي الممنهج واللامبالاة المنظمة التي تمارسها القوى الدولية المهيمنة تجاه الإبادة الجماعية، واللامبالاة- كما تصفها الكاتبة بغضب دافق- هي الوحش الأول والأكثر دموية وسطوة وسط هذا الركام الإنساني؛ إنها لا تمثل موقفاً سلبياً عابراً، بل تواطؤاً واعياً صريحاً وقحاً يمنح آلة القتل الهمجية الضوء الأخضر لمواصلة سحق الوجود المادي والثقافي للشعب الفلسطيني.

ينبثق غضب ألبانيزي في قاعات الأمم المتحدة الصامتة كصرخة أخلاقية ضد تلاشي التعاطف البشري، ذلك الخيط الذي يفترض أن يجمع البشرية حول قيمها المشتركة، من هنا، يكتسب الكتاب أهميته الاستثنائية؛ فمع تقديمه سرداً توثيقياً للأرقام والانتهاكات يتسلل في مسارب التجربة الإنسانية المأساوية التي عاصرتها المؤلفة وعاشتها مع الضحايا على الأرض، إنه فعل مقاومة معرفية ونضال وجودي يسعى إلى تعرية الأطر القانونية والسياسية التي صاغها الغرب لحماية المنظومة الاستعمارية، وتفكيك سرديات التشويه والنمذجة التي تسلب الفلسطيني صفته الإنسانية الأولى.

تتحرك البنية السردية للكتاب عبر تسعة فصول وخاتمة، يكمل بعضها دور بعض في رسم المشهد المأساوي في فلسطين، ويطرح كل منها سؤالاً وجودياً وحقوقياً حاداً من خلال مرافقة شخصية حية في كل فصل عاصرت فصول المأساة وشكلت وعي الكاتبة الحقوقي والسياسي، فثمة تقاطعات مهمة وواضحة بين السيرة الذاتية والسرد الإنساني والموقف القانوني الصلب، ضمن سياق التجربة الوجودية الممتدة التي خاضتها الكاتبة في مواجهة نظام استعماري يتكامل العالم مع ممارساته الإبادية.

يتموضع كتاب عندما ينام العالم ضمن خانة الكتابة التي تتجاوز التصنيفات المعتادة للأجناس الأدبية والكتابات الأكاديمية، إن هذا التداخل المقصود والمدروس بين التدوين السيري، والقصصي الحكائي، والتأصيل القانوني الإنساني، يمثل استراتيجية فكرية واعية اتبعتها المؤلفة للخروج من قوالب التقارير الأممية الجافة التي غالباً ما تفرغ المأساة الإنسانية من مضامينها الوجدانية وتحول الضحايا إلى أرقام صامتة ميتة، لذلك فإن كل تقرير كانت تعدّه من تلك التقارير كان يستنزفها وجدانياً، وتكتبه وهي تحاول أن ترى أبعد مما تقوله الضحية، إنها لم تكن توثق فقط، وإنما كانت تحلل وتستشرف وتستبصر تلك المسائل، لا بعيون المسؤول الأممي وإنما بقلب الإنسان المتعاطف مع الضحية المظلومة فعلاً. لقد رأت الحقيقة بوضوح كبير، وهذا ما جعلها منبوذة ومكروهة إلا من الأصدقاء الذين يشاطرونها وجهة النظر.

يتجلى الأسلوب السيري في ثنايا الكتاب كأداة لتفسير التحول المعرفي والأخلاقي في مسيرة ألبانيزي المهنية والإنسانية، فالكاتبة لا تقدم نفسها كذات محايدة تقف خلف زجاج سميك لمراقبة الضحايا، إنما تظهر معهم بوصفها كياناً ذاتياً متعاطفاً، متأثرة، وشريكة في وعي الجرح الفلسطيني المفتوح، إنها تروي تفاصيل إقامتها في القدس، وتجوالها في أزقتها، ولقاءاتها المباشرة والافتراضية عن بعد مع ضحايا الاحتلال بعد أن مُنعت من الدخول إلى فلسطين، كل تلك الأنشطة أعادت تشكيل مفهومها للقانون الدولي وحقوق الإنسان، ليتحول السرد السيري إلى شهادة حية تفضح زيف الحياد الاستعماري الذي يطالب به الغربُ خبراءهم الدوليين؛ فالانحياز للإنسان المظلوم هو جوهر القانون الأخلاقي والطبيعي الذي تأسست عليه الإنسانية، وليس خرقاً لهذا القانون أو تعدياً عليه، هذه هي الفكرة التي كانت لبّ عمل ألبانيزي في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

أما الأسلوب السردي الحكائي، فينهض على أكتاف عشر شخصيات فلسطينية ويهودية وعالمية، تحولت قصصهم إلى بنى مجهرية تعكس المأساة الكبرى، وتبتعد الكاتبة كلياً عن الخطاب اللفظي الخالص، وتستبدله بلغة إنسانية تنبض بحياة الشخوص، وتفاصيل وجعهم اليومي، ومخاوف أطفالهم من الاعتقال والموت وهدم البيوت، إن ديناميكية السرد وحيويته، مكنتها من أن تتنقل بين الوجوه الفردية لتنسج منها صورة جماعية متكاملة لشعب يتعرض لإبادة شاملة ومستمرة، فتلك الشخصيات لم تكن إلا مداخل أو عناوين للقضايا التي تحدثت عنها.

يتعاضد البعد السيري والسردي مع البعد القانوني لإنتاج نص يتميز بالرصانة الأكاديمية والعمق الأخلاقي، والموضوعية اللافتة، فلم تكن تستند في كل سرديتها إلا إلى مرجعية قانونية أممية موثقة، فألبانيزي لا تفصل القانون الدولي عن سياقه الاجتماعي والتاريخي؛ بل تستخدم القصص الإنسانية كأدوات تحليلية لتبيان كيف تفشل النصوص القانونية الدولية في حماية المستضعفين عندما تغيب الإرادة السياسية للقوى الكبرى، وتتواطأ المؤسسات العالمية مع المستعمر، هذا التلاحم يمنح العمل طابعاً معرفياً مقاوماً، قادراً على تفكيك البنية الفكرية والسياسية للإبادة الجماعية، وتقديم فهم حقيقي لحقيقة واقع الاحتلال وجرائمه في فلسطين المنكوبة.

يمتد التحليل في كتاب عندما ينام العالم ليرسم جغرافيا مفصلة للألم الفلسطيني، متجاوزاً الحدود المصطنعة التي يفرضها الاحتلال بين المدن والمناطق الفلسطينية، وتسلط ألبانيزي الضوء على الحالة البائسة على الأرض في القدس، ونابلس، والخليل، وغزة، مظهرة كيف يتكامل النظام الاستعماري في توظيف أدوات مختلفة لخنق الحياة الفلسطينية معتمداً على خصوصية كل موقع جغرافي، ففي مدينة الخليل، يتخذ الفصل العنصري شكلاً عمرانياً وعسكرياً فجاً واستفزازياً، حيث تُقسَّم المدينة، وتُغلق شوارعُها التاريخية ببوابات حديدية ونقاط تفتيش عسكرية تحوّل حياة الفلسطينيين إلى جحيم، وتمنعهم من ممارسة أبسط أنشطتهم اليومية، بينما تمنح الحرية الكاملة للمستوطنين المسلحين، وفي نابلس، يتجلى الحصار عبر تطويق المدينة بالمنشآت العسكرية والحواجز التي تقطع أوصال الريف عن المركز، فضلاً عن الاقتحامات الليلية الممنهجة التي تستهدف ترويع السكان وهدم بناهم التحتية والاجتماعية، وتخلص الكاتبة إلى أن نابلس تمثل نموذجاً للمدينة الفلسطينية التي تعاني من "نظام الفصل العنصري" والاضطهاد العسكري المستمر، حيث تُنتهك أبسط حقوق الإنسان في الحركة والأمن والعيش الكريم.

أما في القدس المحتلة، فإن المعركة تدور حول الوجود السكاني والهوية الثقافية؛ حيث تستخدم سلطات الاحتلال مجموعة من القوانين غير العادلة ولا تساوي بين جميع السكان من فلسطينيين ويهود، فالضرائب الباهظة، وسحب الهويات، وهدم المنازل، والاعتقالات، والمحاكم الصورية كلها إجراءات ممنهجة لطرد الفلسطينيين من بيوتهم وإحلال المستوطنين مكانهم، وتتوج هذه الجغرافيا الكارثية في قطاع غزة الذي خضع لحصار خانق طويل الأمد قبل أن يتحول بعد السابع من أكتوبر 2023 إلى مسرح لإبادة جماعية شاملة تسعى لسحق شروط الحياة الأساسية وتدمير الإنسان والبيئة العمرانية كلياً، وتبين ألبانيزي أن هذه المدن والجغرافيات المتباعدة تشترك في مأساة واحدة، وإجراءات موحدة، يمارسها الكيان الغاصب، كونه جزءاً من منظومة استعمارية إحلالية موحدة الأهداف والآليات.

تبدأ المؤلفة الكتاب في الفصل الأول بصوت الطفلة الشهيدة هند رجب تحت سؤال "في فلسطين... كيف تكون الطفولة؟" وتتخذ ألبانيزي من قصة هذه الطفلة- ذات السنوات الست التي قضت نحبها تحت نيران الدبابات في غزة وهي تستغيث عبر الهاتف- مدخلاً لبيان حجم الجريمة التي تستهدف المستقبل الفلسطيني من خلال استهدافها للأطفال، حيث ذكرت ألبانيزي أن هناك أكثر من (17) ألف طفل قتلوا في هذه الحرب، عدا الجرحى والمصابين والمشردين، فمليون طفل غزاوي في الحقيقة كانوا جميعا مستهدفين، ولا أظن شخصياً- كما هو مضمون كلام ألبانيزي- أن واحداً من هؤلاء قد نجا، بل إنهم قد أصابهم من لأواء الحرب وأهوالها، شيئاً ما، كبر أو كان أقل قليلاً من القتل، من تهجير وحرمان.

إن الطفولة في فلسطين، كما يتبدى من السرد المؤلم، ليست مرحلة عمرية محمية بالقوانين والمواثيق الدولية، بل كانت هدفاً مقصوداً بالاقتلاع والترويع المستمرين، وترصد المؤلفة- من خلال مقابلاتها مع العديد من الأطفال- كيف يكبر هؤلاء الصغار محاصرين بأقسى المخاوف التي تتجاوز تصورات الطفولة الطبيعية في العالم؛ فكان الموت الشخصي أو فقدان الوالدين على رأس خياراتهم في ترتيب أولويات الخوف، ويليه الخوف من الاعتقال، وأخيراً الرعب الدائم من هدم منازلهم وتشريد عائلاتهم.

بدا الموت- كما يصوره الكتاب- قدراً مرتبطاً بالاحتلال، ويتربص بالأطفال في غرف نومهم ومدارسهم، وتعيد ألبانيزي صياغة المفهوم القانوني للإبادة الجماعية من خلال تفاصيل نداء الاستغاثة الأخير لهند رجب؛ فالإبادة في معناها النفسي الأليم تتجاوز عدّ الأرقام الإجمالية للضحايا، لتتبدى في تلك اللحظات التي لا تنسى من الرعب المميت الذي يعيشه طفل محاصر بالجثث وبارود الموت، في ظل صمت دولي مطبق يعكس غياب أي تعاطف إنساني تجاه الفلسطينيين.

تتبع الكاتبة في الفصلين الثاني والثالث صوت (أبو حسن) وصوت جورج للإجابة عن أسئلة وجودية تتعلق بعواقب الاحتلال ومعنى العيش في القدس، فيصحب أبو حسن الكاتبة في رحلة بديلة عن الرحلة التي قادها بها مرشد سياحي يهودي، أعاد عليها سردية الاحتلال المشوّهة للحقيقة، لتأتي جولة (أبو حسن) ميدانية وصادقة، في هوامش مدينة القدس المحتلة ومناطقها المعزولة، فيتجاوز التحليل الجوانب السياسية ليتغلغل في تفاصيل الحياة المعيشة والبنية التحتية التي يوظفها الاحتلال كأدوات للضبط العقابي والتمييز العنصري ضد المقدسيين.

وتكشف جولة (أبو حسن) عن حقائق مروعة تقع خلف الستائر السياحية البراقة للقدس؛ حيث تضطر عائلات بأكملها للعيش في ظروف قاسية، ويجبر الأطفال في بعض القرى المعزولة بالجدار على الزحف عبر أنابيب الصرف الصحي للوصول إلى مدارسهم بسبب الحواجز العسكرية والمكعبات الإسمنتية التي يفرضها الاحتلال لتقييد حركتهم وحصر وجودهم، وتؤدي هذه الاجراءات  إلى سلب الأساسيات الحياتية، وبالتالي فإنها تمثل وجهاً مادياً لسياسات الخنق البطيء؛ فالاحتلال لا يكتفي بمصادرة الأرض، بل إنه يسمم الأجواء من حول المواطن الفلسطيني، فيحول المكان إلى سجن يضيق عليه يومياً، ليدفعه نحو الرحيل القسري، فماذا يبقى للفلسطيني إذا لم يجد عملاً في المدينة، ولا خدمات، ويضطر لدفع ضرائب أعلى، ويستولي المستوطنون على أرضه إما بالبلطجة وقوة السلاح وإما بالمعارك القانونية وتزوير وثائق ملكية لتلك البيوت؟ إنها عملية أشبه بوضع الشخص في مرجل تشتعل من تحته النيران، والأدهى من ذلك أن العالم يرى ذلك ويسمعه، لكن هذا العالم نائم، أو إنه لا يريد أن يرى الفلسطيني، ولذلك تقول ألبانيزي في موضع آخر من الكتاب ليس المهم الحديث عن الفلسطينيين، بل الاستماع إليهم، ليصبحوا مرئيين، وبناء عليه تحارب فكرة تشييئهم وتغييب أسماءهم، فتذكر قيام مجموعة الكتاب الفلسطينيين الناشئين "لسنا أرقاماً" على وعي مفاده أن الضحايا في ساحات الحرب والإبادة يتعرضون لمخاطر متعددة الجوانب بما في ذلك فقدان الهوية تحت وابل من البيانات الإحصائية، وطريقة تعداد القتلى كأرقام مجردة في إحصاءات. هذا الأمر الذي ما انفك يتكرر منذ زمن طويل في مكان مثل غزة. ينتهي الأمر بالضحايا إلى فقدان، وجوههم، وقصصهم، وأسمائهم. لقد أصبحت هذه القصص وهذه الأرواح أرقاماً في نشرات الحرب، التي يبدو أن الناس اعتادوا عليها يوماً بعد يوم".

وينتقل السرد إلى الشاب المقدسي جورج، وهو صديق شخصي ومقرّب جدا للمؤلفة وعائلتها، فيعرض الجوانب العبثية والمفارقات الصارخة التي تميز الحياة اليومية في القدس، إذ يعني العيش في القدس التأرجح الدائم بين جلال التاريخ الروحي للمدينة، وبين وحشية إجراءات الاحتلال التي تسعى لاقتلاع الهوية الفلسطينية، ويسلط الكتاب الضوء على القلق المستمر المرتبط ببطاقة الهوية المهددة بالسحب، وقوانين التنظيم والعزل التي تمنع الفلسطيني من ترميم بيته بينما تمنح المستوطن حق الاستيلاء عليه، وتروي ألبانيزي تجربة صادمة عندما يواجه مستوطن صديقاً فلسطينياً قائلاً له ببرود تام: "أنت غير موجود"، هذه العبارة المكثفة تختصر الرؤية العنصرية العنيفة القائمة على محو الفلسطيني كلياً من الفضاءين المادي والرمزي للمدينة المقدسة للاستحواذ عليها دون أن يكون لغير المحتل حق الإقامة فيها أو حتى زيارتها.

ويتكامل هذا المشهد مع نضال محمد الكرد وعائلته في حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية، وترصد ألبانيزي كيف تحولت قضية "حي الشيخ جراح" ومقاومة الأخوين منى ومحمد الكرد للتهجير القسري إلى رمز عالمي يفضح آليات الاستيلاء على البيوت الفلسطينية لصالح جمعيات استيطانية مدعومة من الكيان الغاصب وقوانينه المصممة خصيصاً لتسهيل السطو على العقارات وتشريد أصحابها الأصليين، ويمثل صوتهما رفضاً قاطعاً لكل هذه الإجراءات وصوتاً نابضاً يربط النضال المحلي بالوعي التحرري العالمي ضد سياسات الفصل العنصري.

وتدخل المؤلفة في حوار مع المؤرخ والباحث البارز في دراسات (الهولوكوست) والذاكرة (ألون كوفينو) وتشرع في تفكيك البنية الأيديولوجية التي يستخدمها الاحتلال وحلفاؤه الغربيون لإسكات أي نقد لسياسات الكيان الغاصب عامة من خلال تشريع مفهوم جديد لمعاداة السامية يجعل من انتقاد الاحتلال وكيانه أمراً مجرّماً ومحرّماً، لا سيما سياسات الإبادة الجماعية، ويوقع صاحبه تحت طائلة المسؤولية، ويستكشف هذا الفصل الانقسام الأخلاقي الداخلي في وجدان المفكر اليهودي الذي يعاين نظام الفصل العنصري والاضطهاد الممارس ضد الفلسطينيين ويرفض الصمت عنه، ويفكك (كوفينو) التداخل المصطنع والمتعمد بين معاداة السامية والانتقاد المشروع لمنظومة الاحتلال التي يمارسها الكيان الغاصب، وإن توظيف الذاكرة التاريخية للضحايا؛ ذاكرة الهولوكوست تحديداً وإبادة هتلر لليهود، لتبرير إبادة ضحايا آخرين، إن هذا التوظيف يمثل ذروة المأساة الفلسفية والأخلاقية المعاصرة، ولذلك فإن قادة الاحتلال يربطون عن قصد بين المحرقة النازية وبين ما جرى بعد السابع من أكتوبر ليكون مبرراً للإبادة والعنف غير المحدود، ويخلص هذا الحوار إلى أن معاداة السامية الحقيقية لا يمكن محاربتها عبر تغذية الفصل العنصري وسياساته، بل عبر الالتزام بالقيمة الكونية لحقوق الإنسان وحرية جميع الشعوب الخاضعة للاحتلال.

ويلتقي هذا الفهم الفلسفي مع رؤية الطبيب النفسي والخبير العالمي في الصدمات والناجي من الهولوكوست، (غابور ماتيه) في الفصل التاسع، فيوضح ماتيه أن الصدمة النفسية والوجودية الناتجة عن الاضطهاد ليست حدثاً ينتمي للماضي وينتهي بمروره؛ بل هي جرح حي يستمر في النمو والتحور داخل الضحية والناجين، وينتقل عبر الأجيال كبنية نفسية وجسدية مشوهة، فالصدمة التي يعيشها الفلسطينيون اليوم هي نتيجة لحدث إبادي مستمر وممتد منذ نكبة عام 1948 وحتى الإبادة المعاصرة في غزة، وفي مواجهة هذا التدمير النفسي والجسدي المنظم، يصبح حفظ الذاكرة الجماعية ورواية القصة الحقيقية للشعب الفلسطيني من أهم أشكال المقاومة والتعافي الروحي والوجودي، إن النضال من أجل حماية الذاكرة هو نضال ضد المحو والإلغاء، وفعل استرداد لسيادة الذات والكرامة الإنسانية المسلوبة.

في الفصول المخصصة للتحليل البنيوي والفيزيائي للاحتلال، تلجأ ألبانيزي إلى الخبرات القانونية والمعمارية لإنجريد جرادات غاسنر وإيال وايزمان، وتركز الخبيرة القانونية إنجريد جرادات على الجوانب التشريعية والمؤسساتية لنظام الفصل العنصري المطبّق من كيان الاحتلال، وتوضح جرادات أن الفصل العنصري في فلسطين يتعدى كونه ممارسات تمييزية عشوائية أو جدران إسمنتية تفصل بين التجمعات السكانية ليغدو منظومة تشريعية ومؤسساتية متكاملة مصممة لضمان تفوق مجموعة عرقية على أخرى، والسيطرة المنهجية على الأرض والموارد، وتقطيع أوصال الشعب الفلسطيني جغرافياً وديمغرافياً، ومحو شخصيته السياسية، ومحاصرته، ومنعه من أن يقوم بممارسة حقه في التطوير الاقتصادي والاجتماعي أو التعبير الثقافي عن أحواله وآماله، بهذه الكيفية يصبح الاحتلال عملاً منهجياً طويل الأمد، لا يتوافق والقوانين الدولية التي ترى أنه لا يجوز الاستيلاء على أرض الغير بالقوة، وأن الاحتلال لا بد من أن يكون مؤقتاً تحكمه الضرورة العسكرية الميدانية، ولذلك اخترعت المنظومة القانونية التابعة للاحتلال مفاهيم جديدة لهذه الأرض، فهي ليست أراضيَ محتلة، وإنما "أراض متنازع عليها"، وباختلاف صفتها القانونية تتغيّر اعتبارات أخرى سياسية أساسية على أرض الواقع، وأهمها حركة الاستيطان النشطة في مناطق الضفة الغربية، وطرد السكان وتهجيرهم، فتصبح كل هذه الإجراءات غير مجرّمة في نظر القانون الدولي، أو إلى هذا الوضع يطمح أن يصل القانونيون الراعون للاحتلال داخل الكيان وخارجه.

تناقش الكاتبة كل ذلك من خلال علاقتها مع جرادات، وتصر على أن هذه السياسات تندرج تحت توصيف جريمة الاضطهاد والملاحقة بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وتشتمل على الحرمان المتعمد والشديد من الحقوق الأساسية على أساس الهوية الجماعية، وتؤكد جرادات أن تفكيك هذا النظام لا يمكن أن يتم عبر تسويات سياسية منقوصة أو مفاوضات مشكوك فيها ترعاها القوى المتواطئة؛ بل يتطلب تغييراً جذرياً وفرض عقوبات دولية حازمة، ومراجعة شاملة للعلاقات الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية كافة مع الدولة المستعمرة، ومن أراد أن يرى عمق حديث المؤلفة وصاحبتها في هذا الفصل فلينظر إلى ما وقعه الاحتلال من اتفاقية "سلام" مع لبنان، فهي لم تكن أكثر من فرض سيطرة على الأراضي اللبنانية دون أن يقدم الاحتلال شيئاً للدولة اللبنانية، بل تم ذلك بموافقة الدولة اللبنانية للأسف.

ويتلاقى هذا التحليل القانوني مع أبحاث المعماري (إيال وايزمان)، مؤسس استوديو العمارة الجنائية، ويقدم وايزمان تحليلاً علمياً لسياسات التدمير المكاني والبيئي التي تمارسها قوة الاحتلال كأداة للإبادة البطيئة، وتكشف أبحاث (وايزمان) أن التدمير المادي في فلسطين ليس عشوائياً أو ناتجاً عن غبار المعارك، إنما جاء نتاج حسابات دقيقة تستخدم الجغرافيا، وتدفقات المياه، والوصول إلى الأراضي الزراعية، والتحكم بالهواء والموجات الكهرومغناطيسية، كأدوات لإحداث تخريب منظم وممنهج في البيئة المعيشية للفلسطينيين، هذه الحسابات الرياضية والهندسية للدمار تمثل ترجمة مادية صريحة للمادة الثانية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية ومعاقبتها، والمتعلقة بإخضاع المجموعة المستهدفة عمداً لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كلياً أو جزئياً.

ويحمل القسم المخصص لغزة شهادة صارخة من داخل غرف العمليات والمستشفيات المنهارة عبر تجربة الطبيب والجراح البريطاني- الفلسطيني غسان أبو ستة الذي ترك عمله الأكاديمي والمهني في لندن وتوجه طوعاً إلى قطاع غزة ليعالج الجرحى تحت القصف المستمر، ويروي أبو ستة ما عاينه من فظائع جسدية وإنسانية تفوق القدرة على الاحتمال، حيث القتل والجثث والأشلاء المقطعة وكانت أصدق تعبير لآلة القتل ورغبتها المطلقة في تحقيق الإبادة، ويتحدث أبو ستة بلغة الطبيب الذي يعاين آثار الأسلحة الفتاكة والمحرمة دولياً على أجساد الأطفال والنساء كالفسفور الأبيض، والاضطرار لإجراء العمليات المعقدة وبتر الأطراف دون تخدير كافٍ بسبب الحصار المطبق الذي يمنع دخول المواد الطبية الأساسية، وتتحول هذه الشهادة السريرية إلى تشريح للجريمة الإبادية التي تهدف أولاً وقبل كل شيء إلى سحق القدرة البيولوجية والجسدية للشعب على الاستمرار والحياة، ويأتي استهداف المنظومة الصحية والطبية جزءاً من المخطط الشامل لجعل الحياة مستحيلة في قطاع غزة، حيث قتل في قطاع غزة أكثر من ألف شخص عامل في القطاع الصحي.

وفي الجانب الثقافي والفني، تعبر الفنانة التشكيلية الشابة ملك مطر، صاحبة لوحة غلاف الكتاب، عن الجانب الروحي لمأساة اللجوء والمنفى، حيث يمثل المنفى واللجوء لملك جرحاً مفتوحاً في الهوية والروح، فيضطر المبدع الفلسطيني إلى مغادرة وطنه المحاصر والمدمر بحثاً عن فضاء يتسع للتعبير عن فنه وكيانه الإنساني، ليجد نفسه يواجه جدراناً باردة من القوانين والرفض وتأشيرات الدخول الممنوعة في الدول الغربية، كما حدث معها عندما توجهت إلى لندن، ويغدو الفن لملك السلاح الأخير لمقاومة الفناء، والوسيلة الوحيدة لإعادة تجميع شظايا الوطن والذاكرة المبعثرة، لكن، وكما يتبدى من الحوار معها، فإنه لمن المفارقات المحزنة المترجمة بالسخرية المرة أن تحاول رسم تلك الفظائع، لكن يظل الرسم قاصراً، إذ لا يوجد ما يكفي من الألوان، لأنه قد تم تدمير هذه المحالّ في غزة خلال حرب الإبادة، وتتحدث في السياق ذاته عن معاناة أهلها المزدوجة في خروجهم أولا من القطاع نحو مصر، وما كلفهم ذلك من دفع أموال طائلة للمصريين، ثم معركتهم القضائية للالتحاق بملك في لندن للحصول على تأشيرات دخول ليلتئم شمل العائلة.

لا تتردد ألبانيزي في معالجة القضايا السياسية الداخلية الكبرى التي تسهم في إطالة أمد المأساة الفلسطينية، وتقدم في هذا السياق رؤية نقدية بالغة الأهمية والجرأة حول دور السلطة الوطنية الفلسطينية ومسارات عملها السياسي والأمني، وترى الكاتبة أن السلطة الفلسطينية، في شكلها الحالي، باتت تلعب دوراً يتوافق ويتناغم مع مخططات الاحتلال واستمرار سيطرته، وينصبّ النقد الأساسي في الكتاب على التنسيق الأمني الذي تمارسه أجهزة السلطة مع الاحتلال، وتجادل ألبانيزي بأن هذا التنسيق قد تحول من كونه إجراء مرحلياً مؤقتاً ومقيداً بموجب اتفاقيات أوسلو، إلى أداة راسخة تساهم في حماية منظومة الاحتلال والحد من قدرة الشعب الفلسطيني على المقاومة، فتم إفراغ السلطة من دورها المفترض كأداة لبناء الدولة المستقلة وحماية المواطنين، لتتحول إلى وكيل أمني محلي يدير شؤون السكان الفلسطينيين بالنيابة عن القوة المحتلة ويوفر لها غطاء سياسياً.

هذا الدور الأمني والوظيفي للسلطة، وفق قراءة الكاتبة، يمثل حجر عثرة أساسياً يعيق تقدم المشروع الوطني الفلسطيني نحو التحرر الحقيقي والانعتاق من الاحتلال، إنه يخلق انقساماً داخلياً في بنية المجتمع الفلسطيني، ويفقده الثقة بمؤسساته القيادية، ويشتت الجهود الشعبية والسياسية الموجهة نحو دحر نظام الفصل العنصري، من هنا، يبرز موقف ألبانيزي الرافض بوضوح لهذا الدور الأمني، والداعي إلى ضرورة مراجعة جذرية شاملة لبنية السلطة ووظفتها السياسية والأخلاقية لتستعيد مكانتها الحقيقية كجزء من حركة كفاح وطنية تسعى لانتزاع حقوق الشعب كاملة.

لا تكتفي ألبانيزي في كتابها بتقديم رصد موضعي للواقع المأساوي في الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ بل تمضي أبعد من ذلك لتقدم قراءة نقدية فاحصة للبنية القائم عليها النظام الدولي المهيمن، ويتضح من خلال فصول الكتاب أن النظام العالمي الراهن متحالف ومتواطئ مع كيان الاحتلال ضد حقوق الشعب الفلسطيني ومطامحه المشروعة، وترى المؤلفة أن غياب الإرادة الدولية الحقيقية لوقف الفظائع المرتكبة ضد الفلسطينيين، وحمايتهم من خطر الفناء الجسدي والثقافي، يرجع إلى جذور فكرية وسياسية متجذرة في عقلية صناع هذا النظام المرتبطة بالفكر الاستعماري حيث شكلت الإبادة جزءاً من هذه العقلية، وتقيم ألبانيزي رابطاً تاريخياً وثيقاً بين الإبادة الجماعية الجارية في فلسطين، وتاريخ الإبادة الجماعية والاستيطان الإحلالي الذي مارسه الغرب في أمريكا الشمالية وكندا ضد الشعوب الأصلية.

إن المنطق الاستعماري الإحلالي يشترك دائماً في السعي نحو تحقيق الغاية ذاتها؛ ألا وهي الاستيلاء الكامل على الأرض ومحو وجود السكان الأصليين مادياً وثقافياً وتاريخياً؛ لإنشاء الكيان الاستعماري الجديد بدلاً منهم، هذا الفكر الإبادي الذي تغلغل في بنية الحداثة الغربية يفسر سر تضامن الأنظمة والدول الغربية الراسخ واللامحدود مع احتلال فلسطين وتأسيس هذا الكيان وجعله عنيفاً يرتبط بنيوياً بهذه الهيكلية الغربية؛ فالغرب يرى في الكيان الغاصب امتداداً جغرافياً وثقافياً وتاريخياً لنموذجه الاستعماري الخاص، وتأسيساً على ذلك، يتم سحق القانون الدولي الإنساني وتجاهل قرارات محكمة العدل الدولية والجمعية العامة للأمم المتحدة تجاهلاً تاماً؛ لأن بنية النظام العالمي مصممة بالأساس لحماية مصالح القوى الاستعمارية وتأمين بقائها وهيمنتها، وحرمان الشعوب المستعمرة من حق تقرير المصير والسيادة والحرية، وليس الأمر مقتصراً على فلسطين، بل كل الشعوب التي خضعت لهذا النوع من الاستعمار الذي أراد السيطرة على الجغرافيا ومحو كل ما يتعلق بالسكان الأصليين، وجوداً وثقافة.

يتوازى هذا التواطؤ الدولي مع إجراءات قمعية مادية شرسة تتخذها الدول الغربية لخنق حركات التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني وملاحقتها، وترصد ألبانيزي بقلق شديد محاولات تجريم حركة مقاطعة الكيان الغاصب وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها، ومنع التجمعات والتظاهرات السلمية المناصرة لفلسطين في كبرى العواصم الغربية، وحظر الرموز الوطنية الفلسطينية كالعلم والكوفية، وتوثق ما حدثها معها في ألمانيا، حيث ألغيت بعض فعالياتها أو تغيير مكانها أو عقدها تحت وجود كثيف من شرطة مكافحة الشغب.

علاوة على ذلك، تلفت المؤلفة النظر إلى التضييق المنهجي الممارس ضد الفلسطينيين الباحثين عن منابر دولية للتعبير عن صوتهم؛ حيث يتم حرمان الفنانين والكتاب والحقوقيين الفلسطينيين بانتظام من الحصول على تأشيرات دخول للمشاركة في مؤتمرات وندوات دولية أو فعاليات فنية وثقافية في أوروبا والولايات المتحدة، إن هذا الإغلاق والحصار المزدوج يرمي بوضوح إلى قطع حبال التواصل بين النضال الفلسطيني وحركات التحرر العالمية، وعزل القضية الفلسطينية عن سياقها الإنساني والكوني العادل، وتأمين حماية تامة لرواية الاحتلال المضللة لتمرير الإبادة دون معارضة أخلاقية حقيقية.

تمثل الخاتمة المعنونة بهذا العنوان الدال "الأمل شغفاً وعادة" تلخيصاً وجدانياً وفلسفياً مكثفاً للقوة الأخلاقية والإنسانية التي يستبطنها كتاب عندما ينام العالم، في مواجهة مشهد إبادي معقد ودمار مادي وروحي هائل، يبدو الأمل هنا فعل مقاومة وجودي حتمي وضرورة لا غنى عنها للاستمرار في النضال والعيش والتشبث بالحياة وسط هذا الركام.

إن الأمل بالنسبة لفرانشسكا ألبانيزي، ومرافقيها من أصحاب القصص الصادقة، هو القوة الكفيلة بهزيمة اللامبالاة العالمية وتفتيت جدران الصمت المطبق، إنه التزام واعد بأن كل كلمة تُكتب، وكل حكاية تُروى، وكل جرح يُكشف ويعرّى، يمثل لبنة لها وزنها في بناء جدار العدالة والحق التاريخي.

يختتم هذا الكتاب رحلته بإطلاق نداء حار ومدوٍ لإيقاظ الضمير الإنساني العالمي من سباته العميق والمدمر، إن الدفاع عن فلسطين لا يقتصر على كونه دفاعاً عن بقعة جغرافية مظلومة، بل هو اختبار أخلاقي أخير لما تبقى من إنسانية هذا العالم وقدرته على استعادة التعاطف البشري والعدالة الأصيلة لجميع البشر تحت سماء واحدة، "فلا حرية لأحد ما لا يتحرر الجميع" هكذا هي الحقيقة في أسمى تجلياتها، وإذا ما بقي العالم نائماً- كما هو مع غزة اليوم- فإن الوحوش ستخرج لتدمر هذا العالم، فهل ستؤدي مهمتها القذرة والعالم يغطّ في سباته العميق؟