مقالات

محمود عباس... حين يصادر الحاكم حق الشعب في محاسبته

محمود عباس... حين يصادر الحاكم حق الشعب في محاسبته

ليست المشكلة في أن يحكم رئيس سنوات طويلة، بل في أن يتحول الزمن نفسه إلى أداة حكم. ليست الأزمة في طول الولاية، بل في غياب نهايتها. وحين يصبح الرئيس هو المرجعية العليا لكل مؤسسة، ويتحول القانون إلى نص قابل للتعديل كلما اقتضت مصلحة السلطة، وتصبح المؤسسات الوطنية مجرد أختام تصادق على ما يُقرر سلفاً، فإن القضية لم تعد قضية شخص، بل قضية نظام سياسي فقد مبرر وجوده الديمقراطي.

هذا هو المشهد الفلسطيني اليوم.

بعد أكثر من عقدين في موقع القرار، لم يعد محمود عباس مجرد رئيس للسلطة الفلسطينية، بل أصبح الرجل الذي تلتقي عنده خيوط السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية وأجهزة القرار السياسي والدبلوماسي، في ظل غياب انتخابات عامة تعيد إنتاج الشرعية، ووسط تعطيل طويل للمجلس التشريعي وتراجع واضح في منظومة الرقابة والمساءلة.

السلطة التي وُلدت بوصفها مشروعاً انتقالياً نحو الدولة، تحولت تدريجياً إلى سلطة تدير نفسها بنفسها، وتراقب نفسها بنفسها، وتحاسب نفسها بنفسها. وعندما تكون الخصم والحكم في آن واحد، فإن أول الضحايا هو المواطن.

لقد تحولت الانتخابات من استحقاق دستوري إلى وعد مؤجل، ثم إلى استثناء، ثم إلى ذكرى سياسية. وكلما ارتفعت الأصوات المطالبة بالاحتكام إلى صناديق الاقتراع، حضرت التبريرات ذاتها: الاحتلال، الانقسام، الظروف الإقليمية، أو الاعتبارات الأمنية. وربما تحمل هذه العوامل جزءاً من الحقيقة، لكنها لا تفسر وحدها غياب أي أفق زمني واضح لإعادة الشرعية الشعبية إلى المؤسسات.

وفي ظل هذا الواقع، برزت انتقادات فلسطينية متكررة تتحدث عن تركّز القرار داخل دائرة ضيقة من المسؤولين والمقربين، وعن تراجع التعددية داخل مؤسسات الحركة والسلطة والمنظمة، كما أثيرت تساؤلات سياسية وإعلامية حول مستقبل القيادة وإمكانية انتقال النفوذ داخل الدائرة الحاكمة، وهي قضايا بقيت محل جدل واسع ولم تُحسم بوقائع رسمية.

المشكلة أن السلطة المطلقة لا تحتاج دائماً إلى الدبابات كي تستمر؛ يكفي أن تُعطّل المؤسسات، وأن تُفرّغ القوانين من روحها، وأن يتحول الولاء إلى معيار للتقدم، فيما يصبح الاختلاف عبئاً، والنقد مغامرة، والمعارضة تهمة جاهزة.

ولعل أخطر ما يصيب أي نظام سياسي ليس فساد المال، بل فساد الفكرة. عندما يقتنع الحاكم أن الدولة لا تستقيم إلا به، وأن المؤسسات لا تعمل إلا بإرادته، وأن التداول السلمي للسلطة خطر على الاستقرار، فإن الدولة تدخل مرحلة الشيخوخة السياسية حتى وإن بقيت مؤسساتها قائمة شكلياً.

التاريخ مليء برؤساء اعتقدوا أن مواقعهم فوق المساءلة، لكن الشعوب والدساتير قالت كلمتها في النهاية. في كوريا الجنوبية عُزلت الرئيسة Geun-hye بعد احتجاجات واسعة وإجراءات دستورية. وفي البرازيل أُقيلت Dilma Rousseff عبر آليات المحاسبة الدستورية. واضطر Richard Nixonإلى مغادرة البيت الأبيض تحت ضغط المساءلة السياسية، بينما مثل الرئيس الفرنسي السابق Nicolas Sarkozy أمام القضاء بعد انتهاء ولايته.

هذه الأمثلة لا تعني أن الحالات متشابهة، لكنها تؤكد قاعدة واحدة: المنصب العام ليس حصانة دائمة، والشرعية لا تُمنح مرة واحدة إلى الأبد.

أما فلسطين، فتعيش مفارقة مؤلمة. شعب يطالب العالم يومياً بالعدالة، لكنه ينتظر عدالة داخلية مؤجلة. شعب يطالب بحقه في تقرير مصيره، لكنه لم يُتح له منذ سنوات أن يقرر من يحكمه عبر انتخابات عامة. وشعب يرفع راية الحرية في مواجهة الاحتلال، بينما يدور في الداخل نقاش متواصل حول حدود الحريات السياسية والإعلامية وآفاق الإصلاح.

وهنا يفرض السؤال نفسه، لا بوصفه شعاراً سياسياً، بل باعتباره جوهر أي نظام يحترم مواطنيه:

إذا كانت صناديق الاقتراع غائبة، وإذا كانت المؤسسات الرقابية ضعيفة أو معطلة، وإذا كانت أدوات المحاسبة القانونية محدودة الفاعلية، فمن يحاسب الرئيس؟

وهل يجوز أن يبقى أي مسؤول، مهما علا منصبه، خارج دائرة المساءلة الشعبية؟

إن القضية ليست إسقاط شخص أو تصفية حساب سياسي، بل استعادة مبدأ. فالأوطان لا تُبنى بالولاءات، بل بالمؤسسات. ولا تُحمى بالتمديد، بل بالتداول. ولا تستمر بشرعية الماضي، بل بثقة الحاضر.

قد يكون السؤال الأكثر إزعاجاً في المشهد الفلسطيني اليوم هو أيضاً الأكثر ضرورة:

هل صادر محمود عباس حق الفلسطينيين في محاسبته، بعدما أصبحت معظم أدوات المحاسبة السياسية والقانونية خارج متناولهم؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ليست مسؤولية الرئيس وحده، بل مسؤولية كل النخب السياسية والفصائل والمؤسسات والمجتمع المدني. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي قضية وطنية عادلة هو أن تفقد مناعتها الديمقراطية من الداخل، بينما تطالب العالم بالدفاع عنها من الخارج.