أخبار

كيف تعيد أزمة المضيق تشكيل أمن الطاقة في الخليج والعالم؟

ما بعد هرمز..

كيف تعيد أزمة المضيق تشكيل أمن الطاقة في الخليج والعالم؟

عواصم: أظهرت أزمة مضيق هرمز أن أسواق الطاقة العالمية باتت أكثر قدرة على امتصاص الصدمات الكبرى مما كانت عليه في العقود الماضية، لكنها كشفت في الوقت نفسه عن نقاط ضعف استراتيجية عميقة لدى دول الخليج، تتجاوز صادرات النفط والغاز إلى أمن المياه والبنية التحتية ومسارات النقل والضمانات الأمنية.

هذه الخلاصة برزت خلال ندوة عقدها معهد دول الخليج العربية في واشنطن (AGSI) في 11 أغسطس/آب 2026، بعنوان «ما بعد المضيق: مستقبل أمن الطاقة العالمي»، وأدارتها كايت دوريان، الزميلة غير المقيمة في المعهد والمحررة المساهمة في مجلة MEES، بمشاركة كارول ناخلة، الرئيسة التنفيذية لشركة Crystol Energy، وروبن ميلز، الرئيس التنفيذي لشركة Qamar Energy، والدكتور عدنان شهاب الدين، الزميل الأول الزائر في معهد أكسفورد لدراسات الطاقة والأمين العام السابق بالإنابة لمنظمة أوبك.

وتناولت الندوة الطريقة التي تكيفت بها أسواق النفط والغاز الطبيعي المسال مع شبه الإغلاق المستمر لمضيق هرمز، بعد نحو ستة أشهر على اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية، ولماذا لم تتحقق السيناريوهات الأكثر تشاؤمًا التي توقعت اضطرابًا غير مسبوق في أسواق الطاقة العالمية. كما ناقشت مسارات الالتفاف على المضيق عبر عُمان والسعودية والإمارات، والتداعيات الجيوسياسية والأمنية التي أفرزتها الأزمة.

سوق أكثر مرونة مما كان متوقعًا

في بداية الأزمة، تصاعدت توقعات بوصول أسعار النفط إلى مستويات تتراوح بين 250 و300 دولار للبرميل. لكن هذه السيناريوهات لم تتحقق.

وترى كارول ناخلة أن السبب لا يعود إلى تقليل الأسواق من خطورة الصراع، وإنما إلى تغير بنية سوق الطاقة العالمية خلال العقود الماضية. فقد دخلت الصين الأزمة وهي تمتلك مخزونات مرتفعة، فيما وفر النفط الصخري الأمريكي مصدرًا أكثر مرونة للإمدادات، بالتزامن مع تراجع كثافة استهلاك النفط عالميًا.

وبذلك أصبحت الأسواق، وفق ناخلة، أكثر قدرة على استيعاب صدمة كان من الممكن أن تكون آثارها أكثر خطورة بكثير لو حدثت في سبعينيات أو ثمانينيات القرن الماضي.

ولا تعني هذه المرونة أن أهمية هرمز قد تراجعت، بل إن الأزمة أظهرت الفرق بين قدرة الأسواق العالمية على التكيف وبين استمرار هشاشة البنية الجغرافية لإمدادات الطاقة الخليجية.

هرمز بوصفه «ضمانة» إيرانية

يقدم روبن ميلز تفسيرًا استراتيجيًا لاستمرار التوتر حول المضيق، معتبرًا أن إيران لا تملك حافزًا لإعادة هرمز سريعًا إلى وضعه الطبيعي حتى خلال فترات التهدئة.

وبحسب ميلز، تنظر طهران إلى قدرتها على التحكم بالمضيق باعتبارها إحدى الضمانات الدائمة القليلة التي تمتلكها لردع أي هجوم أمريكي مستقبلي. فالضمانات الأخرى، مثل الإفراج عن الأموال المجمدة أو تخفيف العقوبات، يمكن التراجع عنها بقرارات سياسية، في حين تمنح الجغرافيا إيران أداة ضغط يصعب انتزاعها منها.

ويرى ميلز أن هذا الحساب قد يدفع إيران إلى قبول تكلفة اقتصادية قصيرة المدى، يتحمل المجتمع الإيراني الجزء الأكبر منها، مقابل ما تعتبره القيادة مكسبًا أمنيًا واستراتيجيًا طويل الأجل.

ويعني ذلك أن عودة الملاحة في هرمز إلى ما كانت عليه قبل الأزمة لا ترتبط فقط بالتوصل إلى هدنة، وإنما بمدى شعور طهران بأن التسوية الجديدة توفر لها ضمانات أمنية مستدامة.

الكويت.. النفط ليس المشكلة الأخطر

تكشف الأزمة عن وضع أكثر تعقيدًا في الكويت. ووفق تقديرات عرضها عدنان شهاب الدين خلال الندوة، تراجع إنتاج الكويت من مستويات تجاوزت 1.5 مليون برميل يوميًا إلى نحو 600 ألف برميل، يذهب معظمها إلى الاستهلاك المحلي عبر المصافي.

وأشار إلى أن الكويت تعتمد بالتوازي على مجموعة من البدائل، بينها تخزين النفط لدى الدول المستهلكة مثل الهند والصين وكوريا واليابان، ومحاولة الاستفادة من خط أنابيب شرق-غرب السعودي، إلى جانب التعامل مع عائدات صندوق الثروة السيادي باعتبارها نوعًا من «التأمين البديل».

لكن شهاب الدين يرى أن الخطر الأكبر الذي تواجهه الكويت ليس نفطيًا وإنما مائي.

فمخزون المياه العذبة في البلاد، التي تعتمد بصورة شبه كاملة على تحلية مياه البحر، لا يتجاوز وفق تقديراته نحو أسبوع واحد من الاستهلاك. ولذلك فإن تعرض منشآت التحلية والطاقة للاضطراب يمكن أن يحول أزمة المضيق من مشكلة في صادرات النفط إلى أزمة تمس الحياة اليومية للسكان مباشرة.

وتكشف هذه النقطة أحد أهم الدروس الاستراتيجية للأزمة: أمن الطاقة في دول الخليج لم يعد يتعلق فقط باستمرار إنتاج النفط وتصديره، وإنما بقدرة منظومات الكهرباء والمياه والتحلية والنقل على الصمود أثناء الصراعات الممتدة.

عُمان.. الرابح النسبي

في المقابل، يصف ميلز عُمان بأنها «الرابح النسبي» الأبرز من الأزمة، بعدما استفادت من موقعها الجغرافي خارج مضيق هرمز ومن ارتفاع أسعار الطاقة.

وسجلت صادرات السلطنة من النفط والغاز الطبيعي المسال والأسمدة مستويات قياسية، فيما برزت منطقة الدقم الصناعية بوصفها نموذجًا لأهمية الاستثمار المسبق في البنية التحتية البديلة، وساعد الموقع العُماني في تحويل البلاد إلى ممر لوجستي مهم لتزويد الإمارات.

غير أن المكاسب الاقتصادية واللوجستية ترافقها حساسية سياسية؛ إذ يضع الدور التقليدي لمسقط كوسيط مع إيران السلطنة في موقع دقيق بين أطراف لا تتمتع بثقة كاملة بعضها ببعض.

هل يمكن تجاوز مضيق هرمز؟

أعادت الأزمة إلى الواجهة مشاريع خطوط الأنابيب والمسارات البديلة التي تسمح لدول الخليج بتصدير الطاقة بعيدًا عن المضيق، إلا أن الخبراء المشاركين في الندوة يستبعدون إمكانية الاستغناء عن هرمز.

فالعقبات أمام خطوط الأنابيب ليست تقنية فقط، وإنما سياسية أيضًا، لأن إنشاء مسارات جديدة يقتضي عبورها أراضي دول أخرى، مثل السعودية أو العراق، بما يفرض ترتيبات سياسية وأمنية معقدة.

وتصبح المشكلة أكثر صعوبة بالنسبة إلى الغاز الطبيعي المسال. فوفق ميلز، لا يوجد بديل مماثل يمكن أن يعوض مرور صادرات الغاز المسال عبر المضيق، وهو ما يجعل قطر تحديدًا شديدة الارتباط باستمرار الملاحة في هرمز.

ومن ثم، فإن الاتجاه المرجح ليس «استبدال هرمز»، وإنما بناء أكبر عدد ممكن من المسارات الاحتياطية التي تخفف الاعتماد عليه.

أزمة أمن طاقة تتحول إلى أزمة أمن إقليمي

لم يقتصر النقاش على النفط والغاز. فقد ربط المشاركون بين أزمة هرمز والتحولات الأوسع في البيئة الأمنية الخليجية، ومن بينها «حلف مكة الدفاعي» بين السعودية وتركيا وباكستان.

ووفق النقاش الذي تضمنته الندوة، يعكس هذا التحرك تراجع الثقة بالضمانات الأمنية الأمريكية. لكن عدنان شهاب الدين استبعد في الوقت نفسه أن تتحرك دول مجلس التعاون الست ككتلة موحدة في المستقبل القريب، رغم وجود بعض التدابير المشتركة.

واستشهد بعدم إبلاغ السعودية شركاءها الخليجيين مسبقًا بتوقيع الحلف، معتبرًا ذلك مؤشرًا على استمرار التباينات داخل المنطقة حتى في مواجهة تهديد مشترك.

وهذه المشكلة لا تقتصر على الترتيبات الدفاعية، بل تظهر أيضًا في التنافس على خطوط الأنابيب البديلة وغياب شبكة إقليمية متكاملة للغاز، رغم ضخامة الاحتياطيات الخليجية. وخلصت الندوة إلى أن الاستجابات الوطنية المنفردة ما زالت تتقدم على بناء استراتيجية خليجية جماعية متكاملة.

النووي والمتجددة يدخلان حسابات الأمن

من النتائج بعيدة المدى للأزمة أيضًا إعادة النظر في موقع الطاقة النووية والمتجددة ضمن منظومة أمن الطاقة الخليجي.

ويتوقع الخبراء توسعًا تدريجيًا في القطاعين، وليس تحولًا سريعًا. ويرجح شهاب الدين، على سبيل المثال، أن تميل السعودية إلى إنشاء محطاتها النووية على الساحل الغربي المطل على البحر الأحمر بدل الساحل الشرقي، بما يقلل تعرضها للتهديدات الصاروخية القادمة من جهة الخليج.

وتكتسب الطاقة المتجددة ميزة أمنية إضافية؛ فطبيعتها الموزعة جغرافيًا تجعلها أقل عرضة للتعطيل الكامل بضربة واحدة مقارنة بالبنية التحتية المركزية، مثل خطوط الأنابيب ومحطات تسييل الغاز والمنشآت الكبرى لإنتاج الطاقة.

هرمز لن يعود كما كان

الخلاصة الأبرز التي تطرحها الندوة هي أن أزمة هرمز لم تؤد إلى الانهيار الذي توقعه البعض، لكنها غيرت مفهوم أمن الطاقة نفسه.

فمرونة الأسواق العالمية حدّت من الصدمة السعرية، إلا أن الأزمة كشفت هشاشة مختلفة: دول تعتمد على منشآت مركزية للطاقة والمياه، ومسارات تصدير يصعب استبدالها، وبنية أمنية إقليمية ما تزال مجزأة، بينما تحولت السيطرة على الممرات البحرية إلى جزء مباشر من حسابات الردع الاستراتيجي.

لذلك قد تستمر أهمية مضيق هرمز حتى إذا تراجعت قدرة إيران على التحكم به مستقبلًا. فالجغرافيا التي جعلته أحد أهم شرايين الطاقة العالمية لم تتغير، وما تغير هو إدراك دول المنطقة أن ضمان أمن الطاقة بعد الأزمة يقتضي أكثر من حماية ناقلات النفط: تنويع طرق التصدير، وتوزيع البنية التحتية، وتأمين المياه والكهرباء، وتطوير مصادر الطاقة البديلة، وبناء ترتيبات أمنية قادرة على الصمود أمام الأزمات الممتدة.

وتبقى الأرقام والتقديرات المتعلقة بإنتاج الكويت ومخزوناتها، وكذلك تقييم دوافع إيران ومستقبل الترتيبات الأمنية والطاقة النووية والمتجددة، تقديرات تحليلية قدمها خبراء الندوة وليست بيانات رسمية صادرة عن الحكومات المعنية، وهو ما تؤكده الملاحظة المنهجية الواردة في المادة الأصلية.