مقالات

عندما تراقب الهيئةُ الأطرَ... من يحمي استقلال الرقيب؟

عندما تراقب الهيئةُ الأطرَ... من يحمي استقلال الرقيب؟

استقلال الرقابة ليس ترفًا تنظيميًا... بل شرطٌ للعدالة وحماية العضوية

في التنظيمات الكبيرة، لا تُقاس قوة المؤسسة بقوة الأشخاص، بل بقدرتها على بناء قواعد واضحة تحكم العلاقة بين المسؤولية والرقابة، وبين من يصنع القرار ومن يتولى مهمة مراقبة سلامة تطبيقه.

ومن هنا تأتي أهمية هيئة الرقابة الحركية وحماية العضوية في حركة فتح؛ فهي ليست مجرد إضافة إلى الهيكل التنظيمي، وإنما يفترض أن تكون إحدى أدوات حماية النظام الداخلي، وصون حقوق العضوية، ومتابعة الالتزام التنظيمي، ومعالجة الخلل قبل أن يتحول إلى أزمة يصعب احتواؤها.

لكن السؤال الأهم يبقى:

هل تستطيع الرقابة أن تؤدي دورها كاملًا إذا لم يكن الرقيب محصنًا من تضارب المصالح وتداخل المواقع؟

الرقابة تبدأ من استقلال الرقيب

قوة أي جهاز رقابي لا تُقاس فقط بما يمتلكه من صلاحيات، وإنما بمدى استقلاله وقدرته على النظر إلى القضايا والملفات بموضوعية، بعيدًا عن العلاقات والمواقع والحسابات التنظيمية.

وهنا لا نتحدث عن التشكيك في نزاهة الأشخاص أو التقليل من كفاءاتهم، بل عن قاعدة مؤسسية بسيطة:

كلما ابتعد الرقيب عن موقع القرار الذي يخضع لرقابته، ازدادت ثقة القاعدة بالرقابة، وازدادت قدرة المؤسسة على حماية نفسها.

فالفصل بين المواقع ليس إقصاءً للكفاءات، ولا انتقاصًا من مكانة أي كادر، وإنما هو حماية للرقيب والمؤسسة معًا من تضارب المصالح، ومن أي شبهة يمكن أن تضعف ثقة العضوية بنتائج الرقابة.

حماية العضوية تبدأ من حماية الثقة

عندما يلجأ عضو إلى هيئة الرقابة، فإنه لا يبحث فقط عن قرار، بل يبحث قبل كل شيء عن الإنصاف والثقة.

يريد أن يعرف أن قضيته ستُنظر إليها بعيدًا عن العلاقات الشخصية، وأن من يتولى دراسة ملفه ليس طرفًا في القضية أو مرتبطًا بموقع قد يؤثر في الحكم عليها.

وهنا تصبح استقلالية الرقيب جزءًا لا يتجزأ من حماية العضوية.

فالعضو لا يحتاج إلى رقابة تُخيفه، وإنما إلى رقابة تحمي حقه، وتصون كرامته، وتعيد الاعتبار للنظام الداخلي عندما يحدث خلل أو تجاوز.

فالرقابة الحقيقية ليست أداة للضغط على الكوادر، بل صمام أمان للمؤسسة والعضو والمسؤول في آن واحد.

غزة... مسؤولية تتجاوز الأسماء

وفي المحافظات الجنوبية، تكتسب هذه المهمة أهمية خاصة، مع تشكيل لجنة الرقابة الحركية وحماية العضوية التي تضم:

ضياء الأغا، منذر الحايك، أحمد صالح، عادل ديب الناجي، عز الدين عبد العال، محمد عادل الجبور، عماد الوحيدي، وأحمد أبو جزر مقررًا.

ووجود لجنة للرقابة في غزة يمكن أن يشكل خطوة مهمة باتجاه تعزيز العمل المؤسسي، والاستماع إلى القاعدة التنظيمية، ومتابعة قضايا العضوية، ومعالجة الإشكالات وفق اللوائح والضوابط المعتمدة.

لكن نجاح أي لجنة رقابية لا يُقاس بعدد الاجتماعات أو الملفات التي تنظر فيها، وإنما بمدى قدرتها على أن تصبح مرجعًا للعدالة التنظيمية، وأن تجعل اللائحة أقوى من العلاقة، والمؤسسة أقوى من الشخص، والحق أقوى من أي اعتبار آخر.

لا ينبغي أن تختلط المواقع

من الطبيعي أن تمتلك الحركة كوادر تجمع بين الخبرة والكفاءة والقدرة على العمل في أكثر من مجال، وهذا أمر إيجابي في ذاته.

لكن الكفاءة لا تعني بالضرورة الجمع بين المواقع.

فالمسؤولية التنظيمية التنفيذية تختلف في طبيعتها عن المسؤولية الرقابية، وكلما كانت الحدود بينهما أكثر وضوحًا، كان العمل أكثر نزاهة وشفافية.

وإذا كانت اللوائح التنظيمية تنص على عدم الجمع بين عضوية هيئة الرقابة والمسؤولية في الأطر التي تخضع لرقابتها، فإن احترام هذا النص يجب أن يكون قاعدة على الجميع دون استثناء.

أما إذا كانت هناك حاجة إلى مزيد من التوضيح أو لم تكن النصوص حاسمة، فإن وضع ضوابط واضحة تمنع تضارب المصالح يصبح ضرورة مؤسسية، لا استهدافًا لأحد.

فالمؤسسة القوية لا تنتظر وقوع الإشكال حتى تعالجه، وإنما تضع الضوابط التي تمنع وقوعه من الأساس.

فتح تحتاج إلى مؤسسات لا إلى اجتهادات

في هذه المرحلة، تحتاج حركة فتح أكثر من أي وقت مضى إلى ترسيخ ثقافة يكون فيها النظام الداخلي هو الحكم، والمؤسسة هي المرجع، والعضوية حقًا مصانًا.

فالرقابة ليست سيفًا مسلطًا على الكوادر، وليست بابًا للعقوبات، وليست وسيلة لتصفية الحسابات.

إنها، في جوهرها، وسيلة لحماية الحركة من التجاوزات، وحماية العضو من الظلم، وحماية المسؤول نفسه من الخطأ.

وكلما كانت الرقابة أكثر استقلالًا، كانت أكثر احترامًا.

وكلما كانت القاعدة واحدة على الجميع، كانت المؤسسة أكثر قوة.

وكلما شعر العضو أن هناك جهة مؤسسية قادرة على حماية حقه، ازدادت ثقته بحركته وبنظامها الداخلي.

كلمة أخيرة

إن تشكيل هيئة الرقابة الحركية وحماية العضوية، ووجود لجنة لها في غزة، يمثل فرصة حقيقية لإعادة الاعتبار للعمل المؤسسي، وترسيخ ثقافة تنظيمية يكون فيها القانون الداخلي فوق الأشخاص، والحق فوق العلاقات، والمصلحة التنظيمية فوق الحسابات الفردية.

والمطلوب هنا ليس محاكمة أشخاص، ولا التشكيك في نزاهة أحد، وإنما حماية الجميع من خلال قاعدة واضحة:

أن يكون لكل موقع حدوده، ولكل مسؤولية استقلالها، وأن تبقى الرقابة بعيدة عن تضارب المصالح وتداخل الصلاحيات.

ففي النهاية، لا يكفي أن يكون الرقيب نزيهًا؛ بل يجب أن يكون موقعه نفسه محصنًا من الشبهة وتداخل الصلاحيات.

لأن الرقابة عندما تستقل... تحمي المؤسسة.

والمؤسسة عندما تحترم نظامها... تحمي العضوية.

والعضوية عندما تشعر بالإنصاف... تستعيد ثقتها بالمؤسسة.

وهنا تبدأ العدالة التنظيمية، وهنا تستعيد المؤسسة هيبتها.

﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾

لقد بلّغنا ما علينا، وقلنا ما يجب أن يُقال، نصحًا وأمانةً، لا خصومةً ولا تجريحًا.

اللهم إنّا قد بلّغنا، فاشهد.