مقالات

شباب غزة حين يصبح المستقبل ضحية أخرى للحرب

شباب غزة حين يصبح المستقبل ضحية أخرى للحرب

في اليوم العالمي للشباب تبدو غزة وكأنها تقف في الجهة الأخرى من العالم فبينما يحتفل العالم بشبابه بوصفهم طاقة المجتمعات ومحرك التنمية وصناع المستقبل يقف شباب غزة أمام مستقبل مغلق الأبواب لا لأنهم فقدوا الحلم ولكن لأن الحرب سعت إلى تدمير الشروط التي تجعل الحلم ممكنا.

شباب غزة اليوم لا يواجهون أزمة عابرة من أزمات العمر ولا مشكلة اقتصادية يمكن حلها ببرنامج تشغيل ولا حالة اجتماعية يمكن احتواؤها ببعض المساعدات وإنما يواجهون منظومة كاملة من الضغوط التي تلتقي فيها الحرب مع الفقر والنزوح والبطالة وانهيار التعليم وتدمير البنية الاقتصادية والاجتماعية لقد أصبح الشاب الغزي يعيش مفارقة قاسية فهو في العمر الذي يفترض أن يبدأ فيه بناء حياته بينما يجد نفسه منشغلا بالبقاء على قيد الحياة.

كان يفترض أن يكون السؤال الذي يواجهه ماذا سأدرس وماذا سأعمل وأين سأبني مستقبلي ومتى أتزوج وكيف سأؤسس بيتا آمنا فإذا بالأسئلة تنقلب إلى أين سأجد خيمة أكثر أمنا وأين سأحصل على الماء وكيف أوفر الطعام لعائلتي وأين أجد الدواء وهل سيأتي يوم جديد من دون قصف وهذه ليست مجرد تفاصيل يومية مؤلمة وإنما هي مؤشرات على كارثة اجتماعية ممتدة تهدد جيلا كاملا.

فالحرب لا تقتل الإنسان حين تسقط عليه قنبلة فقط وإنما قد تقتله أيضا حين تسلبه التعليم والعمل والأمان والأمل وتدفعه إلى الهامش وتحرمه من القدرة على التخطيط لمستقبله وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج الحرب في غزة فهي لا تستهدف الحاضر وحده وإنما تضرب المستقبل أيضا والشباب هم المستقبل ولذلك فإن استهداف مقومات حياتهم يمثل استنزافا استراتيجيا لرأس المال البشري الفلسطيني.

لقد تعرضت الجامعات والمدارس والمنشآت الاقتصادية والمصانع والورش والمكاتب والمحال التجارية للتدمير أو التعطيل بينما فقد آلاف الشباب فرص العمل ومصادر الدخل وتحولت قطاعات واسعة من الاقتصاد إلى حالة من الشلل والبطالة في هذه الحالة ليست رقما في تقرير اقتصادي وإنما هي شعور دائم بالعجز حين يتخرج الشاب من الجامعة ثم يجد أن الشهادة التي حملها سنوات طويلة لا تمنحه فرصة للعمل وحين يجد العامل أن مكان عمله قد دمر وحين يرى صاحب المشروع الصغير أن رأس ماله قد تبخر وحين يصبح الحصول على فرصة مؤقتة أو مهمة يومية حلما فإن المسألة تتحول من أزمة اقتصادية إلى أزمة ثقة بالمستقبل.

والأخطر أن جيلا كاملا قد يجد نفسه خارج الدورة الطبيعية للحياة التعليم ثم العمل ثم الاستقرار ثم تكوين الأسرة ثم المشاركة في بناء المجتمع لقد انقطعت هذه السلسلة في غزة بفعل الحرب والنزوح والدمار فالنازح الذي يعيش في خيمة لا يستطيع بسهولة أن يخطط لدراسة أو وظيفة أو زواج والشاب الذي فقد منزله لا يستطيع التفكير في تأسيس منزل جديد والذي فقد عمله لا يستطيع تحمل تكاليف الحياة والذي يعيش تحت ضغط الخوف والفقر لا يستطيع أن ينظر إلى المستقبل بالطمأنينة نفسها التي يحتاجها أي إنسان في بداية حياته وهكذا يصبح النزوح أكثر من انتقال جغرافي إنه اقتلاع اجتماعي واقتصادي ونفسي.

فالشاب حين يغادر منزله ومدينته وحيه وبيئته الاجتماعية يفقد جزءا من شبكة الأمان التي كانت تحيط به وتتحول الخيمة إلى عنوان مؤقت لحياة معلقة لكن المؤقت في غزة طال حتى أصبح نمطا من الحياة وهنا ينبغي أن نتوقف أمام سؤال سياسي وأخلاقي أكبر هل يمكن للمجتمع الدولي أن يتحدث عن مستقبل غزة من دون أن يتحدث عن مستقبل شبابها وهل يمكن الحديث عن إعادة الإعمار من دون إعادة بناء الإنسان وهل تكفي إعادة بناء الطرق والمستشفيات والمدارس إذا بقي جيل كامل بلا فرص عمل وبلا أفق اقتصادي وبلا مسار سياسي واضح والإجابة بالتأكيد لا.

فإعادة إعمار غزة ليست عملية هندسية فحسب وإنما عملية سياسية واجتماعية وإنسانية شاملة وإذا كانت الدول والمؤسسات الدولية تتحدث عن مرحلة ما بعد الحرب فإن الشباب يجب أن يكونوا في قلب هذه المرحلة وليسوا مجرد بند في تقارير المانحين والمطلوب ليس فقط توفير المساعدات وإنما الانتقال من منطق الإغاثة إلى منطق التمكين ومن إدارة الاحتياج إلى صناعة الفرصة ومن إبقاء الناس على قيد الحياة إلى مساعدتهم على استعادة حياتهم.

وهذا يتطلب خطة وطنية ودولية لإعادة بناء رأس المال البشري في غزة تبدأ من التعليم ولا تنتهي عند سوق العمل فالشباب الذين انقطعت دراستهم يحتاجون إلى برامج تعليمية استدراكية والشباب الذين فقدوا وظائفهم يحتاجون إلى برامج تشغيل حقيقية والشباب الذين فقدوا مشاريعهم يحتاجون إلى تمويل لإعادة إطلاق أعمالهم والشباب الذين عاشوا سنوات من الحرب والنزوح يحتاجون إلى بيئة اجتماعية تعيد إليهم الإحساس بالأمان والانتماء والقدرة على المشاركة.

لكن ذلك كله يحتاج قبل أي شيء إلى وقف الحرب فلا يمكن بناء مستقبل فوق ركام حاضر مشتعل ولا يمكن أن تطلب من شاب أن يفكر في العمل بينما القصف يهدد حياته ولا يمكن أن تطلب منه أن يخطط للزواج بينما لا يعرف أين سيكون منزله ولا يمكن أن تتحدث عن الاستثمار بينما البنية الاقتصادية مدمرة ولا يمكن أن تطلب من جيل أن يحمل مشروع إعادة الإعمار بينما يعيش هو نفسه في حالة نزوح مستمرة إن وقف الحرب ليس مطلبا إنسانيا فقط وإنما هو شرط سياسي واقتصادي لإعادة إنتاج الحياة.

وهنا تتحمل القوى الدولية مسؤولية تتجاوز بيانات القلق والتضامن فالشباب الفلسطيني في غزة ليسوا مجرد ضحايا للحرب في بعدها الإنساني وإنما هم ضحايا لانسداد سياسي طويل جعل الأجيال المتعاقبة تدفع ثمن غياب الحل العادل وإذا أراد المجتمع الدولي بالفعل منع تكرار المأساة فعليه أن يعالج جذورها السياسية لا أن يكتفي بإدارة نتائجها الإنسانية.

إن غزة لا تحتاج إلى جيل من الشباب يعيش على المساعدات إلى الأبد غزة تحتاج إلى جيل يعمل ويتعلم ويبتكر ويبني ويشارك في القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي وتحتاج إلى شباب قادرين على تحويل الألم إلى طاقة إعمار وليس إلى حالة دائمة من الإحباط وهذا لا يتحقق إلا بإعطاء الشباب دورا حقيقيا في صياغة مستقبل غزة فالشباب ليسوا جمهورا للحملات الإعلامية ولا مجرد أرقام في نشرات الإحصاء ولا صورة عاطفية تستخدم في المؤتمرات الدولية إنهم قوة اجتماعية وسياسية يجب أن تكون شريكا في تحديد الأولويات وفي صياغة السياسات وفي إدارة عملية التعافي وإعادة الإعمار.

وفي اليوم العالمي للشباب ربما يكون من الضروري أن نسأل العالم سؤالا بسيطا أي مستقبل نطلب من شباب غزة أن يحلموا به إذا كان البيت قد دمر والمدرسة تعطلت والجامعة توقفت والاقتصاد انهار والعمل اختفى والخيمة أصبحت عنوانا للحياة إن أكبر جريمة يمكن أن ترتكب بحق جيل كامل ليست فقط أن تقتل أبناءه وإنما أن تقتل قدرته على تخيل الغد.

ولهذا فإن إنقاذ شباب غزة ليس عملا تضامنيا موسميا ولا شعارا مناسباتيا وإنما هو استثمار في مستقبل فلسطين كلها فإذا نجح العالم في إعادة بناء الإنسان الغزي قبل الحجر فإن غزة ستنهض أما إذا أعيد بناء بعض الأبنية وبقي الشباب بلا تعليم ولا عمل ولا أفق سياسي فإن الأزمة ستعيد إنتاج نفسها بأشكال أخرى.

وفي اليوم العالمي للشباب يجب ألا نكتفي بأن نقول إن شباب غزة يستحقون الحياة بل ينبغي أن نقول إنهم يستحقون مستقبلا أيضا يستحقون أن يدرسوا دون خوف وأن يعملوا دون حصار وأن يسكنوا دون نزوح وأن يتزوجوا دون أن يكون سؤالهم الأول أين سنعيش ويستحقون وطنا آمنا وفرصة عادلة وحياة طبيعية فالسلام الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الأيام التي يتوقف فيها القصف وإنما يقاس أيضا بعدد الشباب الذين يستطيعون أن يعودوا إلى مدارسهم وجامعاتهم وأعمالهم وأحلامهم وعندما يصبح شاب غزة قادرا على الحديث عن مشروعه وشهادته ووظيفته وبيته وأطفاله بدلا من الحديث عن الخيمة والبطالة والتهجير والركام عندها فقط يمكن القول إن الحرب انتهت فعلا أما ما دام المستقبل نفسه يعيش تحت القصف فإن الحرب لم تنته بعد حتى لو صمتت المدافع.