مقالات

من المسؤول عن حماية المدنيين الفلسطينيين تحت الاحتلال الإسرائيلي؟

من المسؤول عن حماية المدنيين الفلسطينيين تحت الاحتلال الإسرائيلي؟

ليست بلدة قُصرة جنوب شرقي نابلس مجرد نقطة جديدة في سجل طويل من اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين في الضفة الغربية، وليست الوقائع التي تشهدها منطقة «رأس العين» مسألة أمنية محلية يمكن اختزالها في توصيفها بأنها «مواجهات بين مستوطنين وفلسطينيين». ما يجري يطرح سؤالاً قانونياً وسياسياً واستراتيجياً أعمق: من يتحمل المسؤولية عن حماية المدنيين الفلسطينيين عندما يقع الإقليم تحت الاحتلال، وعندما يكون المعتدي من المستوطنين، بينما توجد القوات العسكرية التابعة للدولة القائمة بالاحتلال في المكان؟

هذا السؤال تكتسب الإجابة عنه أهمية استثنائية في ضوء التطورات التي شهدتها قُصرة منذ التاسع من آب/أغسطس 2026، حيث أفادت تقارير بأن مستوطنين أقاموا خيمة قرب منازل فلسطينية، وأغلقوا الطرق المؤدية إليها بالحجارة، ومنعوا السكان من الدخول والخروج، وقطعت المياه والكهرباء عن المنازل، فيما تدخلت القوات الإسرائيلية لاحقاً بطريقة أدت، وفق التقارير المنشورة، إلى إخلاء منازل وجمع سكانها في منزل واحد، بل وإبلاغ سكان منازل أخرى بضرورة إخلائها.

وهنا تتجاوز المسألة حدود حادث أمني عابر، لتصبح اختباراً حقيقياً لمدى احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، وللمسؤولية القانونية والسياسية للقوة القائمة بالاحتلال.

أولاً: القاعدة الأساسية ــ الاحتلال لا يلغي واجب الحماية بل ينشئه

القانون الدولي الإنساني لا ينظر إلى الاحتلال باعتباره انتقالاً للسيادة إلى القوة المحتلة، وإنما باعتباره وضعاً قانونياً مؤقتاً تترتب عليه حقوق وواجبات محددة.

وتنظم قواعد الاحتلال بصورة أساسية لوائح لاهاي لعام 1907 واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، إضافة إلى قواعد القانون الدولي العرفي. وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن قانون الاحتلال ينظم العلاقة بين القوة المحتلة والسكان والإقليم المحتل، وأن من أهم مصادره لوائح لاهاي واتفاقية جنيف الرابعة.

والقاعدة الجوهرية هنا هي أن القوة المحتلة لا تصبح صاحبة سيادة على الإقليم، لكنها تصبح صاحبة السيطرة الفعلية عليه، ومن ثم تتحمل مسؤولية المحافظة على النظام والحياة العامة وحماية السكان المدنيين.

وتنص المادة 43 من لوائح لاهاي على أن القوة المحتلة، بعد انتقال السلطة إليها، تتخذ جميع التدابير التي في وسعها لإعادة النظام والحياة العامة وضمانهما، مع احترام القوانين النافذة في الإقليم ما لم يحل دون ذلك مانع مطلق.

وهذه المادة بالغة الأهمية في الحالة الفلسطينية؛ لأنها تجعل حفظ النظام العام وحماية الحياة المدنية جزءاً من وظيفة القوة القائمة بالاحتلال، وليس امتيازاً سياسياً لها.

ثانياً: اتفاقية جنيف الرابعة تجعل حماية المدنيين التزاماً قانونياً

تمنح المادة 27 من اتفاقية جنيف الرابعة الأشخاص المحميين حقاً في الاحترام والحماية، ولا سيما من أعمال العنف أو التهديد بها، ومن الإهانات والمعاملة المهينة.

ولا يجوز النظر إلى هذه الحماية باعتبارها التزاماً سلبياً فقط؛ أي أن تمتنع القوات المحتلة عن الاعتداء على المدنيين. ففي سياق الاحتلال، تفرض قواعد القانون الدولي أيضاً التزامات إيجابية على القوة القائمة بالاحتلال باتخاذ التدابير اللازمة لحماية السكان وضمان النظام العام.

وتكتسب المادة 29 أهمية إضافية؛ فهي تقرر مسؤولية الدولة عن معاملة الأشخاص المحميين من جانب وكلائها. وتوضح اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن المادة 29 تجعل أطراف النزاع مسؤولة عن معاملة الأشخاص المحميين الموجودين تحت أيديها من قبل أجهزة الدولة ووكلائها.

ومن ثم، فإن وجود المستوطنين كجهات غير رسمية لا يؤدي إلى فراغ قانوني في المسؤولية.

إذا كان الجيش الإسرائيلي يسيطر على المنطقة، فإن إسرائيل لا تستطيع قانوناً القول إن الاعتداءات ارتكبها مستوطنون ولذلك لا تتحمل مسؤولية حماية الفلسطينيين منها.

ثالثاً: المستوطن ليس بديلاً عن سلطة الاحتلال

هذه النقطة تحديداً هي الأكثر أهمية في قراءة ما يجري في قُصرة.

إذا قام أفراد مدنيون بإغلاق الطرق المؤدية إلى منازل فلسطينية، ومنع سكانها من الحركة، وقطع المياه والكهرباء عنهم، فإن ذلك لا ينشئ للمستوطنين أي سلطة قانونية على السكان الفلسطينيين.

فالسلطة القانونية في الإقليم المحتل لا تنتقل إلى مجموعات مدنية مسلحة أو مستوطنين أقاموا وجوداً غير مشروع في الأرض المحتلة.

وبالتالي فإن واجب القوة القائمة بالاحتلال يظل قائماً على مستويين:

الأول: الامتناع عن ارتكاب الانتهاكات بحق المدنيين.

والثاني: اتخاذ التدابير الفعالة لمنع الغير من ارتكاب أعمال العنف والاعتداء بحقهم، والتحقيق فيها ومعاقبة مرتكبيها وفق القانون.

وهنا تبرز دلالة رأي محكمة العدل الدولية الاستشاري الصادر في 19 تموز/يوليو 2024، الذي أكد أن التزامات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة تحكمها اتفاقية جنيف الرابعة والقانون الدولي العرفي.

بل إن المحكمة تناولت بصورة مباشرة مسألة عنف المستوطنين، وخلصت إلى وجود إخفاق في منع أو معاقبة هجمات المستوطنين على حياة الفلسطينيين وسلامتهم الجسدية، في سياق تقييمها لسياسات وممارسات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وهذا يجعل قضية قُصرة ذات صلة مباشرة بالإطار القانوني الذي رسمته المحكمة.

رابعاً: ماذا لو تحولت القوات من جهة حماية إلى جهة إسناد؟

هنا تقع النقطة الأكثر خطورة.

الامتناع عن حماية المدنيين يمثل مسألة، أما استخدام القوة الرسمية لمصلحة الجهة المعتدية على حساب المدنيين المحميين فهو مسألة أخرى أشد خطورة.

فإذا ثبت، على سبيل المثال، أن القوات الإسرائيلية: حالت دون وصول الإسعاف إلى المدنيين المحاصرين؛ منعت إدخال الطعام والمياه والأدوية؛ منعت المدنيين من العودة إلى منازلهم؛ وفرت الحماية للمستوطنين أثناء إغلاق الطرق أو حصار المنازل؛ أخلت السكان من منازلهم بدلاً من إخلاء المعتدين؛ أو فرضت قيوداً عسكرية تخدم عملياً هدف المستوطنين في الاستيلاء على الأرض أو إفراغها من سكانها،

فإن التكييف القانوني لا يعود مجرد «تقاعس» عن الحماية، وإنما قد يصبح فعلاً أو سلوكاً منسوباً مباشرة إلى أجهزة الدولة. والتمييز هنا مهم جداً من الناحية القانونية.

فمسؤولية الدولة عن فعل قواتها شيء، والمسؤولية الجنائية الفردية للجنود أو القادة شيء آخر. وقد تتداخل المسألتان، لكنهما ليستا واحدة.

خامساً: الحصار ومنع الاحتياجات الأساسية ليسا تفصيلاً إنسانياً

تظهر في قضية قُصرة مسألة أخرى ذات أهمية قانونية: المياه والغذاء والرعاية الطبية وحرية الوصول إلى السكان المحاصرين.

اتفاقية جنيف الرابعة لا تتعامل مع هذه المسائل بوصفها أعمالاً خيرية أو مساعدات اختيارية. فالقوة القائمة بالاحتلال مطالبة، في حدود ما تسمح به وسائلها، بضمان توفير الغذاء والإمدادات الطبية للسكان، وبضمان الخدمات الصحية والطبية، كما تنظم الاتفاقية واجباتها تجاه عمليات الإغاثة الإنسانية.

وعندما يؤدي الحصار أو الإغلاق إلى حرمان مدنيين من الاحتياجات الأساسية، فإن الأمر يجب أن يخضع لاختبار صارم وفق مبادئ التناسب والضرورة والتمييز وحماية المدنيين.

ولا يجوز استخدام الاحتياجات الإنسانية الأساسية وسيلة ضغط على السكان المدنيين لتحقيق غاية سياسية أو أمنية أو إقليمية.

ومن هنا فإن قطع المياه والكهرباء أو منع وصول الطعام والدواء، إذا ثبتت الوقائع والظروف المحيطة به، لا يمكن فصله عن التزامات القوة القائمة بالاحتلال بموجب اتفاقية جنيف الرابعة.

سادساً: الإخلاء القسري والتغيير الديموغرافي ــ الخط الأحمر

من أخطر ما يمكن أن ينتج عن مثل هذه الأحداث أن تتحول الضغوط اليومية إلى عملية تدريجية لإفراغ المنطقة من سكانها.

فالقانون الدولي الإنساني يحظر النقل القسري للأشخاص المحميين من الأراضي المحتلة، مع الاستثناءات الضيقة التي تفرضها سلامة السكان أو الضرورات العسكرية الملحة وفق شروط القانون.

كما تحظر المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة على دولة الاحتلال نقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها. وتؤكد قاعدة الاتفاقية أن نقل السكان المدنيين من جانب دولة الاحتلال إلى الإقليم المحتل يمثل انتهاكاً جوهرياً؛ وقد أُدرج النقل المباشر أو غير المباشر لأجزاء من سكان دولة الاحتلال إلى الأراضي المحتلة ضمن جرائم الحرب في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

وهنا ينبغي الانتباه إلى أن التهجير لا يبدأ بالضرورة بقرار رسمي مكتوب يقول: «يجب ترحيل السكان».

قد يبدأ بسلسلة من الإجراءات:

اعتداءات متكررة → قطع طرق → مصادرة أراضٍ → إقامة بؤرة استيطانية → حصار المنازل → منع الوصول إلى الخدمات → خلق بيئة معيشية غير محتملة → دفع السكان إلى المغادرة.

ومن الناحية الاستراتيجية، فإن أخطر ما في هذه العملية هو أن كل خطوة قد تبدو منفردة وقابلة للتبرير الأمني، بينما يؤدي تراكمها إلى نتيجة واحدة: إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا على الأرض.

سابعاً: رأي محكمة العدل الدولية لعام 2024 غيّر الإطار القانوني للنقاش

لا يمكن تحليل قُصرة اليوم من دون استحضار رأي محكمة العدل الدولية الصادر في 19 تموز/يوليو 2024.

فالمحكمة لم تكتفِ بمناقشة شرعية إجراء منفرد، وإنما تناولت بصورة شاملة السياسات والممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وخلصت إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وأن على إسرائيل إنهاء وجودها غير القانوني في أسرع وقت ممكن، ووقف النشاط الاستيطاني الجديد وإخلاء المستوطنين من الأرض المحتلة، إضافة إلى التزامات تتعلق بجبر الأضرار.

ومن المهم قانونياً الإشارة إلى أن الرأي الاستشاري للمحكمة ليس حكماً في دعوى نزاعية بين دولتين ولا يحمل، من حيث طبيعته الإجرائية، القوة الإلزامية للحكم الصادر في قضية نزاعية. لكنه يمثل تفسيراً قضائياً صادراً عن الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة للقواعد القانونية ذات الصلة، وله وزن قانوني وسياسي دولي بالغ.

وبالتالي لم تعد قضية المستوطنات مجرد موضوع سياسي متنازع عليه؛ فقد وضعت المحكمة لها إطاراً قانونياً واضحاً ضمن منظومة القانون الدولي.

ثامناً: المسؤولية لا تتوقف عند إسرائيل

السؤال التالي الذي ينبغي طرحه هو: ماذا عن المجتمع الدولي؟

إذا كانت إسرائيل هي القوة القائمة بالاحتلال، فإن المسؤولية الأساسية عن حماية السكان الواقعين تحت سيطرتها تقع عليها.

لكن الدول الأخرى ليست بلا التزامات.

فالدول الأطراف في اتفاقية جنيف الرابعة مطالبة باحترام الاتفاقية وضمان احترامها. كما أن على الدول عدم الاعتراف بالوضع غير القانوني الناشئ عن الانتهاكات الجسيمة للقواعد الآمرة، وعدم تقديم المساعدة أو الإسناد في الحفاظ على وضع غير قانوني، وفق المبادئ العامة لمسؤولية الدول كما تطورت في القانون الدولي.

وهنا تنتقل المسألة من سؤال «من يحمي المدنيين؟» إلى سؤال أكبر:؟؟؟ ماذا يفعل المجتمع الدولي عندما تفشل القوة القائمة بالاحتلال في أداء واجبها؟ الإجابة القانونية لا ينبغي أن تكون الاكتفاء ببيانات القلق والإدانة.

فثمة أدوات دبلوماسية وقانونية واقتصادية وسياسية يمكن للدول استخدامها، كل وفق التزاماتها الدولية، للضغط من أجل وقف الانتهاكات وضمان احترام القانون الدولي الإنساني.

تاسعاً: الأردن أمام مسؤولية سياسية وقانونية خاصة

بالنسبة للأردن، لا يمكن التعامل مع ما يجري في الضفة الغربية باعتباره تطوراً بعيداً عن الأمن الوطني الأردني.

فالضفة الغربية تمثل عمقاً جغرافياً وأمنياً وسياسياً مباشراً للأردن، وأي سياسة تستهدف تغيير الواقع الديموغرافي أو الجغرافي فيها تحمل انعكاسات استراتيجية على الأردن والمنطقة بأسرها.

ومن هنا فإن الدبلوماسية الأردنية تمتلك أساساً قوياً للمطالبة، بصورة مستمرة ومنهجية، بتطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني، وليس فقط إصدار مواقف سياسية عامة.

والأولوية ينبغي أن تكون: _ حماية السكان المدنيين ومنع الاعتداءات عليهم. وقف عنف المستوطنين ومحاسبة مرتكبيه. ضمان وصول الإسعاف والمساعدات الإنسانية. منع الإخلاء والنقل القسري. وقف النشاط الاستيطاني. حماية الوضع القانوني للأرض الفلسطينية. توثيق الانتهاكات بصورة قابلة للاستخدام أمام الهيئات القضائية الدولية. ربط أي إجراءات دولية بمبدأ المساءلة وعدم الإفلات من العقاب.

عاشراً: قُصرة ليست حادثاً منفصلاً بل نموذجاً استراتيجياً

إن قراءة ما يجري في قُصرة باعتباره حادثاً محلياً فقط قد تؤدي إلى فقدان جوهر الصورة.

فالاستيطان لا يعمل فقط عبر بناء مستوطنة كبيرة ومعلنة؛ يمكن أن يعمل أيضاً عبر إعادة توزيع السيطرة الفعلية على الأرض.

بؤرة هنا، طريق مغلق هناك، اعتداء على منزل، مصادرة أرض، إقامة خيمة، منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، ثم تدخل عسكري يفرض «منطقة عسكرية» أو يمنع السكان من الوصول إلى ممتلكاتهم.

هذه الأدوات، إذا تكررت وتكاملت، يمكن أن تنتج واقعاً جديداً على الأرض دون الحاجة إلى إعلان سياسي صريح عن الضم أو التهجير.

وهذا تحديداً ما يجعل قُصرة ذات أهمية استراتيجية تتجاوز مساحتها الجغرافية.

إنها تكشف الصراع بين السيطرة القانونية على الأرض والسيطرة الفعلية عليها.

الحادي عشر: الخطر الأكبر هو تطبيع الاستثناء

أخطر ما يمكن أن يحدث للقانون الدولي ليس انتهاكه في حادث واحد، وإنما تحويل الانتهاك إلى ممارسة عادية.

فعندما تصبح الاعتداءات على المدنيين متكررة، ثم تصبح القيود على الحركة أمراً معتاداً، ثم تصبح حماية المعتدي أكثر انتظاماً من حماية الضحية، ثم يصبح الإخلاء «إجراءً أمنياً»، يتغير معنى الاحتلال نفسه.

القانون الدولي الإنساني يقوم على فكرة بسيطة وعميقة: حتى في الحرب، وحتى في الاحتلال، توجد حدود لا يجوز تجاوزها.

والمدني الذي يعيش تحت الاحتلال لا يفقد حقوقه لأنه فلسطيني، ولا لأن الدولة التي تحتله تقول إن الإجراءات ضرورية لأمنها.

كما أن الأمن لا يمكن أن يكون مبرراً مطلقاً لتجريد السكان المدنيين من الحماية التي يمنحهم إياها القانون الدولي الإنساني.

الثاني عشر: ما المطلوب الآن؟ الانتقال من الإدانة إلى المساءلة

إذا كانت الوقائع في قُصرة ثابتة بالأدلة والشهادات والتسجيلات والصور، فإن الخطوة التالية يجب ألا تكون مجرد إصدار بيان إدانة جديد.

المطلوب هو بناء ملف قانوني متكامل يتضمن:_ أسماء الضحايا والمتضررين. مواقع المنازل والأراضي. التسلسل الزمني للأحداث. أسماء الجهات والأفراد الذين نفذوا الأفعال، متى أمكن تحديدهم. أرقام وتواريخ الأوامر العسكرية.

الأدلة المتعلقة بقطع المياه والكهرباء. الأدلة على منع الإسعاف والمساعدات. توثيق وجود القوات الإسرائيلية أثناء الاعتداءات. تسجيل أي حالات منع للعودة إلى المنازل. توثيق أي عمليات إخلاء أو نقل للسكان. توثيق إقامة البؤر الاستيطانية أو تغيير استخدام الأرض. توثيق أي تصريحات أو أوامر أو إجراءات رسمية مرتبطة بالأحداث.

فالقاعدة الذهبية في القانون الدولي هي أن الواقعة الموثقة تصبح قابلة للمساءلة، بينما الواقعة غير الموثقة تبقى عرضة للإنكار السياسي.

الثالث عشر: من المسؤول في النهاية؟

الإجابة القانونية المباشرة هي:

إسرائيل، بوصفها القوة القائمة بالاحتلال، تتحمل المسؤولية الأساسية عن حماية السكان المدنيين الفلسطينيين الواقعين تحت سيطرتها الفعلية، وعن ضمان النظام العام والحياة المدنية، وعن منع أعمال العنف ضد السكان وممتلكاتهم والتحقيق فيها وملاحقة مرتكبيها.

أما إذا شاركت القوات الإسرائيلية نفسها في تلك الأفعال، أو ساعدت عليها، أو وفرت الحماية الفعلية لمرتكبيها، أو استخدمت سلطتها لإخلاء الضحايا بدلاً من وقف المعتدين، فإن المسؤولية يمكن أن تصبح أكثر مباشرة، بحسب الوقائع والأدلة والتكييف القانوني لكل حالة.

وفي الوقت نفسه، فإن المسؤولية الجنائية الفردية المحتملة للجنود أو القادة أو غيرهم يجب أن تُبحث بصورة مستقلة وفق قواعد المسؤولية الجنائية الدولية، ولا يجوز الخلط بينها وبين مسؤولية الدولة.

خاتمة: قُصرة تختبر جدية النظام القانوني الدولي

قُصرة اليوم ليست مجرد عنوان جديد في أخبار الضفة الغربية.

إنها اختبار عملي لسؤال أكبر بكثير: هل ما زال القانون الدولي قادراً على حماية المدنيين عندما تكون القوة التي يفترض أن تحميهم هي نفسها طرفاً في منظومة السيطرة التي يعيشون تحتها؟

القانون الدولي وضع الإجابة قبل عقود: الاحتلال لا يمنح السيادة، ولا يمنح القوة المحتلة حق إعادة تشكيل الإقليم وفق مصالحها، ولا يحول السكان المدنيين إلى رهائن للسياسات الأمنية والاستيطانية.

اتفاقية جنيف الرابعة ولوائح لاهاي وقواعد القانون الدولي العرفي وضعت منظومة متكاملة لحماية المدنيين والحفاظ على الحياة العامة في الأراضي المحتلة.

ومحكمة العدل الدولية أعادت في رأيها لعام 2024 التأكيد على أن هذه القواعد لا تزال سارية، وأن الاحتلال لا يمكن أن يتحول إلى وضع قانوني دائم، وأن النشاط الاستيطاني لا يمكن أن يكون أداة لإعادة تشكيل مستقبل الأرض المحتلة.

وعليه، فإن السؤال في قُصرة ليس: هل يستطيع المستوطنون حصار منزل فلسطيني؟

السؤال القانوني الأصح هو:

أين هي سلطة الاحتلال عندما يُحاصر المدنيون؟ ومن الذي يمنع المعتدي، ومن يحمي الضحية، ومن يضمن وصول الماء والغذاء والدواء والإسعاف، ومن يحاسب من ينتهك القانون؟

فإذا كانت القوة القائمة بالاحتلال موجودة في المكان، وتمتلك القدرة الفعلية على التدخل، فإن مسؤوليتها لا يمكن أن تختفي خلف عبارة «المستوطنون فعلوا ذلك».

وفي اللحظة التي يتحول فيها وجود الجيش من أداة لحماية المدنيين إلى أداة لحماية المعتدين أو فرض نتائج اعتداءاتهم على السكان، فإن المسألة تصبح أعمق من مجرد فشل أمني؛ إنها تمس جوهر التزامات القوة القائمة بالاحتلال بموجب القانون الدولي الإنساني.

وقُصرة، بهذا المعنى، ليست مجرد قرية محاصرة؛ إنها مرآة تكشف إلى أي مدى يمكن أن يفقد الاحتلال وظيفته القانونية المؤقتة ويتحول، عبر الاستيطان والعنف والتهجير التدريجي، إلى مشروع لإعادة هندسة الأرض والسكان. وهنا تحديداً يجب أن يبدأ التحرك القانوني والسياسي الدولي: من حماية المدنيين، إلى وقف الاستيطان، إلى المساءلة، وصولاً إلى إنهاء الاحتلال غير المشروع وفق قواعد القانون الدولي.