مقالات

المعلّم الذي كان يدرّسنا الإنجليزية... ويعلّم العالم حكاية جباليا

المعلّم الذي كان يدرّسنا الإنجليزية... ويعلّم العالم حكاية جباليا

وفاءٌ من تلميذٍ لمعلّمه... إلى المربي والمناضل أحمد حمد أبو منيف

هناك معلّمون تنتهي حصتهم بانتهاء جرس المدرسة، وهناك معلّمون تبدأ حصتهم الحقيقية في ذاكرة تلاميذهم بعد أن تمرّ السنوات.

والمعلّم أحمد حمد أبو منيف واحدٌ من أولئك الذين لم تكن السبورة بالنسبة إليهم مجرد مكانٍ لكتابة الكلمات، ولم تكن اللغة الإنجليزية مادةً دراسية تنتهي بانتهاء الامتحان؛ كان يحمل في قلبه قضية، وفي عقله رسالة، وفي روحه انتماءً يتجاوز حدود الفصل والمدرسة.

كنت يومها في الثالثة عشرة من عمري، تلميذًا في المدرسة الإعدادية «أ» بمخيم جباليا، وكان هو شابًا واعدًا، مفعمًا بالحيوية والنشاط والحماس. كنت أرى في حضوره شيئًا مختلفًا؛ معلّمًا شابًا لا يكتفي بأن يشرح لنا الكلمات والقواعد، بل كان يحمل همًّا أكبر من الكتاب، وحكايةً أكبر من جدران المدرسة.

كان يعلّمنا اللغة الإنجليزية، لكنني أدرك اليوم، بعد كل هذه السنوات، أنه كان يعلّمنا درسًا آخر لم أكن أفهمه وأنا في الثالثة عشرة:

أن العلم يمكن أن يتحول إلى رسالة، وأن اللغة يمكن أن تصبح جسرًا تحمل عليه قضية شعبك إلى العالم.

كنت أراه أحيانًا يقف مع وفود من الأجانب، ويتحدث إليهم باللغة الإنجليزية عن المخيم وأوضاعه ومعاناة أهله. ونحن الصغار كنا نرى المشهد دون أن ندرك عمقه.

أما اليوم فأفهم تمامًا ماذا كان يفعل.

كان يذهب إلى العالم بلغته، ليقول لهم إن خلف أزقة جباليا حكاية شعب، وإن خلف بيوت المخيم وجوهًا تحمل ذاكرة وطن، وإن الفلسطيني ليس رقمًا في تقرير، ولا صورةً عابرة في نشرة أخبار.

كان يعرف أن الكلمة حين تكون صادقة تستطيع أن تعبر الحدود، وأن المعلّم يمكن أن يكون سفيرًا لقضية شعبه، حتى وهو يقف أمام طلابه داخل غرفة صف.

لكن ما لم أكن أعرفه يومها هو أن وراء ذلك المعلّم الشاب حكايةً من الألم والصبر والكفاح، أكبر بكثير مما كنا نراه.

كان في طفولته يعرف الجوع قبل أن يعرف معنى الشبع.

كم مرة نام بلا عشاء؟

وكم مرة مشى حافي القدمين؟

لقد وصل به الفقر في طفولته إلى أنه لم يلبس في قدميه حذاءً حتى بلغ الصف السادس.

وفي سن الرابعة فقط، كان قد نزل إلى سوق الحياة مبكرًا جدًا؛ كانت معه خريطة صغيرة يجوب بها الأماكن، يجمع روث الحيوانات ويبيعه لأصحاب المزارع، ليس لأنه اختار العمل طفلًا، وإنما لأن الحاجة كانت أقوى من طفولته.

وهناك جرحٌ أعمق من الفقر والجوع.

ففي عام 1948، وبينما كان في الثانية من عمره، تعرّضت أسرته لغارة جوية قُتل فيها جميع أفراد أسرته، وأصيب هو أيضًا، وبقيت شظايا تلك الغارة مستقرةً في جسده حتى يومنا هذا.

أيُّ طفلٍ يستطيع أن يحمل كل هذا الألم ثم يكبر دون أن ينكسر؟

وأيُّ إنسانٍ يستطيع أن يتجرع ذلّ اليُتم والجوع حتى الثمالة، ثم يحوّل تلك القسوة إلى إرادة، والعوز إلى طموح، والألم إلى رسالة؟

ربما هنا تكمن الإجابة عن ذلك الشاب الذي عرفته في المدرسة.

فمن عاش اليُتم مبكرًا، عرف قيمة الإنسان.

ومن ذاق الجوع، عرف معنى الكرامة.

ومن حمل شظايا الحرب في جسده، عرف أن الوطن ليس كلمةً تُقال، بل ذاكرة ودم وبيت وأهل وحكاية.

ولهذا لم يتوقف أحمد حمد أبو منيف عند حدود جباليا.

سافر إلى بريطانيا ثلاث مرات، وإلى الدنمارك مرتين، وإلى السويد والنرويج وفرنسا، ولم تكن تلك الرحلات بالنسبة إليه سياحةً أو بحثًا عن رفاه شخصي؛ كان يحمل معه حكاية شعبه، وينقل إلى الآخرين صورة الإنسان الفلسطيني ومعاناته وقضيته.

لقد خرج من مخيم جباليا، وهو الطفل الذي عرف الحفاء والجوع واليُتم، ليصل إلى عواصم العالم متحدثًا عن شعبه.

وهنا أفهم أكثر لماذا كان ذلك المعلّم الشاب يتحدث إلى الأجانب باللغة الإنجليزية.

لم يكن يستعرض لغةً أتقنها، بل كان يستخدمها سلاحًا ناعمًا للدفاع عن ذاكرة شعبه.

كان يترجم وجع المخيم إلى لغة يفهمها العالم.

كان يأخذ حكاية جباليا من الأزقة الضيقة إلى المدن البعيدة.

وكان يحمل فلسطين معه أينما ذهب.

ما أجمل أن يجتمع في الإنسان المعلّم والمناضل والإنسان.

لم يكن نضاله صخبًا ولا استعراضًا؛ كان في وعيه، وفي مواقفه، وفي حماسه، وفي إحساسه بالمسؤولية تجاه الناس والمكان والقضية.

ثم جاءت السنوات، وكبر التلاميذ، وتبدلت الوجوه، ومرّت على ذاكرتنا عقود طويلة من الألم والحروب والنزوح.

لكن بعض المعلمين لا يكبرون في الذاكرة.

يبقون كما رأيناهم أول مرة.

واليوم، حين أستعيد صورة ذلك الشاب الذي عرفته وأنا في الثالثة عشرة، أرى أمامي إنسانًا حمل في طفولته كل ذلك الوجع، ثم اختار أن يجعل من حياته رسالة.

لقد هُدم بيته في الحرب الأخيرة، ودُمّرت المربعات السكنية المحيطة به من جميع الجهات.

سقطت الجدران، وضاعت تفاصيل المكان، وتحولت البيوت إلى ركام.

لكن هناك أشياء لا تستطيع الحرب هدمها.

أثر المعلم في تلاميذه.

فالبيت يُبنى من الحجر، أما سيرة المعلم فتبنى في القلوب.

وقد تهدم الحرب منزل الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تهدم ما زرعه في نفوس طلابه، ولا أن تمحو السنوات التي قضاها وهو يصنع وعيًا، ويمنح معرفة، ويغرس انتماءً.

أستاذي أحمد حمد أبو منيف...

اليوم أعود بذاكرتي إلى ذلك الفتى ابن الثالثة عشرة، فأجدني مدينًا لك بكلمة ربما تأخرت كثيرًا:

شكرًا يا أستاذ أحمد.

شكرًا لأنك لم تكن مجرد معلّم للغة الإنجليزية.

شكرًا لأنك كنت نموذجًا لشابٍ عرف أن التعليم رسالة، وأن المعرفة مسؤولية، وأن الإنسان يستطيع أن يحمل وطنه في قلبه ويذهب به إلى العالم.

شكرًا لأنك جعلت من اللغة نافذةً يرى العالم من خلالها شيئًا من وجع جباليا.

وشكرًا لأنك أثبتَّ أن الطفل الذي نام يومًا بلا عشاء، ومشى حافي القدمين حتى الصف السادس، وعمل منذ الرابعة من عمره، وحمل شظايا اليتم والحرب في جسده، يستطيع أن يكبر ليصبح صوتًا لشعبه، ومعلّمًا لأجيال، وسفيرًا لقضية وطنه في عواصم العالم.

لقد أدركت متأخرًا أن بعض الدروس لا تُكتب في الدفاتر، ولا تأتي في أسئلة الامتحان.

هناك دروسٌ تكتبها الحياة في أعماقنا، ويبقى المعلم حاضرًا فيها إلى الأبد.

وأنت يا أستاذ أحمد، كنت أحد أولئك الذين علّموني أن الإنسان لا يُقاس بما بدأ به حياته، بل بما يصنعه من حياته.

بدأتَ من اليُتم والجوع والحفاء، وانطلقتَ من أزقة المخيم، وحملتَ شظايا 1948 في جسدك، لكنك لم تسمح للألم أن يكون نهاية الحكاية.

حوّلتَ الألم إلى إرادة.

والفقر إلى دافع.

والعلم إلى رسالة.

واللغة إلى جسر.

والحكاية الشخصية إلى قضية شعب.

ولذلك، حين أكتب عنك اليوم، لا أكتب عن شخصية سمعت عنها، ولا عن اسم قرأته في كتاب.

أنا أكتب عن معلّمي.

عن الرجل الذي عرفته بعيني وأنا في الثالثة عشرة من عمري.

عن الشاب الذي رأيته يومًا ممتلئًا بالحيوية والحماس، وبقيت صورته في ذاكرتي رغم كل ما مرّ بنا.

عن الإنسان الذي لم تنجح السنوات ولا الحروب ولا الركام في إطفاء أثره.

أستاذي أحمد حمد أبو منيف...

قد لا تعرف كم من تلاميذك ما زالوا يحملون لك شيئًا من الامتنان.

وقد لا تعرف أن بعض المعلمين لا تنتهي علاقتنا بهم بخروجنا من بوابة المدرسة؛ بل يظلون جزءًا من تكويننا، ومن ذاكرتنا، ومن الحكايات التي نحكيها لأبنائنا عن رجالٍ مروا في حياتنا وتركوا فيها أثرًا لا يمحى.

وأنا واحدٌ من هؤلاء.

لذلك أقول لك اليوم:

كنتَ معلّمي في اللغة الإنجليزية، لكنك كنتَ معلّمي في الحياة أيضًا.

علّمتني أن المعرفة مسؤولية.

وأن الانتماء فعلٌ لا شعار.

وأن الكلمة الصادقة تستطيع أن تعبر الحدود.

وأن الإنسان يستطيع، مهما كانت بدايته قاسية، أن يصنع من حياته معنى.

وسلامٌ عليك يا أستاذي أحمد حمد أبو منيف...

سلامٌ على الطفل الذي قاوم اليُتم والجوع.

وسلامٌ على الشاب الذي حمل حماس المخيم وقضيته.

وسلامٌ على المعلّم الذي جعل من اللغة رسالة.

وسلامٌ على الرجل الذي حمل حكاية جباليا إلى بريطانيا والدنمارك والسويد والنرويج وفرنسا، وإلى كل مكان استطاع أن يصل إليه صوت فلسطين.

وسلامٌ على جباليا التي أنجبت رجالًا لم تكن المدرسة بالنسبة إليهم جدرانًا وصفوفًا، بل كانت بدايةً لحكاية وطن.

بعض المعلمين يعلّمونك درسًا...

وبعضهم يترك فيك إنسانًا.

وأنت يا أستاذ أحمد، تركت في تلميذك إنسانًا لم ينسَ معلّمه.

تلميذك الذي لم ينسَ معلّمه،