أخبار

تحقيق عبري: كيف تحول منشور هندي مفبرك إلى تصريح رسمي لنتنياهو وسفير أميركي

واعتراف صريح على فوكس نيوز؟..

تحقيق عبري: كيف تحول منشور هندي مفبرك إلى تصريح رسمي لنتنياهو وسفير أميركي

تل أبيب: كشف تحقيق صحفي إسرائيلي مسارًا لافتًا لانتشار اقتباس منسوب إلى قائد في الحرس الثوري الإيراني أحمد وحيدي، يزعم اعترافه بأن إيران ستواصل تطوير سلاح نووي ما دامت إسرائيل والولايات المتحدة تمتلكان أسلحة نووية، قبل أن يتبين عدم وجود مصدر إيراني أصلي يمكن الاستناد إليه لإثبات صدور التصريح.

وبحسب تحقيق نشره موقع Ynet الإسرائيلي، في 7 أغسطس 2026، للصحفي الاستقصائي رونن برجمان، فإن الاقتباس انتقل خلال نحو 15 ساعة ونصف الساعة من حساب هندي على منصة “إكس” إلى قناة 14 الإسرائيلية، ثم إلى خطاب رسمي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، قبل أن يتداوله سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة وشبكة “فوكس نيوز” الأمريكية، ليعود في نهاية المطاف إلى الهند منسوبًا هذه المرة إلى “الإعلام الإسرائيلي”.

بدأت القصة في 5 أغسطس، عندما نشر حساب هندي على منصة “إكس” يحمل اسم “ريتيكا” الاقتباس المزعوم لوحيدي. ويصف التحقيق الحساب بأنه قومي هندوسي مؤيد لإسرائيل، وله تاريخ موثق في نشر معلومات مضللة، وفق فحص أجرته منظمة “بودكيم” المتخصصة في مكافحة التضليل. ولم يتضمن المنشور أي إحالة إلى مصدر إيراني، أو تسجيل مصور، أو وكالة أنباء إيرانية يمكن من خلالها التحقق من صحة التصريح.

وبعد نحو أربع ساعات ونصف الساعة، ظهر الاقتباس باللغة الإنجليزية على حساب يحمل اسم “Commentary Mossad”، وهو حساب يتابعه أكثر من مليون شخص، رغم أن جهاز الموساد الإسرائيلي ينفي أي صلة به. وكانت الصيغة المنشورة أكثر تنقيحًا، ما منح الاقتباس مظهرًا أقرب إلى الخبر الجاهز للتداول.

وبعد 33 دقيقة فقط، انتقل الاقتباس من حسابات التواصل الاجتماعي إلى الإعلام، عندما نشرته قناة 14 الإسرائيلية بنسختها الإنجليزية باعتباره خبرًا، ووصفته بأنه المرة الأولى التي يعترف فيها مسؤول إيراني رفيع بصورة مباشرة بتطوير قنبلة نووية. والمفارقة أن النسخة العبرية للقناة لم تكن قد نشرت الخبر حتى تلك اللحظة.

بعد ذلك دخل يائير نتنياهو، نجل رئيس الوزراء الإسرائيلي، على خط تداول الرواية، فأعاد نشر منشوري حساب “Commentary Mossad” وقناة 14 الإنجليزية بفارق ثلاث دقائق فقط بينهما، كما أعاد حساب “Israel War Room” نشر الخبر.

لكن النقلة الأهم جاءت قبل الساعة 17:02، عندما انتقل الاقتباس من فضاء منصات التواصل والإعلام إلى الخطاب السياسي الرسمي. ففي مناسبة حكومية أقيمت في هار هرتسل بالقدس، أورد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الاقتباس المزعوم في خطابه، وقال إن وحيدي أعلن صراحة نية إيران مواصلة تطوير سلاح نووي.

وبذلك، تحول اقتباس لم يقدم التحقيق أي دليل على وجود مصدر أصلي له، خلال أقل من ثماني ساعات على ظهوره الأول، إلى تصريح يستشهد به رئيس الحكومة الإسرائيلية في مناسبة رسمية.

ولم يتوقف انتشار الرواية عند إسرائيل. ففي الساعة 17:35، شارك سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مايك والتز، المستشار السابق للأمن القومي للرئيس دونالد ترامب، منشور قناة 14 الإنجليزية، معلقًا: “أخيرًا يعترفون بما كان واضحًا لسنوات”، قبل أن يحذف المنشور لاحقًا من دون تقديم تفسير.

وفي الساعة 22:01، نشرت “فوكس نيوز” الاقتباس على موقعها الإلكتروني باعتباره حقيقة مؤكدة، وفي اليوم التالي ظهر العنوان نفسه على شاشتها التلفزيونية بوصفه تصريحًا صادرًا عن وحيدي، فيما وصفه المذيع بيل ماهر بأنه أقرب شيء إلى اعتراف سمعه.

وبحلول الساعة 00:45، اكتملت دائرة تداول الرواية عندما أعادت وكالة الأنباء الهندية ANI الخبر إلى الهند، لكن هذه المرة منسوبًا إلى “الإعلام الإسرائيلي”. والمفارقة التي يرصدها التحقيق أن الوكالة نفسها كانت قد نقلت قبل نحو أسبوع بيانًا للسفارة الإيرانية في الهند يحتج على نشر أخبار كاذبة ومفبركة بشأن إيران.

تكمن النقطة المركزية في التحقيق في أن البحث عن المصدر الأصلي للاقتباس لم يؤد إلى العثور على أي أثر له في خطاب أو تسجيل أو مصدر إيراني رسمي، كما لم يظهر في تغطيات مستقلة لوكالات دولية مثل رويترز أو أسوشيتد برس أو فرانس برس.

وهكذا، انتقلت الرواية من حساب هندي مجهول نسبيًا إلى حساب يستعير اسم جهاز الموساد من دون صلة رسمية به، ثم إلى قناة تلفزيونية إسرائيلية، ومنها إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي، ثم إلى سفير أمريكي لدى الأمم المتحدة وشبكة تلفزيونية أمريكية واسعة الانتشار.

ويرصد التحقيق مجموعة من السمات المرتبطة بعمليات التضليل، استنادًا إلى فحص منظمة “بودكيم”، من بينها التمهيد المسبق للأرضية التي تسمح بتصديق الرواية، وإعارة المصداقية للمعلومة عبر حسابات تحمل أسماء موحية، ثم ما يعرف بـ”التقرير الدائري”، حيث يستشهد كل طرف بطرف آخر إلى أن يصبح من الصعب تحديد المصدر الأول للمعلومة.

وبحسب التحقيق، لم يكن انتشار الاقتباس المزعوم منفصلًا عن سياق إعلامي سبق ظهوره. فقد قدمت قناة 14 أحمد وحيدي خلال أشهر سابقة باعتباره “الرجل الأقوى في إيران” و”الهامس في أذن خامنئي”، وهو ما ساهم في تهيئة الجمهور لتصديق أي تصريح دراماتيكي ينسب إليه لاحقًا.

ويبرز في هذا السياق التسلسل المتدرج في مستوى المصداقية الظاهرية للمصادر: البداية من حساب هندي، ثم حساب يحمل اسم الموساد ويتابعه أكثر من مليون شخص، ثم قناة تلفزيونية إسرائيلية، وصولًا إلى رئيس حكومة، فسفير أمريكي لدى الأمم المتحدة، ثم شبكة “فوكس نيوز”.

ويثير التحقيق تساؤلات بشأن التزامن الدقيق بين بعض مراحل الانتشار، ولا سيما إعادة يائير نتنياهو نشر منشورين صادرين عن مصدرين مختلفين ظاهريًا خلال ثلاث دقائق فقط. لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن هذا التزامن، مهما بدا لافتًا، لا يمثل بمفرده دليلًا قاطعًا على وجود تنسيق متعمد بين الأطراف المختلفة.

ومن أبرز الآليات التي يتوقف عندها التحقيق ظاهرة “التقرير الدائري”، التي تؤدي إلى طمس المصدر الأصلي للمعلومة تدريجيًا. فحساب “Commentary Mossad”، الذي كان أحد المصادر المبكرة التي استندت إليها قناة 14، عاد لاحقًا للاستشهاد بالقناة نفسها باعتبارها مصدرًا بعد أن تبنى نتنياهو الاقتباس.

وبذلك أصبحت الجهات التي تلقت المعلومة من مصدر أولي غير موثق تتحول تدريجيًا إلى مصادر تمنح الرواية مصداقية جديدة، ثم يعود المصدر الأول أو مصادر أخرى للاستناد إليها بوصفها تأكيدًا مستقلًا. ويصف برجمان هذه العملية بأنها أقرب إلى “آلة غسيل” للمعلومات منها إلى سلسلة نشر صحفية عادية.

ويربط التحقيق هذا النمط بقضية سابقة كشفها الكاتب نفسه عام 2024، تتعلق بنشر صحيفتي “جويش كرونيكل” البريطانية و”بيلد” الألمانية معلومات مفبركة توافقت مع رسائل سياسية كان نتنياهو يسعى إلى تمريرها آنذاك. ويقول برجمان إنه كشف لاحقًا أن مسؤولًا كبيرًا في مكتب رئيس الوزراء كان يقف خلف تلك القضية.

وفي القضية الحالية، ينقل التحقيق عن مصدر أمني رفيع وصف ما حدث بأنه تكرار لـ”عملية تأثير غير قانونية” على الجمهور الإسرائيلي، لكنها موجهة هذه المرة أيضًا إلى الجمهور الأمريكي، محذرًا من أن الخيوط ليست خفية بالنسبة إلى من يبحث عنها قبل أن يتبنى المعلومة المزيفة رئيس وزراء وسفير وقناة تلفزيونية أمريكية.

ومع ذلك، يحرص التحقيق على التمييز بين الوقائع التي تمكن من توثيقها وبين الاستنتاج المتعلق بوجود عملية مركزية منسقة. فرغم التسلسل الزمني والتزامن بين بعض عمليات النشر، يؤكد برجمان أنه لا يمتلك دليلًا مباشرًا، مثل مجموعة تواصل أو وثيقة تشغيلية، يثبت وجود تنسيق متعمد بين جميع الأطراف التي ساهمت في تداول الاقتباس.

وعليه، فإن ما يثبته التحقيق هو مسار انتقال الاقتباس وتضخيمه والسرعة التي اكتسب بها مستويات متزايدة من المصداقية، وليس وجود “غرفة عمليات” أو جهة مركزية أدارت جميع مراحل انتشاره. وأي استنتاج يتجاوز ذلك لا تدعمه، بحسب التحقيق، الأدلة المتاحة.

ورد مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي على التحقيق بالقول إن دولة إسرائيل تقف بالكامل وراء تصريح نتنياهو بأن نظام الحرس الثوري في إيران يسعى إلى تطوير سلاح نووي. إلا أن الرد لم يتناول بصورة مباشرة مصداقية الاقتباس المحدد المنسوب إلى أحمد وحيدي، وهو ما يمثل فارقًا بين الموقف الإسرائيلي العام من البرنامج النووي الإيراني وبين السؤال الذي يتناوله التحقيق حول صحة التصريح المنسوب إلى المسؤول الإيراني.

وتكشف القضية في مجملها عن آلية يمكن من خلالها لمعلومة مجهولة المصدر أن تكتسب تدريجيًا مظهر الحقيقة، ليس بالضرورة من خلال تقديم أدلة جديدة تثبتها، وإنما عبر انتقالها بين جهات تتمتع بمستويات متزايدة من الحضور والمصداقية. فكل حلقة جديدة في سلسلة التداول تمنح الرواية قدرًا إضافيًا من الشرعية، حتى يصبح ناقلو الخبر أنفسهم مصادر يستشهد بها آخرون.

وفي غضون ساعات، انتقل اقتباس بدأ من حساب على منصة “إكس”، من دون تسجيل أو بيان رسمي أو مصدر إيراني معروف، إلى قناة تلفزيونية ثم إلى خطاب رئيس حكومة، ومنه إلى دبلوماسي أمريكي وشبكة إخبارية أمريكية، قبل أن يعود إلى البلد الذي انطلقت منه الرواية بوصفه خبرًا تؤكده وسائل إعلام أجنبية.

وبهذا المعنى، لا تقتصر أهمية التحقيق على صحة اقتباس واحد منسوب إلى مسؤول إيراني، بل تمتد إلى الطريقة التي يمكن أن تعمل بها منظومة المعلومات الحديثة: فالتكرار، وسرعة الانتشار، وانتقال الرواية بين مؤسسات وشخصيات ذات وزن سياسي وإعلامي، يمكن أن يحول ادعاءً بلا مصدر واضح إلى “حقيقة” متداولة، بينما يختفي السؤال الأساسي تدريجيًا خلف كثافة إعادة النشر: من أين جاءت المعلومة أصلًا، وما الدليل على صحتها؟